الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

القضية الكوردية وكوردستان في المجال الدولي (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2004

ب- الحرب العراقية - الإيرانية 1980-1988 ودور الأكراد فيها

كانت الظروف الدولية والملابسات الإقليمية التي وُقّعت فيها اتفاقية الجزائر في 6 آذار/مارس 1975م تنبئ بأنها هدنة قبل بها العراق حتى يتسنى له بناء ثقته في نفسه وتدبير أموره الداخلية بإحكام سيطرته على الحركة الكوردية. وما إن استرد العراق ثقته وبدت في الأفق مظاهر قوته على الصعيدين الداخلي والإقليمي، بتمكّنه من إخضاع الأكراد داخلياً، وسقوط حكم الشاه في إيران، وتمزّق القوات المسلحة الإيرانية (21)، حتى طالب بانسحاب القوات الإيرانية من “زين القوس” على طول الحدود المتنازع عليها في محافظة ديالى. وعندما رفضت السلطات الإيرانية المطالب العراقية قامت القوات العراقية في منتصف عام 1980م باحتلال المنطقة المتنازع عليها، والتي تبلغ مساحتها 80 ميلاً مربعاً، وأكد الإيرانيون هذا الاحتلال وأنهم عازمون على استرجاع هذه المنطقة. وفي 17 أيلول/سبتمبر 1980م ألغت الحكومة العراقية بصورة رسمية اتفاقية الجزائر لعام 1975م، وطالبت بسيادتها المطلقة على كل شط العرب، وطالب العراق كل السفن التي تمر بالممر المائي ومصبّه برفع العلم العراقي وأن تأخذ المرشدين العراقيين فقط، ونتيجة لذلك توقفت أكثر من 50 سفينة في ميناء خرمشهر الإيراني، كما تم الإبلاغ عن إصابة 8 سفن بقذائف الهاون والمدفعية. وفي تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 1980م احتل العراق بالفعل أجزاء من محافظات كوردستان وخوزستان، وأجزاء أخرى من الأراضي الإيرانية القريبة من الخليج، بينما قصفت إيران منشآت نفطية وقواعد عسكرية في العراق، وقامت إيران أيضاً بإغلاق مصب شط العرب وأعلنته منطقة حرب (22).

وقد اعتبر العراق القتال في كوردستان إيران بين الأكراد والسلطة الإيرانية عاملاً إيجابياً لصالحه، وأعلن وعوده بمساعدة الأكراد في كوردستان إيران. واختلفت وجهات النظر حول مدى تعلق المصالح الكوردية بالحرب العراقية - الإيرانية، بين من يرى أن دخول الطرفين العراقي والإيراني في مفاوضات يحمل الخير للأمة الكوردية، وآخرين يرون توحيد كل القوى لمواجهة الهجوم العراقي. وكان يتبنى وجهة النظر الأخيرة البارزانيون الموجودون في كوردستان إيران، إضافة إلى الزعامات الكوردية الإيرانية في كوردستان إيران، وخاصة د. عبد الرحمن قاسملو رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني، إذ انتهز قاسملو فرصة الحرب وعرض أن ينضم بقواته الكوردية إلى الحكومة الإيرانية في هذه الحرب مقابل ضمان حقوق الأكراد في كوردستان إيران، ولكن الحكومة الإيرانية لم تُبدِ حماساً لهذا العرض (23).

أما أكراد كوردستان العراق فقد كان شاغلهم الأكبر عدم قدرتهم على تحديد طبيعة المخاطر التي تواجههم؛ لذلك لم يرَ الأكراد عموماً، ومؤيدو البارزاني خصوصاً، في اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية سوى فرصة للانتقام من الحكومة العراقية، وتخلّوا عن أي حيطة أو حذر. وعلى هذا الأساس حمل البارزانيون الشبان السلاح مجدداً ضد الحكومة العراقية، دون أن يفكروا في القمع الذي سيتعرض له الأكراد إذا خسرت إيران الحرب وظل صدام حسين في السلطة. واختار الأكراد في كوردستان العراق نسيان تجربتهم المريرة مع الشاه والقوى الأجنبية الأخرى، رغم أنه لم يمضِ عليها وقت طويل (عام 1975م)، وتحالفوا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقيادة آية الله روح الله الخميني، على الرغم من شراسة القمع الذي ارتكبته إيران بحق أكرادها خلال عام 1979م (24).

وقد أدى التعاون الكوردي الإيراني إلى إشغال أعداد كبيرة من الجنود العراقيين في وقت كانت فيه الجبهة الجنوبية في أمسّ الحاجة إليهم، وإلى تهديد حقول نفط كركوك وسدَّي دربندخان ودوكان اللذين يغذيان بغداد بالمياه والطاقة الكهربائية، مما دفع النظام العراقي إلى التوجه صوب الأكراد على نحو جذري، الأمر الذي أدى إلى عواقب وخيمة بالنسبة لهم. فقد أضحى الأكراد في قاموس صدام حسين “مخرّبين”، بما يستوجب تجريدهم من حقوقهم مواطنين عراقيين دون علمهم، وبالتالي عدم التعامل معهم على أنهم جزء من الشعب العراقي. ورفض النظام العراقي التزام أي ضوابط في حربه ضد الأكراد، حتى إنه لم يفرّق في ضرباته للأكراد بين البيشمركة المقاتلين والمدنيين. وتأهب الجيش العراقي لتصفية حساباته مع الحركة الكوردية في العام 1988م، فاستخدم الأسلحة الكيماوية بكثافة في ضرب المدن والقرى الكوردية، ومنها مدينة حلبجة الشهيرة، مما أدى إلى تفريغ القرى الكوردية في كوردستان العراق من سكانها الكورد، وبالتالي إلى حرمان ما تبقى من المقاتلين الأكراد من إمكانية التزود بالمؤن والعتاد. وتشير إحصاءات الأكراد إلى أن 182 ألف كوردي مدني بريء قد فُقدوا أثناء الهجمات الانتقامية التي شنتها الحكومة العراقية ونظام حزب البعث في بغداد خلال عام 1988 ضد المدنيين أساساً، والتي عُرفت باسم حملة الأنفال، وأن معظمهم باتوا في عداد الأموات (25).

وفي حين كانت الحكومة العراقية تشن حربها ضد الأكراد في كوردستان العراق وتوجه إليهم الضربات الواحدة تلو الأخرى، فإنها لم تغفل في حساباتها ما للأكراد من قوة لو أنهم صدقوا في توحدهم على الجبهة الإيرانية، وأثر ذلك على موازين القوى العسكرية حتى لو بلغت هي أوج انتصاراتها. لذلك سعت الحكومة العراقية إلى الوصول إلى اتفاق مع الاتحاد الوطني الكوردستاني الذي يتزعمه جلال الطالباني لوقف إطلاق النار في كوردستان العراق، فدعته إلى القدوم إلى بغداد للبحث معه مجدداً في تعديل صيغة الحكم الذاتي للأكراد العراقيين على نحو يكون مقبولاً لدى الطرفين، بحيث لا تبقى الجبهة الكوردية مكشوفة والعراق يخوض الحرب مع إيران. وتكمن أهمية هذا الاتفاق في أن الورقة الكوردية باتت تدخل في صميم المواجهة بين العراق وإيران، لا سيما منذ أن فتح الإيرانيون جبهة جديدة في عام 1983م عند منطقة الحدود الشمالية الشرقية متحالفين بذلك مع مسعود وإدريس البارزاني. وقد وجد جلال الطالباني، المتحالف مع الدكتور عبد الرحمن قاسملو الزعيم الكوردي الإيراني، أن استمرار مواجهته مع بغداد حليفة قاسملو غير ذي جدوى، وهذا ما جعله يتوجه إليها ويتصالح معها، بحجة عدم إمكانية أن يحارب على جبهات أربع على حد قوله: مواجهة مع الأتراك، وأخرى مع الجيش العراقي، وثالثة مع القوات الإيرانية، وأخيرة مع قوات الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة إدريس ومسعود البارزاني؛ في الوقت الذي كان العراقيون يتحالفون مع الدكتور عبد الرحمن قاسملو الذي يتزعم حزباً كوردياً قوياً في كوردستان إيران ويخوض هو الآخر مواجهة مسلحة ضد السلطة في كوردستان إيران. وقد طالت تلك المفاوضات وتباينت وجهات النظر، واصطدمت بعدم الاتفاق على مدى ما يتمتع به الأكراد من سلطات في مناطق الحكم الذاتي، وانتهت بالفشل، فأعلن الاتحاد الوطني الكوردستاني في 15/1/1985 قطع المفاوضات (26)، مما حدا بالحكومة العراقية إلى التعامل مع الأكراد بقسوة لم يسبق لها مثيل، كشفت عن جرائم في حق الأقلية الكوردية في كوردستان العراق تشكّل أبشع صور انتهاكات حقوق الإنسان.

ورغم أن هذه الحرب امتدت ثماني سنوات، من 22 أيلول/سبتمبر عام 1980 حتى قبول إيران وقف إطلاق النار بالشروط الواردة في 8 آب/أغسطس من العام 1988، وامتد وقف إطلاق النار بين الدولتين - العراق وإيران - حوالي سنتين إلى 16 آب/أغسطس عام 1990، عندما أعلن العراق قبوله مجدداً باتفاقية الجزائر لعام 1975 التي أعادت سيادة إيران على الشطر الشرقي من شط العرب (27)، فإن هذه الحرب، وإن لم يخرج أي من الطرفين فيها منتصراً، أفرزت ضمن ما أسفرت عنه كيف أن الأكراد في كوردستان هم تاريخياً لعبة السلم والحرب في منطقة الشرق الأوسط؛ فإذا اتفق الجيران أو تحاربوا كانوا هم الخاسرين. ومن أمثلة ذلك عملية التطهير العرقي التركية التي جرت في 1983 ضد الأكراد العراقيين والأتراك، والتي أوجدت جسور الصلة في العلاقات الودية ما بين بغداد وأنقرة. ثم لما اندلعت الحرب العراقية - الإيرانية استغلت كل دولة منهما الجانب الكوردي على حساب مصالحه، حتى إنه ما إن وضعت الحرب أوزارها وخرج كل من الطرفين بخسارته، حتى تحمّل الأكراد من الأعباء والآثار الناجمة عن الحرب ما يفوق الوصف من الناحيتين المادية والمعنوية (28). ولا يقدح في ذلك ما قد يثار من أن الأكراد حاربوا تحت اللواءين وتخفّوا عن أعين الجانبين بغية الوصول إلى غايتهم، لأنهم في حقيقة الصراع شعب انتُزع حقه، ويدور الصراع بين المتحاربين حول ذلك الحق بين قوتين تدركان تماماً أن الأكراد هم أولى بذلك الحق، ولكن سعيهم يفتقر إلى ما يسانده من دعائم القوة المادية وتلاحم القوى في مواجهة عدوهم.

ج- اتفاق أضنة بين سوريا وتركيا 19-20 تشرين الأول/أكتوبر 1998م

اختار الرئيس التركي سليمان ديميريل افتتاح الدورة الجديدة للبرلمان التركي لعام 1998م لتوجيه تهديدات إلى سوريا باللجوء إلى استخدام القوة العسكرية، بما يكشف عن توتر العلاقات بين الدولتين وبلوغ الأزمة بينهما حافة المواجهة العسكرية. ومع أن تلك الأزمة تُعدّ امتداداً لأزمات سابقة بين تركيا وسوريا، فإنها المرة الأولى منذ عقد الخمسينيات من القرن العشرين التي يصل فيها التصعيد التركي مع سوريا إلى حد المواجهة العسكرية (29).

ولقد ارتبط التصعيد العسكري التركي ضد سوريا بأحداث إقليمية وخارجية، أهمها استضافة واشنطن في منتصف شهر أيلول/سبتمبر 1998 مسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني في العراق، وجلال الطالباني رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني في العراق، حيث تم الاتفاق على تسوية الخلافات بينهما خلال فترة انتقالية تليها انتخابات تهدف إلى تشكيل “جمعية وطنية”؛ ثم استضافة البرلمان الإيطالي لاجتماع برلمان حزب العمال الكوردستاني في المنفى، مما مؤداه تعامل الاتحاد الأوروبي مع الحزبين الكورديين على أنه كيان سياسي (30).

ولما كان وقع الحدثين على تركيا ليس بالأمر الهيّن، فقد رأت من جانبها أن تبلغ رسالتها بصورة تُحدث دوياً يكون له أثره على سوريا.

ذلك أن الاتفاق بين الحزبين الكورديين تحت رعاية مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، أيقظ في تركيا مرارة معاهدة سيفر عام 1920، وما خلّفته من تقسيم الدولة العثمانية أثراً لهزيمتها في الحرب العالمية الأولى، بما تنص عليه من قيام دولة كوردية مستقلة تشمل الجزء الأكبر من كوردستان التركية ويمكن أن ينضم إليها أكراد ولاية الموصل (كوردستان العراق). ومن شأن ذلك أن يثير مخاوف تركيا مما يسفر عنه التفاهم بين الزعيمين الكورديين مسعود البارزاني وجلال الطالباني من إمكان قيام كيان كوردي في كوردستان العراق، مما يشجع الأكراد في كوردستان تركيا (25 مليوناً) على أن يحذوا حذوهم، لا سيما أن تركيا لم تفرغ بعد من المواجهات مع حزب العمال الكوردستاني بزعامة عبد الله أوجلان، رغم القمع العسكري المستمر له وما ينجم عنه من ضحايا في أوساط الجيش والشعب التركيين، الأمر الذي ترى معه تركيا إحكام قبضتها على هذا الحزب بقطع مصادر تمويله وإمداده من الداخل والخارج (31).

وإزاء توتر العلاقات بين الدولتين تدخّل الرئيس المصري حسني مبارك في النزاع حتى يجنّب منطقة الشرق الأوسط نزاعاً مسلحاً لا تحتمله الظروف التي تمر بها هذه المنطقة الحساسة من العالم، وطرح مبادرته لتسوية النزاع، وقام بزيارة عاجلة إلى تركيا اجتمع خلالها بالرئيس التركي سليمان ديميريل، وكان من نتيجتها توقيع اتفاق أضنة بعد يومين من المباحثات (32). وتكشف مراحل إعداد ذلك الاتفاق والتمهيد له، من خلال مطالب تركيا، عن جوهر ذلك الخلاف وأسبابه الرئيسية، فقد ورد في الملحق (2) تحت عنوان “مطالب تركيا المحددة من سوريا” (33):

“من أجل تطبيع علاقاتنا (تركيا)، نتوقع أن تتجاوب سوريا مع القواعد والمبادئ الأساسية للعلاقات الدولية، وفي هذا المجال يجب تلبية المطالب التالية:

إذا ما سلّمنا بأن العلاقات التركية - السورية قد تضررت بشكل جدي بفعل الدعم السوري للإرهاب، نريد من سوريا القيام بواجباتها رسمياً بالتخلي عن موقفها السابق في هذا الشأن، وهذه الواجبات يجب أن تتضمن تعهداً رسمياً بعدم منح الإرهابيين الدعم والملجأ والمساعدة المالية، وأن سوريا يجب أن تقدم للمحاكمة مجرمي حزب العمال الكوردستاني، وأن تسلّم تركيا زعيم حزب العمال الكوردستاني عبد الله أوجلان ومعاونيه، وفي هذا الإطار يجب أن تمتنع سوريا عن:

  • السماح بإقامة مخيمات لتدريب الإرهابيين في مناطق خاضعة لسيطرتها.

  • تزويد حزب العمال الكوردستاني بأسلحة ومواد لوجستية.

  • مساعدة الإرهابيين على المرور القانوني أو التسلل إلى كوردستان تركيا.

  • تزويد أعضاء حزب العمال الكوردستاني بأوراق ثبوتية مزورة.

  • السماح بنشاطات دعائية للمنظمة الإرهابية.

  • السماح لحزب العمال الكوردستاني باستخدام تسهيلات على أراضيها.

  • تسهيل مرور الإرهابيين بين البلدان التالية (أوروبا - اليونان - جنوب قبرص - إيران - ليبيا - أرمينيا) إلى كوردستان العراق وتركيا.

  • التعاون في كل النشاطات الهادفة إلى مكافحة الإرهاب”.

وقد استجابت سوريا لتلك المطالب، وعلى أساس منها تم توقيع الاتفاق الذي يتضمن التعهدات التالية (34):

  1. أن عبد الله أوجلان اعتباراً من هذه اللحظة ليس في سوريا، ولن يُسمح له قطعاً بدخول سوريا (35).

  2. لن يُسمح لعناصر حزب العمال الكوردستاني (PKK) الموجودين في الخارج بدخول سوريا.

  3. معسكرات حزب العمال الكوردستاني اعتباراً من هذه اللحظة لن تكون قيد النشاط، ولن يُسمح لها قطعاً بالعمل.

  4. لقد اعتُقل عدد كبير من عناصر حزب العمال الكوردستاني ويواجهون العدالة، واللوائح موجودة، وقد أودعت سوريا هذه اللوائح.

ولم يُعنَ هذا الاتفاق، الذي تم توقيعه في مدينة أضنة التركية بتاريخ 19-20 تشرين الأول/أكتوبر 1998، إلا بالمسألة الكوردية، إذ لم يتعرض لأمر سواها، وظلت المشكلات بين الدولتين عالقة (مياه دجلة والفرات، ولواء الإسكندرونة، والتعاون العسكري التركي الإسرائيلي)، مما ينذر بعدم الاستقرار بين الجانبين؛ لأنه ليس من المتصور أن تبلغ تركيا غايتها من الاستقرار ما دامت النخبة الحاكمة فيها تصر على الاكتفاء بخيار الحسم العسكري في مواجهة المطالب الاستقلالية الكوردية في كوردستان تركيا، وترفض الدخول في حوار مع الأكراد في كوردستان تركيا. فضلاً عن أن نجاح تركيا في فرض شروطها على سوريا ربما يخلق سابقة جديدة في العلاقات بين الجانبين، بحيث تلجأ تركيا إلى التصعيد العسكري في مواجهة سوريا كلما نشبت مشكلة بينهما (36).

المصادر

  1. يقول صدام حسين في هذا الصدد: “لقد اتُّخذ قرار توقيع اتفاقية الجزائر عام 1975 لإنقاذ العراق من مخاطر جدية كانت تهدد وحدته وأمنه ومستقبله، وأتاحت الفرصة لشعبنا ليمضي بثورته في عملية البناء والنهوض والوصول إلى مستوى عالٍ من القوة والتقدم والرفاهية، يحفظ شرف العراقيين وسيادتهم، ويصنع العراق المقتدر على طريق خدمة الأمة العربية ورسالتها العظيمة”. راجع: عمر عز الرجال: عملية صنع قرار الحرب العراقية - الإيرانية من جانب العراق، السياسة الدولية، الأهرام، مصر، العدد 85، حزيران/يونيو 1986، ص93.

  2. راجع التطورات السياسية بشأن الحرب العراقية - الإيرانية: Dessouki, A.E.H.: The Iraq-Iran War: Issues of Conflict and Prospects for Settlement, Princeton, 1981. وكذلك: Ismael, T.Y.: Iraq and Iran: Roots of Conflict, Syracuse, 1982. وكذلك: El-Azhary, M.S.: The Iran-Iraq War, Croom Helm, London, 1984. وكذلك: The Iran-Iraq War: Issues of Conflict and Prospects for Settlement (Center of International Studies, Princeton, 1981), p.25. وأيضاً: د. محمد السعيد إدريس: القدرات الذاتية للعراق وإيران ومستقبل الحرب، السياسة الدولية، الأهرام، القاهرة، العدد 85، يوليو 1986، ص78-85. وكذلك: د. فتحي عفيفي: مرجع سابق، ص209-210.

  3. كان الصدام حتمياً بين الحكم الإسلامي الجديد بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران في آذار/مارس 1979؛ فخلال شهر نيسان/أبريل 1979م وقع قتال عنيف بين البيشمركة الأكراد والحرس الثوري الإيراني في مدينة نقدة، وفي أيار/مايو 1980م اشتد القتال في كوردستان وتعرضت مدينة سنندج للقصف الجوي، ثم شن الجيش الإيراني هجوماً كاسحاً على مناطق الأكراد حتى سقطت معاقلهم ومدنهم الكبرى في سقز ومهاباد وسنندج وسردشت، وسيطرت القوات الحكومية الإيرانية على غالبية هذه المدن. وفي سبيل تهدئة الأقاليم الكوردية الثائرة منحت السلطات الإيرانية الأكرادَ بعض الإدارة الذاتية الغامضة لهذه الأقاليم، ومن أمثلة ذلك إجراء انتخابات بلدية واختيار اللجان المحلية المكلفة بالتخطيط الاقتصادي الريفي وإنشاء الطرق، إلا أن تلك الإجراءات لم تكن كافية لإسكات الحركة الكوردية التي كان محركها الرئيسي في المشاركة في الثورة ضد الشاه السعي إلى التغيير السياسي وصولاً إلى صيغة دولة فيدرالية علمانية تسمح بحكم ذاتي واستقلال ثقافي ولغوي واقتصادي وإدارة محلية في إطار نظرة جديدة للأقليات الإيرانية. للمزيد من التفاصيل حول ظروف الأكراد وملابسات أوضاعهم في ظل الثورة الإيرانية راجع: د. ثناء فؤاد عبد الله: مرجع سابق، ص106-107. وكذلك: سعد البزاز: الأكراد في المسألة العراقية، الأهلية للنشر والتوزيع، الأردن، 1996، ص45-53.

  4. أيّد الحزب الديمقراطي الكوردستاني في إيران العهد الجمهوري الإسلامي الذي أعقب سقوط الشاه، وكان الأكراد أكثر ترحيباً به من كل قوميات إيران بسبب ما نالهم من اضطهاد وعسف طوال مرحلة حكم آل بهلوي، إذ توقع الأكراد أن يحصلوا على حقوقهم القومية بعد انبثاق عهد جديد، ولكن تعاظم كبت الحريات وأُطيح بالآمال الكوردية، ولم تنجح جميع المحاولات التي بذلها قاسملو والشيخ عز الدين الحسيني - الزعيم الديني الكوردي - في وقف العمليات القمعية التي وجهتها طهران إلى الحركة الشعبية الكوردية في كوردستان خشية أن تمتد إلى بقاع أخرى في إيران. فكانت الحملة العسكرية الإيرانية ضد كوردستان منذ السنة الأولى لجمهورية إيران عام 1979م، إذ اجتاح الجيش الإيراني والحرس الثوري المنطقة الكوردية على مدى عدة شهور حتى تم القضاء على الحركة بكل قسوة، وغادر القادة الأكراد إيران وعلى رأسهم د. عبد الرحمن قاسملو رئيس الحزب. للمزيد من التفاصيل حول دور الحزب الديمقراطي الكوردستاني بعد سقوط الشاه راجع: منذر الموصلي: مرجع سابق، ص330-331. وكذلك: د. حامد عيسى: المشكلة الكوردية، مرجع سابق، ص436-437.

  5. عمدت بغداد منذ اتفاقية الجزائر في آذار/مارس من عام 1975م إلى تعديل الحدود الإدارية في البلاد، وإلى طرد الأكراد من المناطق الإستراتيجية المحاذية لحقول النفط في كركوك وخانقين أو القريبة من الحدود مع إيران، ومن كركوك نفسها، واستقدمت العرب إليها لتغيير التوازن الديمغرافي فيها، ومنحتهم المزارع والأراضي الكوردية الخصبة. وبعد انهيار الانتفاضة الكوردية في عام 1975 إثر اتفاقية الجزائر بدأت عملية تدمير أولى القرى الكوردية من أصل 4240 قرية شملها التدمير حتى نهاية الحرب العراقية - الإيرانية. وما إن عاد اللاجئون الأكراد من إيران بعد سحق انتفاضتهم حتى عمدت السلطات العراقية إلى نفي عشرات الألوف منهم إلى الصحراء في جنوب البلاد. وقبل حلول عام 1987 كان العراق قد دمّر نصف هذه القرى، وتلك السنة كانت السابعة من عمر الحرب العراقية - الإيرانية، وفيها قرر صدام حسين استخدام آلته الحربية لشن حملة تأديبية مسعورة ضد الأكراد، حتى وصف مسعود البارزاني تلك الحرب ضدهم في شهر كانون الأول/ديسمبر من عام 1987م بقوله: “إذا استمر الوضع على هذا المنوال فلن يبقى أكراد في كوردستان، فخطة صدام تهدف إلى القضاء علينا كشعب، ولم يعد لدينا أي خيار، فالمسألة صارت إما بقاءً أو فناءً”. ويصف أحد الكتّاب الأكراد واحداً من مشاهد العملية العسكرية العراقية ضد الأكراد: وضع الجيش العراقي صواريخ فروغ (7) بين مدينتي حلبجة وسيد صادق لتدك المدن الإيرانية، بغية إجبار إيران على الرد بالمثل فتقصف حلبجة. وسنحت الفرصة ليلة الأربعاء الموافق 16 آذار/مارس 1988، لما بدأت القوات الإيرانية هجومها على المدينة ومعها قوات المعارضة العراقية، وفي صباح ذلك اليوم وصلت طائرات حربية عراقية وضربت تجمعات الأحياء السكنية، واستمر القصف ساعات مصحوباً برش أنواع من الغازات السامة وانفجار القنابل الكيماوية، حتى ظن الناس أنه يوم القيامة، إذ انتشرت الجثث، التي بلغ عددها في هذا اليوم (5540)، في الشوارع والطرقات والمساجد والحقول. وفي اليوم التالي لعملية القصف أخرجوا (151) جثة من سرداب منزل واحد، بينما كانت أكثر من (1013) جثة في مسافة لا تتجاوز 120 خطوة، ونُقل أكثر من (25000) جريح إلى المستشفيات الإيرانية، وخرج من حلبجة وأطرافها (70000) مهاجر. أما الإحصاءات الرسمية للدولتين فقد أخفت الحقيقة المروعة لما خلّفته تلك الحرب خشية المسؤولية الدولية. للمزيد من التفاصيل حول موقف الدولتين المتحاربتين العراق وإيران وجرائمهما في حق الشعب الكوردي راجع: جوناثان راندل: مرجع سابق، ص269-281. وكذلك: صلاح الدين الكوردي: الشعب الكوردي المسلم (المخاطر والمعاناة)، مكتبة الإمام الشافعي، مصر، 1999، ص18-21. وكذلك: أحمد أبو الحسن زرد: الحرب العراقية - الإيرانية والقانون الدولي الإنساني، السياسة الدولية، العدد 58، يوليو 1986، مرجع سابق، ص102-106.

  6. د. حامد عيسى: مرجع سابق، ص442-443.

  7. د. عبد الله هدية: سمات الوحدة وتحدياتها في النظام الإقليمي العربي، صحيفة الأهرام، القاهرة، 23 أغسطس 2003، ص12.

  8. د. عبد الخالق عبد الله: التوترات في النظام الإقليمي الخليجي، السياسة الدولية، العدد 132، أبريل 1998، القاهرة، ص22-41.

  9. ترجع أسباب الخلافات بين تركيا وسوريا إلى قضايا عدة يمكن حصرها فيما يلي:

  1. قضية لواء الإسكندرونة: وقد برزت مع انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى وحصول فرنسا من عصبة الأمم على الانتداب على سوريا بكاملها، وأقرّت تركيا بإدارة فرنسا للواء الإسكندرونة ضمن شروط الانتداب بوصفه جزءاً من سوريا، وفي معاهدة لوزان عام 1923م التي رسمت حدود تركيا الحديثة أقرّت تركيا بأنها تتخلى عن كل الحقوق في المناطق الواقعة إلى الجنوب من الحدود، وضمنها لواء الإسكندرونة. إلا أنه عندما قرر الفرنسيون منح الاستقلال لسوريا شاملةً لواء الإسكندرونة، وقُسّمت سوريا إلى تسع محافظات كان اللواء ضمنها، أثار ذلك حفيظة تركيا، فادّعت تبعية اللواء لها، وأُحيلت القضية إلى عصبة الأمم عام 1937م، فوافقت بقرارها على وضع نظام خاص لهذا اللواء يقضي بربطه بسوريا في الشؤون الداخلية، بيد أن فرنسا مكّنت الجيش التركي من احتلال الإقليم يومي 5 و6 تموز/يوليو 1938، ووقّعت تركيا اتفاقية في 27 تموز/يوليو عام 1939م أكسبت مواطني اللواء الجنسية التركية وضمّته نهائياً إلى تركيا. ومنذ ذلك الحين لم تكفّ المطالبات السورية باستعادة الإقليم إلى سيادتها، وتقدّم سوريا في سبيل المحافظة على حقها في الإقليم مذكرة سنوية عبر بعثتها لدى الأمم المتحدة.

  2. قضية المياه: إذ تطالب سوريا بأن يتم اقتسام مياه الفرات بين الدول المشاطئة للنهر: تركيا وسوريا والعراق.

  3. استغلال سوريا التعاون العسكري التركي - الإسرائيلي في حشد تأييد جامعة الدول العربية ضد تركيا.

  4. اتجاه سوريا إلى استئناف العلاقات مع العراق، مما يلحق ضرراً اقتصادياً بتركيا بتصدير البترول عبر الأنبوب السوري وليس التركي.

للمزيد من التفاصيل حول أسباب الخلافات التركية - السورية راجع: عايدة العلي سري الدين: مرجع سابق، ص26-35. وكذلك: أحمد دياب: الأزمة التركية - السورية: المحددات والقيود، السياسة الدولية، الأهرام، القاهرة، العدد 135، كانون الثاني/يناير 1999، ص203-204.

  1. رضا هلال: مرجع سابق، ص239-240.

  2. أعلن الرجل الثاني في حزب العمال الكوردستاني “شمدين صاقيق” في 3/9/1998، خلال محاكمته في ديار بكر في جنوب تركيا، أن سوريا هي المقر العام للتمرد الانفصالي الكوردي ضد السلطة المركزية في أنقرة، بما توفره لهم من دعم لوجستي على أراضيها، وأنها تريد بذلك زعزعة الاستقرار في تركيا. راجع: عايدة العلي سري الدين: مرجع سابق، ص36. وكذلك: جوناثان راندل: مرجع سابق، ص460-461.

  3. د. حامد عيسى: القضية الكوردية في تركيا، مرجع سابق، ص333.

  4. اتفاقية أضنة: الملحق رقم 2، عن ترجمة غير رسمية للاتفاق الذي وقّعه الوفدان التركي والسوري في الاجتماعات الأمنية التي عُقدت في مدينة أضنة التركية في 19 و20 من شهر تشرين الأول/أكتوبر 1998، وتم تعريب النص. راجع: عايدة العلي سري الدين: مرجع سابق، ص84-85.

  5. د. عبد العزيز المفتي: موسوعة الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ، وفيها نص اتفاق أضنة.

  6. عبد الله أوجلان: غادر عبد الله أوجلان سوريا متوجهاً إلى روسيا في تشرين الأول/أكتوبر من عام 1998، وفي 15 شباط/فبراير 1999 تم اعتقاله في نيروبي بكينيا، وأُحضر فجر الثلاثاء 16 شباط/فبراير 1999 إلى تركيا وقُدّم للمحاكمة، حيث صدر الحكم بجلسة 29/6/1999 بإعدامه، ثم استُبدل الحكم بالسجن مدى الحياة.

  7. أحمد دياب: مرجع سابق، ص246-247. وكذلك: رضا هلال: مرجع سابق، ص246-247. وكذلك: د. السيد عوض عثمان: مرجع سابق، ص154-157.


أجزاء «القضية الكوردية وكوردستان في المجال الدولي» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←