كوردستان والكورد في مواجهة سياسة المركزية العثمانية

أ- الإصلاحات العثمانية وسياسة المركزية

بلغت الإمبراطورية العثمانية في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر حالة يرثى لها من الانحطاط والضعف في الجوانب السياسية والاقتصادية والإدارية والعسكرية والاجتماعية كافة. وقد اتضحت معالم هذا الضعف في تدهور النظام الاقتصادي، وفساد الإدارة الحكومية، وتدخل الحريم في إدارة أمور الدولة، واستمرار الانتفاضات في معظم أيالات الدولة العثمانية. أما أكثر معالم هذا الضعف بروزًا فكانت من الناحية العسكرية ثم السياسية؛ إذ منيت الدولة العثمانية بسلسلة هزائم عسكرية نتيجة تمسكها بتقاليدها القديمة وتكتيكها الحربي القديم، فأدى ذلك إلى هزائم سياسية ودبلوماسية كبيرة، حين اضطرت نتيجة تلك الهزائم العسكرية إلى التوقيع على معاهدات مهينة لسيادتها وكرامتها، وفقدت من جراء ذلك مناطق شاسعة من ممتلكاتها الأوروبية والإفريقية. ومنها على سبيل المثال معاهدة ياش التي نصت على تنازلها لروسيا عن مناطق شاسعة من ممتلكاتها في أوروبا الشرقية وبلاد القرم عام 1792م. وتجلى ضعفها أيضًا في عدم قدرتها على التصدي للحملة الفرنسية على مصر والشام (1798-1801م). كما ظهر ضعفها في عجزها عن مواجهة الانتفاضات والاضطرابات الداخلية، مما أدى إلى بروز النزعة الاستقلالية بين رعايا الدولة العثمانية على اختلاف شعوبها وجنسياتها، وأصبح الكثير من الأيالات والأقاليم حكومات قائمة بذاتها لا تربطها بالباب العالي إلا روابط اسمية، كالولاة المماليك في بغداد، والجليليين في الموصل. وفي مصر لم يكتفِ محمد علي باشا، والي مصر وحاكمها، بقطع علاقاته مع الباب العالي وإعلان استقلال مصر، بل بلغ به الأمر حد منافسة الدولة العثمانية والانتصار عليها في أكثر من معركة.

لقد دفع هذا الأمر بعض السلاطين العثمانيين ورجال الدولة، ومعهم بعض المثقفين العثمانيين المتأثرين بالحضارة الأوروبية الحديثة، إلى التفكير في إنقاذ الدولة العثمانية من ضعفها وتخلفها، وأخذ طلب الإصلاح يطغى على السياسة الداخلية في الدولة العثمانية. فقد كانت هناك رغبة في أن تستفيد الدولة العثمانية من المؤسسات التي كانت تعد أساسًا لتقدم الشعوب والدول الأوروبية، من غير أن يكون في ذلك ما يخل بصفة الدولة الأساسية. وبدأت محاولة الإصلاح أول الأمر في الجيش الذي كان يعد أساس الدولة العثمانية برمتها، فقد انصبت جهود السلطان العثماني سليم الثالث (1789-1807م) الإصلاحية على تشكيل جيش جديد يعتمد الأسس الحديثة ليحل محل القوات الانكشارية التي أصبحت وبالًا على الدولة. ولكنه لم ينجح في مسعاه، بل فقد عرشه نتيجة تلك المحاولة، حينما تآمرت ضده العناصر المناوئة للإصلاح من ذوي المناصب العليا والمتنفذين متحالفين مع زعماء الانكشارية.

دخلت الإصلاحات العثمانية مرحلة جدية في عهد السلطان العثماني محمود الثاني (1808-1839م) الذي كان يمتاز بالقوة والمقدرة العالية؛ إذ كان يطمح إلى حماية الإمبراطورية العثمانية من التداعي بتحديث مؤسساتها الفاسدة وإصلاحها. فقام بإصلاحات مهمة في كيان الإمبراطورية العثمانية، منها إلغاء القوات الانكشارية وتأسيس جيش نظامي جديد. ولكن الخطوة المهمة في إصلاحاته تتمثل في المحاولة التي قام بها لتقوية السلطة المركزية لدولته؛ فقد أثرت تلك المحاولة تأثيرًا واضحًا في الواقع السياسي في كوردستان، إذ شكلت بداية النهاية لعهد الإمارات والكيانات المحلية الكوردية فيها، كما سنرى فيما بعد.

لقد سعى السلطان العثماني محمود الثاني، في إطار خططه الإصلاحية لإعادة الحياة إلى إمبراطوريته المتدهورة، إلى إعادة الحكم المباشر إلى الأيالات العثمانية كافة، ومنها الأيالات الكوردية، واتباع سياسة مركزية. وكان ذلك يعني ضرورة القضاء على نفوذ الأعيان والزعماء والإقطاعيين، ومنهم الكورد، في أنحاء الإمبراطورية، وإزاحة حكم الولاة، ومنهم الكورد، الذين كانوا قد استقلوا بأمور إيالاتهم. وقد خطا في الواقع خطوات عدة على هذا الطريق، فقضى على حكم المماليك في بغداد عام 1831م، والجليليين في الموصل عام 1834م، وفي مناطق أخرى. إلا أنه فشل في الوقت نفسه في تحقيق ذلك الهدف في بعض المناطق الأخرى؛ إذ لم تثمر الجهود العثمانية في إخماد الحركة الوهابية في شبه الجزيرة العربية، ولا في إنهاء حكم محمد علي باشا في مصر والشام.

ب- أطماع السلطان العثماني محمود الثاني ومحاولته إلغاء السلطات المحلية الكوردية في كوردستان

كانت محاولة تطبيق سياسة المركزية في الحكم، أو الحكم المركزي، تعد خطوة إيجابية من وجهة نظر السلطات العثمانية، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة إلى أقاليم الإمبراطورية العثمانية التي كانت تحاول الحفاظ على كياناتها المحلية واستقلالها الداخلي. ففيما يتعلق بكوردستان يمكننا القول إن تلك السياسة كانت من أولى المساوئ أو السلبيات التي تلقتها من الإصلاحات العثمانية، لأنها هددت الإمارات والكيانات المحلية الكوردية بالفناء. ومن أهم الإمارات الكوردية التي حافظت على بقائها حتى تلك الفترة يمكن الإشارة إلى إمارات سوران وبابان وبوتان وبادينان وهكاري وبدليس. ويجدر بالذكر أن الإمارات الكوردية التي ظلت تتمتع بكثير من مظاهر الاستقلال منذ دخولها في التبعية العثمانية، قد توسعت في هذا الاستقلال مع بدايات القرن التاسع عشر، مستغلة في ذلك ضعف الدولة العثمانية وانغماسها في مشاكلها الداخلية والخارجية.

لقد حاول السلطان العثماني محمود الثاني تطبيق إجراءاته الهادفة إلى تقوية السلطة المركزية في أنحاء الإمبراطورية العثمانية كافة بكل عزم وقوة، غير آبه بالامتيازات والتعهدات السابقة، ولا بالعواقب التي قد تترتب على ذلك. فقد أمر بتطبيقها في كوردستان بالرغم من وضعها السياسي الاستثنائي، إذ كانت تتمتع بنوع من الاستقلال الذاتي في ظل كياناتها المحلية بموجب الاتفاق الكوردي العثماني الذي عقد في عهد السلطان العثماني سليم الأول. كما أنه لم يأخذ بنظر الاعتبار موقع كوردستان الحدودي ومجاورتها لإيران وروسيا، رغم أن الضغط عليها كان يشكل فرصة سانحة للدولتين الأخيرتين للتدخل في شؤون الدولة العثمانية. وبذلك حاول السلطان العثماني محمود الثاني إنهاء حكم الإمارات الكوردية وتأسيس قواعد الحكم المباشر في كوردستان، مما كان يعني إلغاء الاتفاق الكوردي العثماني نهائيًا وفرض الهيمنة العثمانية المباشرة على كوردستان.

كانت هناك جملة عوامل تقف وراء محاولة فرض سياسة المركزية في أنحاء الإمبراطورية العثمانية، في مقدمتها محاولة إعادة الحياة إلى مؤسسات الدولة، وتقوية السلطة المركزية، وحماية الإمبراطورية العثمانية من التحلل والتفكك. ولكن، بالإضافة إلى تلك العوامل، هناك دوافع أخرى أثرت في تنفيذ تلك المهمة في كوردستان، لعل أبرزها محاولة قطع السبل أمام الدولتين الإيرانية والروسية للتدخل في الشؤون العثمانية الداخلية. فمن المرجح أن المسؤولين العثمانيين قد ضاقوا ذرعًا بتدخلات الدولتين المذكورتين اللتين كانتا تتخذان من الكيانات الكوردية وسيلة لتلك التدخلات، خاصة وأنها كانت قريبة من حدود الدولتين، ومعروفة بمواقفها المناوئة للسيادة العثمانية عمومًا. ومن جانب آخر كان العثمانيون يرمون من وراء تلك العملية إلى ضرب الحركة القومية الكوردية التي كانت في بدايتها آنذاك، وذلك بهدم الكيانات السياسية التي كانت تقوم عليها تلك الحركة خلال هذه الفترة؛ إذ إن جميع الحركات والانتفاضات الكوردية كانت حتى تلك الفترة توجه من قبل الأمراء الكورد الذين كانوا حكام تلك الإمارات.

وبالإضافة إلى ذلك، كان الدافع الاقتصادي، المتمثل في زيادة واردات الدولة من كوردستان بإحكام السيطرة عليها واستغلالها ماديًا، أي الأطماع في كوردستان، دافعًا مهمًا لهذه العملية. فقد بادرت السلطات العثمانية إلى فرض ضرائب إضافية في المناطق الكوردية في أعقاب الحملة العثمانية التي وجهت إليها لفرض الحكم المركزي المباشر. وقد لاحظ القنصل البريطاني في أرضروم جيمس برانت ذلك الأمر بوضوح عندما قام برحلة في كوردستان الشمالية عام 1838م، فكتب يقول: «أما ما يخص الرعية (الكورد) فإنهم مثقلون في الوقت الحاضر بالضرائب أكثر منه في أي وقت مضى».

وإلى جانب تلك الدوافع والأطماع العثمانية في كوردستان، كان هناك دافع آخر وراء عملية فرض الحكم المركزي على كوردستان، وهو دافع التجنيد؛ إذ كانت الدولة العثمانية تسعى من وراء تلك العملية إلى توفير الرجال للجيش النظامي الذي تأسس حديثًا ويراد تطويره. ويروي لنا القنصل البريطاني في أرضروم جيمس برانت ما يؤكد ذلك عندما يتحدث عن هزيمة إحدى العشائر الكوردية التي وقفت في وجه الحملة العثمانية التي وجهت إلى كوردستان في إطار تلك العملية، فيقول: «وبالنتيجة جنّد منهم الباشا ثلاث مئة شخص للخدمة العسكرية».

وبالرغم من كل ذلك، لا تخرج عملية القضاء على الإمارات الكوردية، من وجهة نظر العثمانيين، عن إطار المحاولات العثمانية الهادفة إلى إصلاح إمبراطوريتهم وإلى أطماعهم، بعدما تخلفت تلك الإمبراطورية عن ركب التطور. ولكنها كانت، من وجهة نظر الكورد، خرقًا عثمانيًا كاملًا للاتفاق الكوردي العثماني المبرم عام 1514م، وعملية إعادة احتلال شاملة لكوردستان.


أجزاء «الهجوم العثماني وأطماعه في كوردستان والقضاء على الإمارات الكوردية» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن

الجزء الثاني ←