الأطماع العثمانية أدت إلى سقوط الإمارات الكوردية
أ- المرحلة الأولى
1. إمارة سوران وأميرها محمد باشا: توسع إمارة سوران واضمحلالها
تولى الأمير محمد باشا إمارة سوران سنة 1813م، فكان ذلك إيذانًا ببدء عهد جديد في هذه الإمارة الكوردية، ويعود ذلك إلى الطموحات القومية الكوردية التي كان يحملها الأمير الكوردي محمد باشا، والتي يؤكدها الكثير من المؤرخين والمتصدين لتاريخ إمارة سوران الكوردية في عهده. وسنورد هنا بعض ما قيل بصدد ذلك على سبيل المثال؛ فقد ذكر ميجر سون: «وغِبَّ سنين قليلة امتلك الأمير السوراني (محمد باشا) سطوة عظيمة في رواندوز، وطالب بالاستقلال القومي للكورد». ويذكر خالفين: «كان أمير رواندوز محمد باشا يطمح إلى تكوين كوردستان مستقلة». ويؤكد الأمير السوراني محمد باشا ذلك بنفسه حينما كان يرد على مطالبة أهالي العراق له بأن يسيطر على البلاد ويخلصهم من الحكم العثماني الجائر، قائلًا: «ليس لي دخل في منطقة حكومة ملك الإسلام (السلطان العثماني)، ولكن إذا وفقني الله فإنني سوف أسيطر على الحكومات التي هي تحت تصرف الإقطاعيين الكورد في كوردستان». مما يدل على أنه كان ينوي توحيد المناطق الكوردية تحت حكمه سعيًا وراء تأسيس كيان كوردي موحد ومستقل.
وقد اقترنت تلك الطموحات القومية بجملة عوامل ساعدت الأمير محمد باشا في السعي إلى تحقيقها، منها ضعف الدولة العثمانية في تلك الفترة وانشغالها بالتصدي للتقدم المصري في بلاد الشام، وإنهاكها بسبب كثرة الانتفاضات الداخلية والتدخلات الخارجية في شؤونها. وكانت الدولة القاجارية كذلك في انهماك تام بسبب الصراعات الداخلية حول العرش القاجاري، وانشغالها بحروبها الدامية في شمال شرقي إيران. يضاف إلى ذلك ضعف الإمارات الكوردية المجاورة خلال تلك الفترة، وخاصة إمارتي بابان وبادينان، وانشغالهما بمنازعاتهما الداخلية حول منصب الإمارة. كما أن موقع رواندوز الحصين، وهي مركز الإمارة، والمناعة التي تمتاز بها المدينة، قد جعلاها بمنأى عن التهديدات الخارجية وصعبة المنال على من يريد غزوها. وذلك إلى جانب مرور إحدى الطرق التجارية عبرها، مما أدى إلى غناها الاقتصادي، وخاصة من خلال فرض الضرائب والمكوس على البضائع التجارية، كما أدى هذا الموقع إلى تمتع مركز الإمارة بوضع سياسي بارز أيضًا. يضاف إلى ذلك قوة شخصية الأمير محمد باشا وذكاؤه السياسي والإداري الذي كان له تأثير كبير في الأحداث.
وقد شجعت كل تلك العوامل الأمير السوراني محمد باشا على التفكير جديًا في تأسيس كيان سياسي كوردي مستقل على أساس توسيع حدود إمارته الكوردية سوران، إذ تدل أعماله وإنجازاته على ذلك التفكير حتى وإن لم يصرح به. وقد أخذت أعماله ثلاثة محاور أساسية. وكان المحور الأول، الذي شغل السنوات الأولى من حكمه، جهوده التي تدخل في إطار توطيد مركزه السياسي والقضاء على المناوئين من أقاربه الذين كانوا يرفضون الخضوع لسلطانه وأوامره. فقد قضى في حزيران 1815م على تمرد عمه تمرخان (أو تيمور خان)، ثم وجه جهوده بعد ذلك إلى عمه الآخر يحيى بك الذي لم يستطع الصمود كثيرًا فاستسلم بعد هزيمته في المعركة الدامية التي دارت بينه وبين قوات الأمير محمد باشا. ثم وطد الأمير محمد باشا نفوذه بعد ذلك، وأصبح في مركز لا ينازعه فيه أحد، جراء القسوة التي كان يعامل بها معارضيه.
أما المحور الثاني لأعماله فيمكن تصنيفه ضمن الإجراءات الداخلية وتقوية كيان إمارة سوران ومؤسساتها، والتي تعود إليها، في رأينا، معظم النجاحات التي حققها الأمير. ولكثرة هذه الإجراءات وتنوعها سنكتفي بالإشارة إلى أهمها فيما يأتي.
أراد الأمير محمد باشا تحصين عاصمته رواندوز قبل كل شيء، فبنى داخلها قلعة منيعة مزودة بالقوات الكافية والأسلحة والذخائر، وأعاد بناء سور المدينة بصورة محكمة، وبنى عدة مراكز وقلاع في بعض المناطق الأخرى من الإمارة، وزودها بالجنود المسلحين الذين كانت مهمتهم حفظ النظام وحماية أمن الأهالي. وكانت تلك القلاع مراكز للإنذار المبكر من هجمات الأعداء، ولنقل الأخبار إلى مركز الإمارة.
وفي المجال الحربي اهتم بالجيش وتسليحه، فزاد عدد أفراد جيشه. ويذكر فريزر حين زار المنطقة عام 1834م: «والقول بصورة أكيدة أن ما يقارب خمسين ألف رجل يقفون الآن تحت تصرفه». ويورد علاء الدين سجادي الرقم نفسه أيضًا، في حين يشير موكرياني إلى خمسة عشر ألف مقاتل. أما الدكتور روس فيذكر أن القوة الموجودة في معسكر الجيش السوراني كانت بحدود عشرة آلاف رجل، «وهي أقل من نصف الجيش النظامي، فقد أرسلت البقية إلى المنزل لحصاد المحصول الزراعي». ونظرًا لأن الأخير كان قد زار المعسكر المذكور بنفسه فيمكننا الاعتماد على معلوماته، وبناءً على ذلك يمكن القول إن الجيش السوراني كان يبلغ تعداده حوالي خمسة وعشرين ألف مقاتل. ويتطابق هذا الرقم مع ما يذكره أسعد خيلاني الذي كان قريبًا من الأحداث زمنيًا. ولكن ذلك لا يمنع ارتفاع ذلك الرقم فيما بعد لتصل قوات سوران بمجموعها إلى خمسين ألفًا كما ذكر فريزر، أو ستين ألفًا كما يذكر الدملوجي، وذلك في حالة الاستنفار القصوى، وخاصة عندما حقق الأمير السوراني محمد باشا العديد من الانتصارات التي كفلت له توسيع رقعة إمارته، كما سنأتي إلى ذلك فيما بعد، وانضمام قوى أخرى إليه. ومما يدل على ذلك أن إحدى الوثائق القاجارية تشير إلى أن قوات أربيل والمناطق المجاورة، إضافة إلى بعض العشائر العربية، قد انضمت إلى جانب الأمير السوراني محمد باشا عندما كان ينوي الاستيلاء على كويه (كويسنجق) وحرير.
كان هذا الجيش أشبه بالجيوش النظامية إلى حد بعيد، إذ كان الجنود يرتدون ملابس خاصة ولهم رتب عسكرية، وكان ما يقارب نصف الجيش السوراني يعملون بصورة دائمة ويتقاضون رواتب منتظمة. كما كان الانضباط وتقسيم الجيش إلى صنفين، المشاة والفرسان، معتمدين في ذلك الجيش أيضًا. ولغرض تأمين تسليح هذا الجيش أنشأ الأمير السوراني محمد باشا معملًا لصنع الأسلحة والذخائر الحربية، فكانت تصنع فيه الأسلحة الخفيفة كالخناجر والسيوف، والأسلحة الثقيلة كالمدافع التي صنع منها عدد لا بأس به.
هذا فيما يتعلق بالأمور الدفاعية والعسكرية. أما في المجالات الأخرى، وخاصة الشؤون الإدارية والأمنية والمالية، فقد خطا الأمير محمد باشا خطوات عدة؛ فأخضع جميع أقاليم الإمارة لإدارة مركزية قوية، وعين ممثلين ينوبون عنه في حكم تلك الأقاليم. وأنشأ دواوين أو مجالس عدة مختصة بشؤون الإمارة المختلفة، أهمها مجلس الرؤساء الذي كان بمثابة مجلس الوزراء، وكان يتكون من أشخاص مقربين من الأمير ويتزعمه بنفسه، وكان لكل واحد منهم اختصاص معين في الإدارة. وأوجد ديوانًا لإدارة الشؤون الداخلية، كما أسس مجلسًا للعلماء والحكماء أصدر عددًا من القوانين والقرارات ليتبعها الرعية. وشكل كذلك مجلسًا حربيًا مكونًا من خمسة أعضاء للشؤون العسكرية. كما نظم الأمور المالية وأسس جهازًا لإدارتها وأصلح نظام الضرائب.
وقد شهدت إمارة سوران تطورًا من الناحية الأمنية، فقد أمن الأهالي على أرواحهم وممتلكاتهم، وانعدمت أعمال السرقة وقطع الطرق. ويشير فريزر إلى ذلك بقوله: «البلاد أصبحت خالية من أية سرقة أو سارق، فقد قضي على اللصوصية من أصلها بعملية بتارة». ويؤكد ذلك رحالة ومؤرخون آخرون أيضًا.
وبعد كل هذه الترتيبات اتخذ الأمير السوراني محمد باشا خطوات مشهودة في طريق الاستقلال، إذ كان اسمه يذكر في خطب الجمعة، كما ضرب النقود باسمه، فأصدر قطعًا نقدية متعددة ذهبية وفضية ونحاسية، كما تشير إلى ذلك بعض المصادر. وفيما يتعلق بمسألة الاستقلال يلحظ أن أغلب المؤرخين الكورد يؤكدون أن الأمير السوراني محمد باشا قد أعلن استقلاله عن الدولة العثمانية. ولكن لا يمكن التأكيد على ذلك بصورة قطعية، إذ لا توجد لدينا دلائل ملموسة على إعلانه الاستقلال صراحةً، ولا يستند المؤرخون الذين يشيرون إلى إعلانه الاستقلال إلى تصريح أو قول ينسب إلى الأمير محمد باشا نفسه، ولذلك لا يمكننا القول إن الأمير محمد باشا قد أعلن ذلك. ولكننا في الوقت نفسه نستطيع الجزم بأنه كان يطمح إلى استقلال كوردستان ويناضل في سبيله، وأن النتيجة كانت ستؤدي إلى ذلك في النهاية لو أفلح الأمير في مسعاه. ونستند في ذلك إلى دراسة أعمال الأمير السوراني وإنجازاته، وفي مقدمتها ضرب السكة والخطبة له في المساجد، وهما من أهم الدلائل التي تبرهن على ذلك. كما أن إنشاءه مصنع الأسلحة الحربية، وبناء القلاع، وتحقيق العدالة، وعقد التحالف مع حاكم مصر محمد علي باشا، تعد كلها من أعمال الحكام المستقلين. وقد تعاملت الدولة القاجارية معه كحاكم لكيان سياسي قائم بذاته، كما حاول والي بغداد داود باشا كسب وده فمنحه رتبة «مير ميران» التي تخوله حمل لقب الباشا، مما يدل على اعتراف السلطات العثمانية بحكمه على إمارته الكوردية سوران.
وبعد أن وطد الأمير السوراني محمد باشا نفوذه داخل إمارة سوران، وجه جهوده نحو توسيع رقعة نفوذه بالاستيلاء على الأقاليم المجاورة، فبسط هيمنته على العشائر الكوردية المجاورة، ومنها عشائر شيرواني وبرادوست وسورجي وخوشناو. وطرد الحاكم الباباني من حرير، ومد سيطرته إلى أربيل والمناطق المجاورة لها، ثم سيطر على بلدة آلتون كوبري (بردي) وهدد مدينة كركوك أيضًا، إلا أنه لم يسيطر عليها، وذلك لحدوث حالة طارئة في إمارة بابان حثته على توجيه حملة على أراضيها الشمالية، فاقتطع منها منطقتي رانية وكويه، فأصبح نهر الزاب الصغير حدًا فاصلًا بين الإمارتين، سوران وبابان، واتفقتا على ذلك.
أجزاء «الهجوم العثماني وأطماعه في كوردستان والقضاء على الإمارات الكوردية» (8 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع
- الجزء الثامن