2- سقوط إمارة هكاري الكوردية
أصبح نور الله بك أميراً على إمارة هكاري في بداية العقد الرابع من القرن التاسع عشر، بعد أن أبعد جميع منافسيه فيها. وقد شارك نور الله بك في انتفاضة بدرخان بك، وأصبح إقليم هكاري أحد مراكز الانتفاضة الكوردية ضد السيادة العثمانية كما مرّ بنا. ونظراً لوجود مجموعات سكانية ملحوظة من الآشوريين في إمارة هكاري، فإن أغلب النزاعات التي نشبت بين الآشوريين والكورد خلال أربعينيات القرن التاسع عشر كانت في مناطق هذه الإمارة. ويبدو أنه كان لنور الله بك دور فاعل في تلك الأحداث حسبما يذهب إليه المستشرقون؛ فقد جاء في (دائرة المعارف الإسلامية) أن الآشوريين ذهبوا إلى القنصل البريطاني في الموصل (نمرود رسام) ليقدموا شكواهم من المعاملة السيئة التي كانوا يلقونها من نور الله بك، فقام الأخير إزاء ذلك بتدمير مناطقهم والهجوم عليهم، واستمر القتل والتدمير سنوات عدة حتى بلغ عدد الضحايا عشرة آلاف شخص حسبما يفيد المصدر المذكور. ولكن هذا الرقم مبالغ فيه دون شك، كما أن الحادثة لم تكن إبادةً للسكان العزّل كما يحاول بعض المؤرخين الأوروبيين أن يُظهروها، بل كانت الاشتباكات تدور بين الجانبين وتقع الخسائر في صفوف كلٍّ منهما، وعادةً ما تكون خسارة الجانب المندحر أكبر.
وقد بدأت الدولة العثمانية عملية القضاء على الانتفاضة الكوردية عام 1847م، فبدأ عثمان باشا قائد القوات العثمانية هجماته من الشمال محاولاً القضاء على حلفاء بدرخان بك كما مرّ بنا، وفي هذا الإطار هاجمت القوات العثمانية إقليم هكاري. إلا أن نور الله بك كان قد ترك مركز إمارته والتجأ إلى الجبال ليتحصّن فيها، وتمكن من الاستمرار في المقاومة إلى عام 1849م، فلم يتمكن عثمان باشا، قائد الحملة العثمانية ووالي حلب، من تحقيق أمنيته والانتصار عليه، إذ لم تمضِ مدة طويلة حتى مات عثمان باشا في إستانبول متأثراً بمرض الكوليرا الذي أصيب به جنوده أيضاً. فخلفه رشيد باشا المعروف بـ(كوزلي أوغلو / أبي العوينات) في قيادة الحملة العثمانية ضد الكورد عام 1849م، وتمكن من إكمال المهمة، إذ لم يتمكن نور الله بك أمير هكاري من الصمود أمامه، فاضطر إلى الالتجاء إلى إيران. وقام العثمانيون بعد ذلك بإعادة تنظيم المنطقة، فأُضيفت بعض السناجق المجاورة إلى إقليم هكاري لتشكّل إيالة عثمانية تابعة للسلطة المركزية مباشرة، وعُهدت إدارة تلك الإيالة إلى الصدر الأعظم السابق ضياء بك.
3- القضاء على إمارة بدليس الكوردية
بالرغم من أن إمارة بدليس الكوردية تعرضت لبطش العثمانيين مراراً، فإنها ظلت تحتفظ بكيانها واستقلالها الداخلي إلى نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر. وعندما بدأ العثمانيون محاولاتهم للقضاء على الكيانات الكوردية شملت هذه المحاولة إمارة بدليس أيضاً، ولا سيما أنها شاركت في الانتفاضة الكوردية بقيادة بدرخان بك؛ فقد انضم أمير بدليس (شريف بك) إلى ما سُمّي (الحلف المقدس) كما ذكرنا، ولكن لا توجد لدينا معلومات عن نشاطه ودوره في تلك الانتفاضة. وكانت إمارة بدليس قد تعرضت عام 1834م لحملة القائد العثماني محمد رشيد باشا، إلا أنها تمكنت من الصمود في وجهها، وبقيت خمس عشرة سنة أخرى، حتى جاءت نهايتها عام 1849م، إذ ألقى العثمانيون في هذه السنة القبض على أمير بدليس شريف بك، بعد أن قاوم الجيش العثماني مدة من الزمن، فأخذوه إلى إستانبول، وأصبحت إمارة بدليس تدار من قِبل حاكم عثماني تابع لإيالة وان.
4- أحمد باشا وسقوط إمارة بابان الكوردية
تبوّأ أحمد باشا بن سليمان باشا بابان إمارة بابان عام 1838م بعد وفاة والده، وكان من سوء حظه أن جاء عهده متزامناً مع فترة ضعف إمارة بابان واضمحلالها من جهة، ومع محاولات الدولة العثمانية استعادة قواها والقضاء على الإمارات الكوردية والزعامات المحلية الكوردية من جهة أخرى. وبالرغم من ذلك يرقى أحمد باشا إلى مصافّ أمراء بابان العظماء، كالأمير عبد الرحمن باشا بابان والأمير محمود باشا بابان؛ إذ يصفه (محمد أمين زكي) بقوله: (كان ذكياً ويقظاً وشجاعاً، وكان محباً للقوة). ونال الأمير المذكور إعجاب الرحالة أيضاً، فقد ذكر أحدهم، وهو (فيلكس جونز)، ما يفيد إعجابه به عندما التقاه عام 1844م. ومن الواضح أنه كان ذا طموحات واسعة، ولا نستبعد أن يكون قد خطط للاستقلال بشؤون إمارته والنهوض ضد السيادة العثمانية، وهو الرأي الذي توصل إليه أيضاً (ميجر سون) الضابط السياسي البريطاني في كوردستان. فقد تمكن في مدة قليلة من تنظيم قوة عسكرية وتدريبها على النظم الحربية الأوروبية الحديثة، بلغ عددها عام 1844م ثمانمئة مقاتل تقريباً. ووصلت هذه القوة أخيراً إلى لواء كامل مجهّز تجهيزاً تاماً على أحدث طراز، مؤلَّف من أربعة طوابير، يتكون كل طابور من ألف مقاتل، إضافة إلى قوة لا بأس بها من المدفعية. ويذكر أحد المؤرخين الكورد المعاصرين لتلك الأحداث أن الأمير أحمد باشا صنع (28) مدفعاً في السليمانية نفسها، الأمر الذي يدل على اهتمامه بصناعة الأسلحة على غرار محمد باشا السوراني أمير سوران.
وبالرغم من ذلك لم يخلُ عهد أحمد باشا من الاضطرابات الداخلية والنزاعات العائلية التي أدت إلى تدخل خارجي أيضاً، ولا سيما على يد منافسه وعمه محمود باشا (ابن عبد الرحمن باشا بابان) الذي استمدّ قوة إيرانية تمكن بواسطتها من الاستيلاء على السليمانية عام 1840م، مما أدى إلى بروز مشاكل دبلوماسية بين الدولتين العثمانية والقاجارية الإيرانية. ولكن أحمد باشا تمكن من طرده في السنة التالية وعاد إلى منصبه مجدداً، إلا أن حدوث بعض المناوشات على الحدود مع إيران أدى إلى تنحيته وأخذه إلى بغداد عام 1842م، ثم عاد إلى إمارته بعد مدة. وخلال تلك المدة كان أخوه عبد الله باشا بابان قد انتصر على قوة إيرانية كانت تحاول تنصيب محمود باشا بابان في السليمانية مرة أخرى.
لقد سئم ولاة بغداد العثمانيون المشاكل التي كان أمراء بابان يخلقونها لهم بلجوئهم المستمر إلى إيران واستعانتهم بقواتها لتحقيق مطامحهم في الإمارة، فأصبح ذلك عاملاً إضافياً إلى جانب السياسة العثمانية الهادفة إلى القضاء على الإمارات الكوردية، مما دفع ولاة بغداد إلى التفكير جدياً في القضاء على إمارة بابان الكوردية. وكان لمعاهدة أرضروم الثانية المعقودة عام 1847م تأثير في هذا المجال أيضاً، كما يشير إلى ذلك أحد المؤرخين؛ فقد اتفق الطرفان في هذه المعاهدة على عدم تدخل أحدهما في شؤون الآخر. ولا شك في أن المسؤولين العثمانيين، ولا سيما ولاة بغداد، أدركوا أنه لا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا بالقضاء على إمارة بابان الكوردية.
ونتيجة تلك العوامل عمد والي بغداد نجيب باشا إلى القضاء على حكم الأمير أحمد باشا بابان عام 1847م. أما تفاصيل ذلك الحدث فيُدلي المؤرخون فيها بروايات مختلفة؛ فيذكر بعضهم أن ذلك تم باستدعاء نجيب باشا والي بغداد أحمدَ باشا بابان إلى بغداد، ثم أُرسل بعد ذلك إلى إستانبول. ويذكر آخرون أنه تم بعد هزيمة أحمد باشا بابان في معركة وقعت قرب بلدة (كويه) أمام قوات نجيب باشا والي بغداد، وقد انضم إليه أخوه عبد الله باشا. ويبدو أن الرأي الأخير هو الأقرب إلى الحقيقة؛ ففيما يتعلق بالمعركة المذكورة يؤكد مصدران قريبان زمنياً من الحدث أن الجانبين استعدّا للمجابهة بالقرب من (كويه) فعلاً، ولكن الأمير البابانيّ أحمد باشا انهزم من الميدان في أعقاب تفرّق جيشه وسط حالة من الهرج والمرج حدثت في المعسكر البابانيّ في الليلة التي سبقت المعركة المرتقبة. ومهما كان الأمر فقد التجأ أحمد باشا بابان بعد هذه الحادثة إلى طهران، حيث توسط السفير العثماني هناك للعفو عنه، فذهب على إثر ذلك إلى الأستانة.
وأقدم نجيب باشا والي بغداد بعد ذلك على تعيين عبد الله باشا بابان حاكماً على السليمانية، ولكن لا بصفة أمير على إمارة بابان، بل قائممقاماً على (قضاء) السليمانية، ووضع في المدينة حامية من الجنود العثمانيين. إلا أن عهده لم يطل، إذ عُزل عام 1851م ليحلّ محله موظف عثماني ومؤسسات الدولة العثمانية. ومن الواضح أن تعيين عبد الله باشا بابان بصفة قائممقام على السليمانية كان يعود إلى محاولة العثمانيين التوفيق بين تطبيق سياستهم في القضاء على الإمارات الكوردية واحترام حق الشرعية لأسرة بابان، الذي كان مبجّلاً لدى أهل الإمارة؛ أي إن تلك الخطوة كانت بمثابة تعويد الأذهان على سياستهم الجديدة.
أما مصير أحمد باشا بابان بعد ذلك فنجد أن السلطات العثمانية عمدت إلى تعيينه في مناصب مهمة عدة، فقد أصبح والياً على الإيالات الآتية: اليمن، ثم وان، ثم اليمن مرة أخرى، ثم أرضروم، وبعد ذلك أضنة، حتى توفي عام 1875م.
وفي نهاية المطاف يجب ألّا ننسى المحاولة التي قام بها بعض أمراء بابان، وعلى رأسهم عزيز بك ابن عبد الرحمن باشا بابان، لاستعادة سلطانهم الغابر، وذلك عام 1851م إثر تعيين موظف عثماني على السليمانية، ولكنها انتهت بالفشل أيضاً. ووفقاً لما يذكره (عباس العزاوي) فإن عزيز بك ابن عبد الرحمن باشا المذكور كان قد ساعد والي بغداد نجيب باشا في القضاء على حكم عبد الله باشا بابان في السليمانية، طمعاً في الوصول إلى منصب أمير بابان، ولكنه لم يبلغ مراده، مما يدل على أن الأنانية والصراع الأسري في (أسرة بابان) ظلّا يفعلان فعلهما في إمارة بابان حتى النهاية. والجدير بالذكر أن السلطات العثمانية قسّمت مناطق إمارة بابان الكوردية في أعقاب ذلك إلى وحدات إدارية عدة، للحيلولة دون إعادة توحيدها وتنظيمها ضمن نفوذ إمارة بابان.
د- عوامل سقوط الإمارات الكوردية ونتائجه
(1) العوامل التي أثرت في فشل المقاومة الكوردية
أسهمت جملة عوامل في إخفاق المقاومة الكوردية أمام الحملة العثمانية الشاملة التي أدت إلى إسقاط الإمارات الكوردية، وتتمثل هذه العوامل فيما يأتي:
(أ) يُعدّ الانقسام الموجود في كوردستان، ولجوء كل إمارة كوردية إلى الدفاع عن نفسها بنفسها، وعدم اتفاق هذه الإمارات فيما بينها على توحيد جهودها في مقاومة الحملات العثمانية المتوالية على كوردستان، عاملاً مهماً من هذه العوامل. وقد أدرك بدرخان بك أمير بوتان تلك العلة وسعى إلى تجاوزها بتشكيله (الحلف المقدس) مع عدد من الأمراء الكورد لتوحيد جهودهم في التصدي للسلطات العثمانية وحملاتها القمعية، إلا أنه لم يجنِ شيئاً من تلك المحاولة، لأن الحلف المقدس كان غير عملي، ولم يحصل بدرخان بك على مساعدة حلفائه عندما احتاج إليها، كما مرّ بنا سابقاً.
وكان هذا العامل حصيلة عوامل أخرى، في مقدمتها عدم نضوج الشعور القومي الكوردي بالشكل المطلوب في كوردستان، إذ لم تكن فكرة (كوردستان العظمى) متبلورة بشكل كامل، وكان الولاء للإمارة فوق الولاء القومي الوطني الكوردي. كما أن الإمارة الكوردية التي لم تكن قد تعرضت للهجوم العثماني لم تكن تخاطر بنفسها لتدافع عن إمارة كوردية أخرى معرّضة للزوال على يد العثمانيين، لاعتقادها أنها تتجنب ذلك المصير إذا اتخذت موقف المتفرج. يضاف إلى ذلك وجود النزاعات والمشاكل بين تلك الإمارات الكوردية، مما جعل تضامن الجهود الكوردية أمراً صعباً. فقد كان الأمير البادينيّ إسماعيل باشا يقف موقف المراقب من الأمير محمد باشا السوراني وهو يواجه هجوماً عثمانياً كاسحاً، ولا يمدّ له يد العون رغم أن إمارته أصبحت تابعة لسوران، وذلك لاعتقاده أنه سيظل بمنأى عن الخطر العثماني من جهة، ولوجود خلافات سابقة بينه وبين الأمير السوراني محمد باشا من جهة أخرى. وبدلاً من ذلك أخذت كل واحدة من تلك الإمارات الكوردية تحاول وحدها إبعاد غضب السلطان العثماني وعقوبة الدولة العثمانية عن نفسها، بل أسهم الكورد بأنفسهم في القضاء على إمارة بدليس الكوردية عام 1849م حسبما يذكر محمد أمين زكي.
(ب) كما تُعدّ العلاقات الإقطاعية والعشائرية السائدة في كوردستان آنذاك، والتي كانت تؤدي أحياناً إلى موالاة العثمانيين وعدم الوقوف ضدهم، من هذه العوامل أيضاً. فقد كان الزعماء الإقطاعيون الكورد يعمدون إلى التخلي عن الانتفاضة الكوردية حينما يدركون أن الأمور لا تسير كما تبتغي مصالحهم الذاتية، حتى وإن أراد الفلاحون الاستمرار في المقاومة. كما أن العلاقات العشائرية والولاء للعشيرة كانا يُضعفان الولاء للإمارة أو للقومية الكوردية؛ فقد سقطت (عقرة) في يد القوات العثمانية نتيجة خيانة عشيرة (الزيبار) التي كانت تكنّ لمحمد باشا السوراني العداء الشديد، لأنه نكّل بها حينما رفض الزيباريون الانضواء تحت لوائه لقوة انتمائهم القبلي.
(ج) وكان الانقسام داخل الإمارة الكوردية الواحدة أيضاً من هذه العوامل في بعض الأحيان، إذ كان يؤدي إلى إضعاف مقاومة تلك الإمارة ثم سقوطها. وقد ظهر تأثير هذا العامل بجلاء في مقاومة أحمد باشا البابانيّ الذي انهزم أمام والي بغداد لتواطؤ أخيه (عبد الله باشا بابان) مع عدوه كما رأينا. ويبدو أن الكورد كانوا على علم بهذا العامل حتى في تلك الحقبة؛ فعندما وصل القنصل البريطاني جيمس برانت إلى إحدى مناطق سهل (موش) التي حارب سكانها قوات حافظ باشا، قائد الحملة العثمانية على كوردستان، بالرغم من وقوف زعيمهم إلى جانب عدوهم، تحدث ابن الزعيم المذكور نفسه إلى جيمس برانت قائلاً: (فإن الهجوم [هجوم حافظ باشا قائد الحملة العثمانية على كوردستان] كان سيفشل تماماً لو لم يكن هؤلاء منقسمين فيما بينهم).
(د) كما أن حوادث الخيانة، وطريقة ضرب الانتفاضة الكوردية بأبنائها، التي اتبعها العثمانيون لإخماد المقاومة الكوردية في بعض الأحيان، كانت عاملاً مساعداً على فشل المقاومة وسقوط الإمارات الكوردية. وأبرز مثال على ذلك موقف عزيز بك البابانيّ الذي أسهم في الإطاحة بحكم عبد الله باشا بابان في السليمانية لمصلحته الذاتية التي لم يحصل عليها، كما مرّ بنا.
(هـ) كما لا يمكننا أن نستبعد العامل الديني في فشل بعض الانتفاضات الكوردية، إذ كان تبجيل السلطان العثماني بوصفه خليفة المسلمين لا يزال كامناً في نفوس البسطاء الذين كانوا يرون أن القتال ضد جيش السلطان العثماني إثم لا يُغتفر. ويكفينا أن رحالةً أجنبياً، هو (فريزر)، قد تنبّه إلى هذا العامل حيث يقول: (إن بقايا التبجيل لخليفة الرسول وزعيم الإسلام الديني منعت الأكراد من مقاومة جنود السلطان بالسلاح).
(و) وكان للعامل الخارجي، المتمثل في الدور الذي اضطلعت به الدول الأوروبية الكبرى وعلى رأسها بريطانيا، تأثير في مسار الأحداث أيضاً، في الوقت الذي كان فيه معظم الأمراء والزعماء الكورد غافلين عن هذا العامل. وقد برز هذا الدور السلبي بصورة أكيدة في انتفاضتي محمد باشا السوراني وبدرخان بك البوتاني كما تبين لنا.
(ز) ومن العوامل الخارجية أيضاً قوة الجيوش العثمانية التي أُدخلت عليها الإصلاحات وزُوّدت بالنظم والأسلحة الحديثة آنذاك، فأصبحت متطورة دون شك قياساً إلى القوات العسكرية الكوردية، ولا سيما في أعقاب إصلاحات السلطان العثماني محمود الثاني الذي أسس جيشاً نظامياً حديثاً.
وبالرغم من ذلك كله يجب ألّا ننسى أن بقاء الكيانات السياسية الكوردية المتمثلة في الإمارات الكوردية واستمرارها هذا الأمد الطويل، الذي بلغ في معظم الأحيان قروناً عدة، يدلّ دلالة واضحة على أن الكورد أثبتوا في أحيان كثيرة من تاريخهم أنهم على استعداد للارتفاع فوق مستوى المصالح الضيقة والولاءات العشائرية، وللتضحية في سبيل تلك الإمارات الكوردية. فقد عاضدت عشائر الجاف الأمير أحمد باشا البابانيّ عام 1847م عندما تعرض لهجوم والي بغداد نجيب باشا، بالرغم من توتر العلاقة بين الأمير المذكور وعشائر الجاف في تلك الفترة. وكذلك اضطر كهية الوالي أحمد باشا بن حسن باشا إلى ترك محاصرة قلعة آميدي لتعرّضه المتواصل لغارات عشائر بادينان في عهد الأمير البادينيّ بهرام باشا الكبير (1714-1768م).
كما يمكننا التأكيد أننا لم نشهد حالة انهارت فيها إحدى الإمارات الكوردية بسبب النزاعات الداخلية أو العوامل الذاتية، بل كان انهيارها في أغلب الحالات بسبب عامل خارجي، ونقصد به الضربة العسكرية الآتية من دولة إقليمية غازية أو محتلة، أو من إمارة كوردية أخرى في حالات نادرة. ولذلك يمكن القول إن العوامل الداخلية المتمثلة في النزاعات على السلطة والتفرقة القائمة لم تكن إلا عوامل مساعدة أو معجّلة لعملية سقوط تلك الإمارات الكوردية.
(2) نتائج القضاء على السلطات والكيانات الكوردية
في مقدمة الآثار التي ترتبت على الهجوم العثماني الشامل على كوردستان في الربع الثاني من القرن التاسع عشر ينبغي الإشارة إلى القضاء التام على جميع الإمارات الكوردية التابعة للدولة العثمانية بحلول عام 1851م، الأمر الذي كان يعني نهاية عهد الإمارات الكوردية في كوردستان، واضمحلال الاستقلال الداخلي الذي كانت تمتاز به كوردستان خلال ذلك العهد، مما أدى إلى خضوع المناطق الكوردية للسلطة العثمانية المباشرة وسيادة مؤسساتها فيها. فقد أصبح الحكم بيد الباشوات العثمانيين، يعاونهم عدد من الموظفين على رأسهم متصرف وقاضٍ ومحاسب، وحلّت القوات العثمانية محل القوات المحلية الكوردية، فانتشرت هذه القوات حامياتٍ في المدن المهمة من كوردستان، وأصبحت وبالاً على كاهل الناس، وآلة جاهزة لقمع أية حركة مناوئة تظهر بينهم.
ولم يؤدِّ هذا التغيير إلى تبدّل الأوضاع الاقتصادية في المنطقة الكوردية نحو الأحسن، بل كانت النتيجة عكس ذلك، فقد جلب العهد الجديد معه ضرائب إضافية على كاهل السكان. وقد ظهرت هذه النتيجة مبكراً، فأحسّ بها القنصل البريطاني (جيمس برانت) الذي قام برحلة إلى المناطق الكوردية عام 1838م، أي بعد حملة القائد العثماني محمد رشيد باشا مباشرة، إذ يقول: (أما فيما يخص الرعية فإنهم مثقلون في الوقت الحاضر بالضرائب أكثر منه في أي وقت مضى). وكانت هذه الضرائب، التي أخذت تزداد مقاديرها وتضاف إليها أنواع أخرى تدريجياً، إلى جانب استعمال الشدة في جبايتها، تؤدي في أحيان كثيرة إلى وقوع الفلاح في حال سيئة جداً، إذ يكاد المنتوج لا يكفي لدفع تلك الضرائب، مما كان يجبر الفلاحين أحياناً على ترك قراهم والالتجاء إلى الجبال هرباً من دفعها. وكانت هذه الأحوال السيئة تتفاقم بمرور الوقت إلى أن بلغت درجة خطيرة في الفترات اللاحقة. وأعتقد أن في هذا مبالغة، أو أنه أُدرج لغايةٍ ما.
وإلى جانب ذلك خضعت كوردستان لنظام التجنيد الإجباري الذي كان أشبه بعملية (صيد الإنسان) حسب قول أحد المسؤولين عن هذه العملية، إذ كان المجنَّدون يؤخذون بأيدٍ مقيدة. وكان الكورد يقاومون التجنيد ويأنفون منه، فيلجأون إلى الجبال هرباً منه لقسوته، ولأنه كان يؤدي إلى قلة الأيدي العاملة في القرى، الأمر الذي كان يضرّ بالعملية الإنتاجية ويؤثر في وضعهم المعيشي سلباً. وقد لاحظ أحد الرحالة النقص الفظيع في عدد الذكور في مدينة سعرت الكوردية.
وعندما انتزع العثمانيون السلطة من الأمراء الكورد أصبح الأغوات الإقطاعيون الكورد ممن لا يمكن لسواد القبائل الكوردية الاستغناء عنهم، ليكونوا حلقة الوصل بالموظفين الأجانب الذين يُعيَّنون عليهم. وكانت النتيجة الطبيعية تمكُّن الطبقة الأرستقراطية الكوردية الجديدة من تثبيت مركزها.
ويجب ألّا ننسى الإشارة في هذا المجال إلى أن نتائج المجهودات العثمانية للسيطرة على الإمارات الكوردية لم تكن متساوية فيما يخص العشائر الكوردية، فلم تخضع العشائر الكوردية للسيطرة العثمانية المباشرة كما خضعت الإمارات الكوردية؛ إذ ظل الزعماء المحليون زعماءً للعشائر كما كانوا، وظلوا يمارسون سلطاتهم على أفراد عشائرهم دون أن يتأثر ذلك بالسيادة العثمانية. ولعل ذلك راجع إلى عدم تمكن العثمانيين من فرض حكمهم المباشر على هذه العشائر الكوردية التي كانت رُحّلاً أو شبه رُحّل غالباً، إلى جانب بقاء روح الانتماء القبلي لديها على قوتها، مما كان يجعل إخضاعها أمراً صعباً.
أما فيما يتعلق باستفادة العثمانيين من القضاء على الإمارات الكوردية، فيمكن القول إنهم حصلوا على منافع عدة؛ فقد أصبح التدخل الأجنبي، ولا سيما الإيراني، أقل من ذي قبل، بعد أن قُضي على الأمراء والزعماء الكورد الذين كانوا يلجأون مراراً إلى الدول المجاورة، وخاصة إيران، طلباً للمساعدة ضد السلطات العثمانية. كما انخفضت المجهودات العسكرية التي كان الولاة يبذلونها سنوياً في محاربة الإمارات (المنتفضة أو المتمردة) على السيادة العثمانية، إلى جانب منافع أخرى.
وأخيراً هناك نتيجة بالغة الأهمية لكوردستان يجب الإشارة إليها، وهي أن عملية الإخضاع الطويلة التي مارستها السلطات العثمانية ضد الإمارات الكوردية، وما نتج عنها من توحيد أقاليم تلك الإمارات والمناطق الكوردية المختلفة تحت لواء دولة واحدة (الدولة العثمانية)، قد أدت إلى توحيد الأعراف والعادات، وزيادة الاختلاط والتزاوج والاتصال بين الكورد بعد زوال الحواجز القديمة بين تلك الإمارات. وقد أدى ذلك إلى نمو الشعور القومي الكوردي والتطلع نحو توحيد أجزاء كوردستان، إذ نتج عن توحيد الإمارات الكوردية توحيد التطلعات الكوردية نحو التخلص من الحكم العثماني. كما أن أحداث الحملات العثمانية الأخيرة والانتفاضات الكوردية التي نشبت جراءها أدت إلى ظهور بواكير الحركة التحررية الوطنية الكوردية التي تعمّقت جذورها في انتفاضات محمد باشا السوراني وبدرخان بك البوتاني وأحمد باشا البابانيّ وغيرهم.
أجزاء «الهجوم العثماني وأطماعه في كوردستان والقضاء على الإمارات الكوردية» (8 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع
- الجزء الثامن (هذا الجزء)