ج- الأطماع العثمانية بكوردستان والهجوم العثماني بقيادة محمد رشيد باشا على كوردستان

إن هزيمة الإمبراطورية العثمانية أمام روسيا في حرب 1828-1829م، وانتصار اليونانيين في حرب استقلالهم عام 1831م، والزحف الناجح الذي قام به إبراهيم باشا (ابن محمد علي باشا والي مصر وحاكمها) على رأس الجيش المصري شمالًا صوب الأناضول بعد انتصاره على القوات العثمانية في سوريا عام 1831م، كل ذلك قد بعث آمال الحرية والاستقلال لدى بعض الزعماء الكورد من جديد؛ إذ ترسخت في أذهانهم قناعة مفادها: إذا كان اليونانيون والمصريون، وهم من رعايا الدولة العثمانية، قد استطاعوا دحر الجيش العثماني وحققوا استقلالهم، فلماذا لا يحق للكورد أن يديروا أنفسهم بأنفسهم؟ يضاف إلى ذلك أن الإدارة العثمانية في كوردستان كانت في غاية التخلف والظلم خلال تلك الفترة، وكانت أرواح الأهالي وأموالهم عرضة للخطر، إذ كان الحكام والموظفون العثمانيون لا هم لهم سوى إشباع بطونهم وتحقيق أطماعهم بابتزاز الأموال من الناس وسلب ممتلكاتهم، خاصة وأن غالبية هؤلاء الحكام والموظفين كانوا قد اشتروا مناصبهم بالأموال والرشاوى، مما دفعهم إلى السعي جاهدين لتعويض تلك الأموال على حساب الأهالي في كوردستان. ولذلك كانت الرشوة والفساد منتشرين في جميع مؤسسات الدولة.

وإلى جانب كل ذلك، كان هناك استياء عام، لم يكن منتشرًا في المناطق الكوردية فحسب، بل في أنحاء الإمبراطورية العثمانية كافة، جراء الضرائب الفاحشة المفروضة على كاهل الرعايا. فالرحالة الروسي ف. ب. فرونجينكو، الذي كلف بالقيام بدراسة دقيقة ومتقنة للأناضول فيما بين سنتي 1833 و1836م، يشير إلى ذلك بوضوح حين يذكر: «من الصعوبة جدًا تعداد جميع أنواع الضرائب التي تجبى من مختلف الفئات والطبقات، فهي متنوعة ومتباينة، وعلى الرغم من أن كل ضريبة وحدها ليست باهظة، غير أن الضرائب مجتمعة تشكل مبلغًا كبيرًا، ولكن حتى هذا المبلغ ما كان سيصبح مرهقًا للسكان لو لم يزيدوه بإضافات عديدة، والكثير منها يسمونه مؤقتًا ولكنه مع ذلك يتكرر دون انقطاع ولأكثر من مرة في السنة الواحدة». وقد انعكس ذلك على أوضاعهم المعيشية فزادت سوءًا بمرور الوقت. ويكمل فرونجينكو حديثه قائلًا: «إن المزارعين الموسرين قليلون جدًا وعددهم ينقص باستمرار، وذلك بسبب ارتفاع مبالغ الضرائب، والأغلبية الساحقة منهم تعيش حياة الفقر والفاقة، وهم قانعون بالغذاء الزهيد جدًا، ويكاد يصعب عليهم الحصول على الملابس الكافية لتغطية عريهم».

ونتيجة لهذه العوامل مجتمعة اندلعت خلال هذه الفترة حركات وانتفاضات كوردية كثيرة ضد السلطات العثمانية، من أهمها انتفاضة الأمير السوراني محمد باشا المشهور بـ«باشاى كه وره»، أي الباشا الكبير، الذي كان يوسع حدود إمارته سوران على حساب الأقاليم الكوردية المجاورة بهدف بناء كيان سياسي كوردي، فقطع شوطًا كبيرًا في هذا المجال. وبذلت إمارة بوتان الكوردية محاولة مشابهة فيما بعد في عهد أميرها بدرخان بك باشا، فأصبحت الإمارة أشبه بحكومة مستقلة لا تعير الباب العالي أية أهمية منذ بدايات الثلاثينيات من القرن التاسع عشر. وفي عام 1829م نشبت الانتفاضة في بعض مناطق هكاري الكوردية، وأخذت تتوسع تدريجيًا في المناطق الكوردية المجاورة.

كما أصبحت بعض المناطق في الجهات الشمالية من كوردستان بمنأى عن السيطرة العثمانية خلال تلك الفترة، وخاصة مناطق وان وبايزيد. أما البقاع الواقعة بين أرضروم وخوي فأصبحت منطقة صعبة الاختراق حتى على ساعي البريد العثماني (التتر)، لأن الكورد في هذه المنطقة من كوردستان لم يكونوا يعترفون بأية سلطة عليهم في تلك الفترة.

أما منطقة درسيم الوعرة الكائنة في أقصى شمال غربي كوردستان فقد ظلت تناوئ السيادة العثمانية باستمرار؛ إذ كان أبناء تلك المنطقة، المعروفون بأكراد الزازا، مصرين على إدارة أنفسهم بأنفسهم بعيدًا عن السلطات العثمانية، وقاوموا في سبيل ذلك حملات عثمانية عديدة حاولت إخضاعهم بالقوة. ويمكن القول إن الاتصالات خلال تلك الفترة كانت صعبة وشبه معدومة بين ولاية بغداد وإسطنبول، إذ كان شرقي الأناضول (كوردستان تركيا) عمومًا أشبه ما يكون تحت سيطرة الزعماء الكورد وخارجًا عن السلطة العثمانية، حسب قول أحد المؤرخين.

ولكن الدولة العثمانية أخذت تستعيد أنفاسها شيئًا فشيئًا بعد عقد صلح كوتاهية بينها وبين مصر في أيار 1833م، ومعاهدة خونكار إسكله سي بين العثمانيين وروسيا في الثامن من تموز 1833م، وأخذ وضعها الدولي يتحسن قليلًا. لذلك نجدها تبادر إلى محاولة استعادة سلطتها في كوردستان، وتنفيذ مخططها، الإصلاحي في نظر العثمانيين والاحتلالي في نظر الكورد، بإخضاع كوردستان للحكم المركزي، ضمن محاولات السلطان العثماني محمود الثاني لتقوية السلطة المركزية للدولة العثمانية في أنحاء الإمبراطورية كافة. ولكن ذلك المخطط جوبه بمقاومة شديدة من قبل الكورد في كوردستان، مما كلف العثمانيين مدة نيف وعقدين من الزمن حتى تم تجريد الكورد من إماراتهم. ويجدر بالذكر أن تلك المقاومة الكوردية تعود إلى جملة عوامل، من أهمها:

  1. العامل القومي الكوردي، المتمثل في رفض الكورد للسلطة العثمانية المباشرة، ومحاولة الحفاظ على كياناتهم السياسية الكوردية واستقلالهم الداخلي اللذين كانا مهددين من قبل العثمانيين.
  2. نفور الكورد من العثمانيين ومن سيطرتهم الجائرة عليهم، يضاف إلى ذلك رفضهم الإجراءات العثمانية الجديدة، وخاصة التجنيد والضرائب الإضافية التي كانت ضمن أهداف الحملة العثمانية الجديدة على كوردستان. ويذكر مولتكه، وهو ضابط ألماني كان يرافق تلك الحملة عندما ترأسها حافظ باشا الصدر الأعظم، أنه علم بأن «الكورد كانوا يتضايقون ويتذمرون من شيئين: الأول الضريبة، والثاني أداء الخدمة العسكرية للدولة». ويضيف بأنهم «لا يتذمرون من دفع الضرائب المنصوص عليها في القوانين، أو الضريبة الحقيقية، بقدر ما يتذمرون من سوء سلوك وظلم الجباة ومأموري الحكومة العثمانية الذين يسعون إلى سلبهم ونهبهم».
  3. أن الأمراء والزعماء الكورد الذين كانوا قادرين على حث رعاياهم على الانتفاضة كانوا يحاولون الحفاظ على سلطاتهم السياسية، وآخرون منهم على ممتلكاتهم الإقطاعية المهددة من قبل العثمانيين في هذه الحملة، لذلك بادروا إلى المقاومة واتخاذ موقف الدفاع.

أصدر السلطان العثماني محمود الثاني عام 1834م فرمانًا إلى والي سيواس محمد رشيد باشا ليتولى قيادة الحملة التي أعدت للتوجه إلى كوردستان لتحقيق الأهداف المشار إليها سابقًا، بالإضافة إلى أهداف أخرى. وقد وقع الفرمان موقع الرضا عند محمد رشيد باشا الذي أراد بذلك إثبات إخلاصه للسلطان العثماني محمود الثاني، وإعادة اعتباره إثر الهزيمة النكراء التي لحقت به أمام قوات إبراهيم باشا في قونية عام 1832م ووقوعه في الأسر. كما أعد العثمانيون جيشًا آخر ليعبر الأقاليم الشمالية من كوردستان مارًا بأذربيجان إلى بحيرة وان، وكانت قلعة درسيم الحصينة ضمن المناطق الواقعة في طريقه، ولكن سكانها الكورد المنتفضين دافعوا عنها ببسالة، مما أدى إلى فشل القوات العثمانية في الاستيلاء عليها، فتوجهت تلك القوات إلى المناطق التي يكون الانتصار فيها سهلًا. وأخيرًا تمكنت هذه القوات العثمانية التي كانت بقيادة والي أرضروم من إعادة السيطرة العثمانية إلى منطقتي وان وبايزيد، فعزلت والي وان إسحاق باشا ونصبت مكانه تيمور باشا الموالي للعثمانيين.

أما قوات محمد رشيد باشا المؤلفة من أربعين ألف مقاتل فكان من واجبها المرور بسامسون وسيواس إلى الشرق والجنوب الشرقي لتصل إلى هدفها الأخير، وهو الأمير محمد باشا السوراني. فبدأ محمد رشيد باشا هجماته على الأقاليم الكوردية من الشمال في صيف عام 1834م، محاولًا تصفية حساباته مع الرؤساء الكورد الذين رفضوا مؤازرته وكانوا على استعداد للوقوف في وجهه ومحاربته، وذلك قبل أن يصل إلى هدفه الرئيس الأمير محمد باشا السوراني. وقد سمح محمد رشيد باشا لجنوده بنهب كل ما يقع في طريقهم ويستطيعون حمله، ولذلك تعرضت جميع المناطق الكوردية الواقعة في طريق الجيش العثماني للنهب والتخريب، كما أصبح الآلاف من العزل ومن النساء والأطفال ضحايا لاعتداءاتهم الوحشية. وقد دفع ذلك الكورد إلى حمل السلاح للوقوف في وجه تلك الحملة الهمجية، ولذلك لم يكن مرور هذا الجيش العثماني عبر المناطق الكوردية أمرًا سهلًا، بل تعرض لعقبات كثيرة أخرت تقدمه مدة سنتين.

وتمثلت تلك العقبات في المقاومة العنيدة التي كان يبديها المقاتلون الكورد في مناطق عدة، فقد ألقى المقاتلون الكورد الخوف والرهبة في قلوب جنود محمد رشيد باشا في بعض المواقع. وقد دون القنصل البريطاني في أرضروم جيمس برانت، الذي زار المنطقة عام 1838م، أي عقب الحملة المذكورة ببضع سنين، الكثير من الحوادث التي تدل على شدة المقاومة الكوردية للجيش العثماني، منها حادثة مقاومة قبيلة ياديكانلي الكوردية التي يذكر برانت بصددها: «إن هذه القبيلة الكوردية رفضت الإذعان لأوامر محمد رشيد باشا الجائرة لإخضاعهم، فلجأت إلى هذا الوادي متخذة منه موقعًا دفاعيًا، حيث هاجمها فيه عدة مرات، وبعد خسارة مريعة بين الطرفين أخضعت بالقوة لسلطته بالرغم من مقاومتها الباسلة». وحول موقف أحد الزعماء الكورد من الحملة كتب جيمس برانت يقول: «وكان مضيفنا رئيس عشيرة كورديًا عجوزًا كان قد قاوم ببسالة جيوش محمد رشيد باشا، وبالنتيجة أحرق بيته، ثم فرّ هو إلى الجبال متخذًا منها الملاذ الأمين، ولكنه أجبر فيما بعد على الاستسلام». ولم يكن أولئك الزعماء الكورد يبدون الخنوع أو يطلبون الاسترحام حتى حينما يضطرون إلى الاستسلام؛ إذ يروي لنا مولتكه مشهدًا لزيارة زعيم كوردي إلى المعسكر العثماني بعد استسلامه، فيذكر: «أقبل سعيد بك بشجاعة نادرة وكأن شيئًا لم يحدث، أقبل من غير خوف أو تردد، لقد استولت عليّ الدهشة والحيرة لأنه لم يطلب التماسًا أو عفوًا. لقد بدا كمن يحميه جيش جرار في المؤخرة».

ولكن مصير هذه المقاومة الكوردية لم يكن الهزيمة طوال الوقت، فقد دحر الكورد الجيش العثماني في بعض المواقع الحصينة، ومنها جنوبي بحيرة وان في إقليم هكاري، حيث لم يتمكن العثمانيون من القضاء على نفوذ الزعماء الكورد وسلطتهم هناك. كما لم تستطع قوات محمد رشيد باشا الظهور في جبال موش وحاسو أيضًا. ويجدر بالذكر أن الأرمن كانوا يشاركون الكورد في محاربة الجيش العثماني في بعض المناطق، فقد عثر جيمس برانت المار ذكره على دلائل تبرهن على ذلك، بالرغم من إنكارهم ذلك أمامه خوفًا من العثمانيين؛ إذ بادر أحد الجنود العثمانيين الذين شاركوا في الحملة، وكان حاضرًا هناك، إلى القول لبرانت: «إن الأرمن كانوا عنيدين في مقاومتهم لنا تمامًا مثل الكورد المسلمين».

وبالرغم من كل ذلك أصر محمد رشيد باشا على القضاء على المقاومة الكوردية بقسوة متناهية، ولجأ في سبيل ذلك إلى التهجير القسري لبعض الجماعات الكوردية إلى الأقاليم البعيدة من الإمبراطورية العثمانية، مما أدى إلى موت أعداد كبيرة من العجزة والأطفال منهم.

ومع ذلك فإن مسيرة هذه الحملة العثمانية المليئة بالمعارك الدامية قد نالت كثيرًا من مقدرات الجيش العثماني وأضاعت عليه الكثير من الوقت. وكانت برودة الشتاء ونقص المؤن والذخائر من العوامل الأخرى المعرقلة لتقدم هذه الحملة، فقد اتخذ السكان الكورد موقفًا سلبيًا من العثمانيين، وكانوا يضعون العراقيل أمام حصولهم على المواد الغذائية، مما اضطر محمد رشيد باشا إلى ترك أمر المؤن للجنود أنفسهم كي يدبروها، وكان ذلك يعني حثهم على النهب والسلب، فأدى إلى غلاء فاحش في أسعار المواد الغذائية في المناطق التي وجدت فيها قوات محمد رشيد باشا العثمانية. وبسبب هذه العوامل مجتمعة تأخر وصول هذه الحملة إلى أهدافها الرئيسة كثيرًا، إذ لم يقرر قائد الحملة المباشرة بتنفيذ المهمة الأساسية إلا في ربيع عام 1836م، وذلك عندما وصلته قوات إضافية من الأستانة، كما كان مقررًا أن تنضم إليه قوات والي الموصل محمد باشا إينجه بيرقدار ووالي بغداد علي رضا باشا.


أجزاء «الهجوم العثماني وأطماعه في كوردستان والقضاء على الإمارات الكوردية» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←