2- سقوط إمارة بادينان
أعاد إسماعيل باشا، أمير بادينان، السيطرة على مدينة آميدي سنة 1836م، ودافع عنها ضد المحاولات العثمانية لإعادة احتلالها. ويبدو أن العثمانيين غضّوا النظر عنها بعد ذلك، وتوجهوا للقضاء على الأمير السوراني محمد باشا الذي كان الهدف الرئيس لحملتهم، فلما تم لهم ذلك في آب 1836م عرّجوا على قلعة آميدي. وتتضارب آراء المؤرخين في مسألة الهجوم العثماني على هذه القلعة في تلك الأثناء؛ فيذهب بعضهم إلى أن القائد العثماني محمد رشيد باشا حاصرها لدى عودته من رواندوز، ثم سيطر عليها فقضى بذلك على إمارة بادينان. ويرى آخرون أن علي رضا باشا (والي بغداد) هو الذي هاجم آميدي عام 1837م، بعد القضاء على محمد باشا السوراني أمير إمارة سوران، وتمكن من احتلالها وأسر إسماعيل باشا أمير بادينان وأخذه إلى بغداد، ثم ردّه إلى منصبه في آميدي بعد ذلك، لأن ظروف الدولة العثمانية وانشغالها بالحرب مع المصريين لم تكن تسمح بتطبيق الحكم المباشر حينذاك. أما المؤرخون الآخرون فيذكرون الحملة العثمانية التي وُجّهت إلى آميدي بعد إنهاء مسألة الأمير السوراني محمد باشا، إلا أنهم لا يشيرون إلى اسم قائدها، كما أنهم ينكرون اعتقال إسماعيل باشا أمير بادينان أثناء تلك الحملة. ويذكر لونكريك: (وتولى في 1838م محمد باشا الإينجه بيرقدار والي الموصل إتمام العمل غير الكامل في كوردستان، فأُلحقت في الأخير العمادية بعد أن حوصرت، ثم تبعتها عقرة ودهوك).
ولكننا نرجّح الرواية الأخيرة (رواية لونكريك)، مما يعني أن القوات العثمانية هاجمت آميدي بقيادة والي الموصل محمد باشا (إينجه بيرقدار) بعد العودة من رواندوز، لأن تلك المنطقة كانت تدخل في نطاق نفوذ إيالة الموصل في تلك الفترة. أما الأمير البادينيّ إسماعيل باشا فلم يتمكن من الصمود طويلاً أمام الحصار العثماني، فنزل من القلعة ليلاً عن طريق نفق سري مع بعض رجاله المعتمدين، متوجهاً إلى الأمير البوتاني (بدرخان بك) في مدينة (جزيرة). فدخلت القوات العثمانية قلعة آميدي، وبقي فيها محمد باشا إينجه بيرقدار والي الموصل أياماً معدودة، أقام عليها خلالها أحد وجهاء بادينان، وهو (يونس آغا الكيلي)، حاكماً مؤقتاً، ثم قفل راجعاً إلى الموصل.
ولكن يبدو أن يونس آغا الكيلي أدرك أن سكان المدينة، ولا سيما وجهاءها، يميلون إلى إسماعيل باشا حاكم بادينان الأصلي، فأخذ يرسل إليه سراً من يدعوه إلى العودة إلى آميدي، وحدث ذلك عام 1842م. ثم سعى إسماعيل باشا إلى أن يجعل حكمه رسمياً معترفاً به من السلطات العثمانية، ولكن والي الموصل محمد باشا إينجه بيرقدار رفض ذلك، لأن الدولة العثمانية كانت تحاول جاهدةً القضاء على الإمارات الكوردية. فجهّز الوالي حملة لإنهاء حكم إسماعيل باشا، والتقى بقوات بادينان عند قرية (إيتوت، أو: عين توتا)، فدارت رحى معركة حامية أسفرت عن هزيمة قوات بادينان، فأسرع إسماعيل باشا عائداً إلى آميدي ليتحصن فيها. ولحق به والي الموصل بقواته بعد أن أحدث الكثير من التدمير والنهب في القرى الكوردية الواقعة في طريقه، فحاصر قلعة آميدي أربعة أشهر، اضطر إسماعيل باشا أمير بادينان بعدها إلى تسليم نفسه، بعد أن تعهد له محمد باشا إينجه بيرقدار بضمان سلامته وأملاكه، وببذل الجهود لدى السلطات العثمانية ليُعيَّن على إحدى إيالات الدولة. وقد تم ذلك فعلاً، إذ أرسل محمد باشا إينجه بيرقدار الأمير البادينيّ المعزول إسماعيل باشا مع أفراد أسرته وحاشيته وكافة ممتلكاته إلى بغداد، حيث توفي فيها عام 1872م بعد أن تقلّد مناصب عدة في إيالات الدولة. أما مصير الإمارة (بادينان) فقد دخلت القوات العثمانية مدينة آميدي عام 1842م، واستولت بعد ذلك على جميع المناطق التابعة لإمارة بادينان، وأُلحقت بإدارة إيالة الموصل.
3- حملة القائد العثماني حافظ باشا (الصدر الأعظم) على كوردستان
وصلت قوات القائد العثماني محمد رشيد باشا إلى حال سيئة من التعب وهبوط المعنويات، نتيجة تلك المسيرة الطويلة الشاقة عبر المناطق الكوردية الجبلية الوعرة إلى رواندوز. ومما زاد في سوء حالها انتشار وباء الكوليرا بين أفرادها. وإزاء ذلك أمرت السلطات العثمانية بوقف العمليات الحربية في كوردستان مؤقتاً. وقد أصاب هذا الوباء الفتاك قائد الحملة العثمانية محمد رشيد باشا أيضاً، فمات متأثراً بالكوليرا في كانون الثاني 1837م في ديار بكر. وحلّ المشير حافظ باشا (الصدر الأعظم) محله في قيادة الحملة، ولم يكن أقل غطرسة وخشونة من سلفه في تعامله مع الكورد.
استأنفت القوات العثمانية تنفيذ مهماتها في كوردستان في صيف عام 1837م، فوجّهت هجمات عدة عقيمة إلى بعض المناطق الكوردية، أفهمت القيادة العثمانية ضرورة إعادة النظر في تقوية الجيش وزيادة عدد أفراده وإكمال نواقصه. والجدير بالذكر في هذا المجال أن العثمانيين استفادوا من العلاقات الإقطاعية القائمة في كوردستان مرة أخرى، عندما استغلوا الطموحات الشخصية والحرص على الامتيازات الإقطاعية لدى بعض الزعماء الكورد لكسب ودّهم واستمالتهم، ليوجّهوهم ضد بني جلدتهم؛ ولذلك ضم الجيش العثماني إلى جانبه الكثير من المقاتلين الكورد. وقد عدّ الضابط البروسي (الألماني) (مولتكه) ذلك مبعث قوة للجانب العثماني، وذكر أن افتقار قوات المقاومة الكوردية إلى التخطيط والتنظيم كان لصالح العثمانيين المتفوقين من الناحية التسليحية أيضاً. ومن الأمور الأخرى التي ساعدتهم انقسام الرؤساء الكورد فيما بينهم وعدم تكوينهم جبهة كوردية موحدة ضد العثمانيين. يضاف إلى ذلك مساندة بعض الدول الأوروبية للعثمانيين، وعلى الأخص بريطانيا التي أمدّت الحملة العثمانية بالمهندسين والخبراء في الشؤون العسكرية وبعض الأطباء العسكريين، ليزوّدوا الجيش العثماني بخبراتهم العسكرية والتقنية. وتدل مرافقة الضابط البروسي (الألماني) الرفيع المستوى (مولتكه) لتلك الحملة على أن بروسيا كانت على الموقف نفسه.
وبعد اتخاذ كافة الاستعدادات وجّه العثمانيون هذه القوة الضخمة إلى منطقة صغيرة هي منطقة سنجار/شنكال التي كان يقطنها الكورد الإيزديون، وارتكبوا فيها جرائم بشعة؛ إذ قتلوا أكثر من نصف سكانها الكورد الإيزديين رمياً بالرصاص أو بالقنابل، ولم يسلم حتى الذين لجأوا إلى المغاور والكهوف، إذ حوصروا وأُضرمت النار فيها، فماتوا حرقاً أو خنقاً بالدخان، ثم سيقت النساء والأطفال إلى المدن حيث عُرضوا للبيع. ويذكر أحد شهود العيان بصدد تلك الجرائم: (هُدمت القرى الكوردية، وهتك الجنود أعراض النساء، وقُتل الرجال).
وإلى جانب قوات القائد العثماني حافظ باشا (الصدر الأعظم) كانت هناك قوات عثمانية أخرى تُسهم في قمع الانتفاضات الكوردية، وهي القوات التي كانت بقيادة (قائد بايزيد)، وكانت تحاول قمع انتفاضة عشيرة سبيكي في منطقة أرضروم، وتم لها ذلك في السنة نفسها (1837م)، فاعتُقل زعماؤها وفُتك بأفرادها.
وبعد أن انتهى حافظ باشا من مجزرة سنجار زحف باتجاه الشمال الغربي مهاجماً بقوة الدفاعات الكوردية التي كانت تعترضه. وعندما حلّ الشتاء عسكر في ضواحي ملاطية، وقدّم المدينة لقمةً سائغة لجنوده، فأمضى الجنود الشتاء في نهب سكانها وسلبهم. ولما جاء ربيع عام 1838م بدأ حملاته متوجهاً إلى الشرق لقمع الانتفاضات الكوردية التي كانت منتشرة في أنحاء واسعة من كوردستان ضد السياسة العثمانية الهادفة إلى النيل من حرية الكورد. وكانت المقاومة الكوردية لتلك الهجمات شديدة إلى درجة أن الجيش العثماني كان يقابل خصمه في بعض المواقع (بقلوب خائفة وأرجل مرتجفة). بل إن تلك المقاومة البطولية حملت الضابط الألماني المرافق للحملة العثمانية (مولتكه) على إبداء إعجابه الشديد بالشعب الكوردي وبمهاراته القتالية وشجاعته. وبالرغم من ذلك لم تكن تلك المقاومة مجدية في أغلب الأحيان، بسبب غلبة الجانب العثماني عدداً وعدةً، إلى جانب الانقسام الذي كان الكورد يعانون منه. فعندما مرّ الجيش العثماني بمنطقة موش، لقي في إحدى ضواحيها الواقعة في منطقة جبلية وعرة مقاومة باسلة من سكانها الكورد، الذين قرروا التصدي للقوات العثمانية بالرغم من وقوف زعيمهم وجماعته إلى جانب القائد العثماني حافظ باشا، ولكنهم انهزموا نتيجة الانقسام الذي حدث في صفوفهم. ومما يجدر التنويه به أن بعض الزعماء الإقطاعيين الكورد كانوا يلجأون أحياناً إلى موالاة الجيش العثماني حرصاً على امتيازاتهم، كما رأينا، بل كانوا يدفعون الرشاوى في سبيل تلك الامتيازات في أحيان أخرى. ويروي لنا (جيمس برانت)، القنصل البريطاني في أرضروم، ما يصلح مثالاً على ذلك حين يقول: (إن الإخوة [إخوة أمين باشا الذي كان حاكماً على موش] كانوا قد عقدوا اجتماعاً للتباحث في الوضع الجديد الذي آل إليه أمين باشا بتحوّل باشويته إلى حافظ باشا، وكذلك لجمع المزيد من الأموال لشراء أفخم الهدايا لتكريم رئيسهم الجديد، بما يضمن تعيين أمين باشا من جديد على الباشوية نفسها).
ويجب ألّا ننسى الإشارة في هذا المجال إلى أن العثمانيين أيضاً كانوا يميّزون هؤلاء الأمراء والزعماء الإقطاعيين الكورد من عامة الناس؛ فهم لا يعمدون، قدر الإمكان، إلى قتلهم أو التنكيل بهم عند وقوعهم في قبضتهم إثر مقاومة أبدوها ضدهم، بل كانوا في غالب الأوقات يطلقون سراحهم ويعيدونهم إلى أماكنهم السابقة. ويعطينا (جيمس برانت) مثالاً على هذا التصرف العثماني أيضاً، عندما يتحدث عن زعيم عشيرة كوردية قاوم العثمانيين ثم اضطر إلى الاستسلام، فيقول: (إذ حُجز في ديار بكر لمدة عام كامل، ثم أُرسل مرة أخرى إلى منطقته الأصلية مستعيداً سلطاته القبلية السابقة). ويعلّل (خالفين) ذلك بمحاولة العثمانيين ضمان مساعدة الكورد لهم في حروبهم المقبلة ضد إيران وروسيا من جهة، وباستهدافهم من جهة أخرى استمالة زعماء العشائر والإقطاعيين الكورد إلى صفوفهم بغية ضرب الحركات والانتفاضات الكوردية. أما عامة الشعب الكوردي فكانوا يتعرضون للغطرسة والقسوة العثمانية بعنف؛ إذ يروي لنا أحد شهود العيان مصير سكان إحدى القلاع الكوردية بقوله: (لقد أُبيد الرجال، وأُرسل الأطفال البنون إلى إستانبول، والنساء إلى ملاطية). وقد تعرضت كوردستان جراء هذه الحملة لتدمير بشري ومادي مريع، فيذكر أحد الذين زاروا كوردستان خلال تلك الفترة أنه (تنتشر القرى الكوردية المحروقة والأراضي الجرداء في كافة المناطق الكوردية، مما أدى إلى انتشار المجاعة في كوردستان، وكانت الأودية مملوءة بجثث قتلى الكورد).
واستمر بؤس كوردستان على يد القائد العثماني حافظ باشا (الصدر الأعظم) وجنوده إلى سنة 1839م، حين حدثت تطورات على ساحة الشام دعت السلطان العثماني محمود الثاني إلى استدعاء حافظ باشا من كوردستان، ليتوجه بجيوشه المنهكة إلى ملاقاة الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا (حاكم مصر) في نزيب. وكان العثمانيون على علم بضعف جيشهم وإنهاكه بسبب سوء التغذية والأوبئة والتعب، لذلك حاولوا جمع أعداد أخرى من المقاتلين في كوردستان، ولكنهم لم يستطيعوا إلا تشكيل قوة كوردية صغيرة من بعض العشائر الكوردية. وحين وقعت معركة نزيب في حزيران 1839م مُني الجانب العثماني بهزيمة نكراء. ولم ينسَ الكورد الذين كانوا في صفوف الجيش العثماني الجرائم العثمانية التي اقتُرفت ضدهم مؤخراً، ولا سيما على يد حافظ باشا وجنوده، فبادروا إلى توجيه نيران بنادقهم إلى ضباطهم أنفسهم، ولم يستطع حافظ باشا أن يدفع عن نفسه غائلة هجوم الكورد المنتفضين إلا بمشقة كبيرة.
أجزاء «الهجوم العثماني وأطماعه في كوردستان والقضاء على الإمارات الكوردية» (8 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس (هذا الجزء)
- الجزء السابع
- الجزء الثامن