ب- المرحلة الثانية
1- بدرخان باشا ونهاية إمارة بوتان الكوردية
تولّى بدرخان بك (الذي نال رتبة الباشوية فيما بعد) إمارة بوتان عام 1821م وهو في الثامنة عشرة من عمره. وقد تزامن عهده مع بلوغ الدولة العثمانية ضعفاً خطيراً في كيانها وتفسّخاً واضحاً في مؤسساتها، وتزامن أيضاً مع إصلاحات السلطان العثماني محمود الثاني الهادفة إلى تقوية السلطة المركزية والقضاء على الإمارات والزعامات الكوردية. وقد ترك ذلك أثره في أعمال بدرخان بك وتطلعاته، ثم في مصيره فيما بعد. فالضعف الذي أصاب الدولة العثمانية بعث آمال الحرية والاستقلال لدى الكورد، فقامت الحركات والانتفاضات الكوردية في أنحاء متفرقة من كوردستان، وكانت إمارة بوتان أحد مراكز تلك الانتفاضات الهادفة إلى الحفاظ على الاستقلال الداخلي الكوردي وتطويره.
لقد خطّط بدرخان باشا أمير بوتان لانتفاضة واسعة في كوردستان، وتدل إجراءاته على سعة خططه وتفكيره. ويبدو أنه أدرك أن التفرقة الموجودة على الساحة الكوردية، والمحاولات الأحادية الجانب من الأمراء الكورد، كانت من العوامل الرئيسة التي أدت إلى فشل الانتفاضات الكوردية السابقة. ولذلك حاول تجاوز هذا العامل بالمبادرة إلى الاتصال بالرؤساء والزعماء الكورد لتكوين تحالف كوردي ضد السلطات العثمانية؛ فاتصل في هذا الإطار بالزعماء: مصطفى بك ودرويش بك وخان محمود (وكانوا حكام مناطق وان)، ونور الله بك (أمير هكاري)، وفتاح بك (أحد أمراء هكاري)، وخالد بك (أمير خيزان)، وشريف بك (أمير بدليس)، وكور حسين بك (زعيم العشائر الكوردية في منطقة قارص). ومما يعطي هذه الانتفاضة الكوردية صفة الشمول ورود اسم أمير أردلان، الذي كانت مناطق حكمه تقع ضمن الدولة القاجارية (إيران)، في هذه القائمة أيضاً. وقد توصل هؤلاء الزعماء الكورد إلى تكوين ما سُمّي (الحلف المقدس) الذي كان يرأسه بدرخان بك أمير بوتان. والجدير بالملاحظة هنا أن هذا الحلف لم يشمل إمارات كوردستان الجنوبية القريبة من إمارة بوتان، قياساً بإمارة أردلان البعيدة عنها كثيراً، ويعود ذلك على الأرجح إلى رفض أمراء تلك الإمارات الكوردية دعوة بدرخان بك للانضمام إلى (الحلف المقدس).
وقام بدرخان بك بإجراءات أخرى في سبيل تهيئة الإمكانات الذاتية للإمارة، فأنشأ مصنعين لصنع الأسلحة والذخيرة الحربية في مركز إمارة بوتان، وبعث عدداً من الطلاب إلى أوروبا بهدف توفير الكوادر المحلية في المجالات العسكرية وفي صنع الأسلحة وتطويرها. وهناك إشارة تفيد بأنه شرع في بناء السفن في بحيرة وان. أما الأوضاع الداخلية في إمارة بوتان فيمكن القول إنها كانت مستقرة، والأمن كان قائماً فيها، نتيجة العدالة التي اتصف بها حكم الأمير بدرخان. فقد ذكر المبشرون (المسيحيون) الأمريكان في تقريرهم عن حكومة بدرخان أنها فرضت حكماً عادلاً للقانون، وقضت نهائياً على الرشوة والابتزاز. ويقول أحد الرحالة الذين زاروا إمارة بوتان في تلك الفترة: (في بلاد بدرخان بك يمكن إرسال الذهب مع طفل صغير دون الخوف من فقدانه). وقد أدى ذلك إلى هجرة واسعة من المناطق الكوردية الأخرى إلى أقاليم إمارة بوتان، هرباً من الأوضاع السيئة وطمعاً في العدالة القائمة فيها، وقد وضع الأمير بدرخان لهؤلاء المهاجرين بعض الشروط استفاد منهم بموجبها في زيادة عدد أفراد جيشه.
ولم تكن تلك المساواة والعدالة تشمل الكورد أو المسلمين فحسب، بل كانت تشمل الجميع في أنحاء إمارة بوتان، ومنهم الأرمن والآشوريون الذين كان بدرخان بك يحاول استمالتهم إلى جانبه ضد الدولة العثمانية. فقد كان جيشه يضم عدداً غير قليل من الأرمن، بل كانت الأمور الاقتصادية والمالية رهن أيديهم أيضاً، وكان بعضهم يشغل مناصب مهمة لدى بدرخان بك. وتُظهر بعض الوثائق الأرمنية أن بدرخان بك كان يمارس سياسة دينية نموذجية، وكان يعدّ نفسه الزعيم الروحي للمنطقة (كوردستان) التي حررها من السيطرة العثمانية، كما يؤكد ذلك باسيل نيكيتين. ومن الدلائل على أعماله العادلة في هذا المجال إلغاؤه العادة القديمة التي كانت تفرض على المسيحيين ارتداء ملابس مميزة، والترجّل إن كانوا فرساناً عندما يشاهدون زعيماً كوردياً راجلاً.
وفي الوقت نفسه كان حكم بدرخان بك يمتاز بالقوة والصرامة في كافة أنحاء إمارته، إذ لم يكن بمقدور الزعماء المحليين والرؤساء التابعين له رفض أوامره أو الانتقاص من سلطاته. وكان الدعاء له يتردد في خطب الجمعة في المساجد، كما عمد عام 1258هـ (1842-1843م) إلى إصدار عملة معدنية خاصة بإمارته، كُتب على أحد جانبيها (أمير بوتان بدرخان) وعلى الجانب الآخر (سنة 1258هـ).
ويعتمد بعض المؤرخين على هذين الحدثين الأخيرين ليؤكدوا أن الأمير بدرخان بك أعلن استقلاله عن الدولة العثمانية، في حين يتحفّظ آخرون على هذا الرأي؛ إذ يقول الضابط السياسي البريطاني (في كوردستان العراق) ميجر سون: (عسيرٌ أن يُطلق عليه تماماً مطالبة بالاستقلال). وفي الواقع لم يعلن بدرخان بك، كالأمير محمد باشا السوراني، انفصاله عن الدولة العثمانية صراحةً وعلناً، إذ ليست لدينا دلائل ملموسة على ذلك. ولكننا في الوقت نفسه نستطيع الجزم بأنه كان يخطط لاستقلال كوردستان ويسعى إليه، استناداً إلى الإجراءات والأعمال التي قام بها، وإلى محاولاته توسيع دائرة نفوذه في كوردستان سعياً وراء تكوين كيان سياسي كوردي واسع النطاق. وتؤكد بعض المصادر أن نفوذ بدرخان شمل في وقت من الأوقات المدن الآتية: وان، ومهاباد، ورواندوز، والموصل، وسنجار، وسعرد، وويرانشهر، وسيفربك. ولكن يظهر أن تلك المصادر تبالغ في هذا المجال، إذ إن بعض المدن أو المناطق المذكورة، ولا سيما (وان)، لم تدخل في حدود إمارة بدرخان بك (بوتان) إقليماً من أقاليمها، بل كان الأمر مجرد قبول حكامها الدخول في حلف مع الأمير بدرخان، كما أن مسألة تبعية (رواندوز) مشكوك فيها، خاصة وأنها لم ترد في المصادر المتعلقة بتاريخ إمارة سوران.
وقد جذبت أنشطة الأمير بدرخان اهتمام السلطات العثمانية مبكراً، ولذلك فعندما حاولت تلك السلطات القضاء على الكيانات الكوردية في بداية العقد الرابع من القرن التاسع عشر، وجّهت ضربات عدة إلى إمارة بوتان أيضاً. ففي حملة القائد العثماني محمد رشيد باشا احتُلّت مدينة (جزيرة) عام 1836م، ولكن بدرخان أعاد السيطرة عليها فيما بعد، لتصبح هدفاً لهجوم عثماني آخر في حملة حافظ باشا التي أعقبت حملة محمد رشيد باشا، إذ وُجّه والي ديار بكر بقواته إليها، لكنها صمدت هذه المرة أيضاً.
ويبدو أن أمر هذه الانتفاضة لم يكن قد استفحل حينذاك إلى الدرجة التي نوّهنا إليها، بل كانت منحصرة في مناطق بوتان وحدها، ولذلك لم يفكر العثمانيون في القضاء عليها جدياً. ولكنها عندما اتخذت نطاقاً أوسع أخذ القلق ينتاب الدول الأوروبية، ولا سيما بريطانيا، فضلاً عن السلطات العثمانية؛ إذ كانت تلك الدول تحاول الحفاظ على مصالحها الذاتية في الإمبراطورية العثمانية بالحفاظ على كيانها المتحلل في وجه الحركات التحررية والانفصالية الكوردية التي تهددها بالتفكك. وكانت تقف ضد أي كيان سياسي قوي قد يظهر في المنطقة، ولذلك كان موقفها من انتفاضة الأمير بدرخان بك مشابهاً لموقفها من الأمير محمد باشا السوراني، كما مرّ بنا، ومطابقاً لموقفها من توسعات محمد علي باشا (والي مصر) أيضاً.
وانطلاقاً من ذلك الموقف أيدت الدول الأوروبية السلطات العثمانية في محاولتها القضاء على تلك الانتفاضة الكوردية، وكان تأييدها مستتراً بالستار الديني والحفاظ على مصالح الأقليات المسيحية في الإمبراطورية العثمانية؛ إذ استغلت تلك الدول النزاعات التي نشبت بين الآشوريين والكورد، حين وجّه بعض الزعماء الكورد هجمات عدة على المناطق التي يقطنها الآشوريون في عامي 1843م و1846م. وأسهم الأمير بدرخان في هجمات عام 1846م وانتصر عليهم، فأرسل الآشوريون شكاواهم إلى القنصل البريطاني في الموصل (نمرود رسام)، مما هيّأ لبريطانيا الفرصة للتدخل في شؤون كوردستان، فقدّم ممثلو بريطانيا الطلبات الملحّة لدى الباب العالي (الإمبراطورية العثمانية) للقضاء على بدرخان بك. وفيما يتعلق بتلك النزاعات يمكن القول إن الدول الأوروبية كان لها تأثير كبير في إثارة الآشوريين ضد الانتفاضة الكوردية وزرع بذور الشقاق بينهم وبين الكورد، وذلك بواسطة المبشرين المسيحيين الذين انتشروا في المناطق التي يقطنها السكان المسيحيون في كوردستان. ويمثّل المبشر الأمريكي (كرانت) خير من نفّذ تلك السياسة، إذ تمكن من مدّ روابط الصداقة مع الزعيم الروحي للآشوريين (مار شمعون) في منطقة هكاري، فنفّذ بوساطته السياسة المشار إليها آنفاً. كما كان للمسؤولين العثمانيين أيضاً دور في إثارة الخلافات بين الآشوريين والكورد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ينبغي القول إن الإجراء الذي اتخذه بدرخان بك ضد الآشوريين لم يكن بدافع ديني كما صوّرته الدول الأوروبية، لأننا نجده لا يتهاون مع أعدائه سواء أكانوا كورداً أم آشوريين، إذ استعمل القوة في بداية انتفاضته مع الزعماء الكورد الذين لم يكونوا راغبين في الانضمام إليها.
ونتيجة ذلك دخلت انتفاضة بدرخان بك في إطار عالمي، فقد أدان الرأي العام الأوروبي تلك الانتفاضة باعتبارها مارست القمع ضد المسيحيين بدافع التعصب الديني، فظهرت كتابات عدة بهذا الخصوص على صفحات الجرائد والمجلات الأوروبية وفي ثنايا بعض الكتب التي تصدّت لهذه المسألة. وقد حاول بدرخان بك من جانبه الحصول على دعم خارجي أيضاً، فتشير بعض المصادر إلى أنه كان يأمل الحصول على عون الدولة القاجارية. وفي الوقت الذي لا توجد لدينا فيه دلائل تبرهن على ذلك، فإننا لا نشك في فشل تلك المحاولة، لأن أهداف بدرخان بك البعيدة المدى ومحاولاته توسيع نطاق نفوذه إلى المناطق الشرقية من كوردستان كانت قد أدت دون شك إلى عداء الدولة القاجارية (إيران) له.
ومهما كان الأمر فقد استغلت الدولة العثمانية دعم الدول الأوروبية، فقررت القضاء على هذه الانتفاضة الكوردية عام 1847م، وعهدت بهذه المهمة إلى الحملة التي تكوّنت بقيادة والي حلب (عثمان باشا) قائداً للقوات العثمانية. ولكن المسؤولين العثمانيين بذلوا جهوداً عدة لحسم المسألة عن طريق المحادثات قبل الشروع في استخدام القوة العسكرية، فأرسلوا مبعوثين إلى بدرخان بك لإقناعه بالعدول عن فكرته، إلا أنهم لم يحصلوا على نتائج مرضية.
وفي أعقاب ذلك أعلن عثمان باشا، والي حلب والقائد العثماني، النفير العام حال وصوله إلى أرضروم في منتصف عام 1847م، وبدأ الهجوم من الشمال للقضاء أولاً على حلفاء بدرخان بك. فاستهلّ حملته بمهاجمة عبدال خان (حاكم موكس) الذي كان قد حالف بدرخان أيضاً، فتمكن من أسره والسيطرة على ما كان تحت يده من أراضٍ، ونُفي بعد ذلك إلى إحدى الجزر النائية، ثم أجبر مصطفى بك على الاستسلام أيضاً. وأرسل العثمانيون بعد ذلك قسماً من قواتهم إلى مناطق وان وهكاري بهدف قطع الصلة بين محمود خان ونور الله بك، اللذين كانا من حلفاء بدرخان بك الأساسيين، ولكنهما دافعا عن نفسيهما ملتجئَين بقواتهما إلى الجبال ليتحصّنا هناك.
وبعد القضاء على حلفاء بدرخان بك بقي وحده في مواجهة القوات العثمانية. ويُذكر أن (الحلف المقدس) الذي سبق ذكره قد ثبتت هشاشته وعدم فاعليته، فقد رأينا أن المتحالفين واجهوا مصيرهم كلٌّ على حدة كأن الحلف المقدس لم يكن موجوداً، كما أننا لم نجد دوراً لبعض المتحالفين في تلك الأحداث، ومنهم الأمير الأردلاني. ولذلك يمكن القول إن هذا الحلف لم يكن بالقدر من الأهمية والفاعلية الذي حاول بعض المؤرخين أن يُظهروه به.
وقد اتخذ الجانب العثماني استعدادات ضخمة تحسّباً لقوة بدرخان بك ومناعة مواقعه، فعسكر عثمان باشا، والي حلب وقائد القوة العثمانية، بقواته في ديار بكر ليتمكن من حشد قوى كافية للمجابهة المقبلة التي كان يعتقد بلا شك أنها ستكون صعبة وحاسمة. وعندما بلغ عدد قواته ثلاثين ألف جندي نظامي ونحو نصف هذا العدد من المقاتلين غير النظاميين، مزوّدين بأربعين مدفعاً، قرر المباشرة بالهجوم على القوات الكوردية المنتفضة التي كان عددها يتراوح بين (10-15) ألف مقاتل حسب بعض التقديرات. وفيما يتعلق بأحداث الحملة ونتائجها يذكر (بله ج شيركو) أن الاصطدام الأول بين قوات بدرخان بك والجانب العثماني وقع بالقرب من (ورمى) الكائنة غربي بحيرة (ورمى)، فانتصرت قوات الأمير بدرخان في بداية المعركة، ولكن الأنباء وردت إلى بدرخان بك بسيطرة قوة عثمانية على مركز الإمارة (جزيرة)، مما اضطره إلى ترك قسم من قواته لمواصلة المعركة، والذهاب بالقسم الآخر لإعادة السيطرة على مركز إمارته (الجزيرة). فتمكن من ذلك فعلاً، ولكن الحادث أثّر في نتيجة المواجهات التي كانت تدور في منطقة (ورمى) لصالح العثمانيين، حسبما يفيد المؤرخ المذكور. ولكننا لا نأخذ بتلك الرواية لأنها مشوشة وتتعارض مع المنطق أيضاً، ولا سيما مسألة وقوع الاشتباك الأول والرئيس في منطقة (ورمى) البعيدة كل البعد عن معسكر الجيش العثماني وديار بكر، قياساً إلى مركز إمارة بوتان الذي كان الهدف الأساس للحملة. كما أن منطقة (ورمى) لا تقع ضمن الحدود العثمانية، بل كانت تابعة لإيران، حتى وإن تواجدت فيها قوات بدرخان بك حسب زعم المؤرخ المذكور، يضاف إلى ذلك أن تراجع القوات العثمانية المنهزمة من مدينة (جزيرة) إلى منطقة (ورمى) أمر مثير للتساؤل والدهشة أيضاً.
ولذلك لا يسعنا إلا الاعتماد على مصدر آخر قريب من الأحداث زمنياً وموضوعياً، وهو مقال متسلسل عنوانه (حكامين جزيرة ابن عمر / حكام جزيرة ابن عمر) كتبه عبد الرحمن بك ابن بدرخان باشا نفسه، ونشره في الأعداد (8-14) من صحيفة (كوردستان) التي تعد باكورة الصحافة الكوردية، وكانت تصدر فيما بين (1898-1902) عن العائلة البدرخانية. وقد جاء فيه أن القوات العثمانية تحركت من ديار بكر صوب مدينة (جزيرة) بقيادة عثمان باشا، والي حلب وقائد الحملة العثمانية على الكورد، وعندما اقتربت القوات المهاجمة من المدينة حدثت اشتباكات عدة بين الجانبين، كان أهمها المعركة التي وقعت عند (جمى زه يتون – نهر زيتون)، والتي أسفرت عن انتصار قوات بوتان (الأمير بدرخان) واستيلائها على بعض المدافع العثمانية، ولكنها عجزت عن استغلال تلك المدافع في معاركها ضد القوات العثمانية لقلة خبرتها في هذا المجال. وبالرغم من ذلك اقتنع الأمير البوتاني بدرخان أخيراً بتفوق القوات العثمانية، ولا سيما من حيث التسليح والتجهيزات، فقرر ترك (جزيرة) والتحصن بقواته في قلعة (آروخ) الحصينة. ولكن ذلك لم يُجدِه نفعاً، فقد ضربت القوات العثمانية الحصار على المتحصنين في القلعة المذكورة، وأمطرتهم وابلاً من القنابل. ورغم أن المدافعين الكورد تمكنوا من الصمود مدة من الزمن، فإن ضربات المدافع العثمانية ونقص المؤن والذخائر دفعتهم في النهاية إلى الاستسلام للقوات العثمانية، وذلك بعد أن أخذ الأمير بدرخان العهد من عثمان باشا قائد الحملة العثمانية بعدم التعرض لحياته وأمواله وأسرته. فأُرسل بدرخان بك مع أهله إلى الأستانة، ونُفي مع عائلته إلى جزيرة (كريت) في البحر المتوسط، فبقي فيها خمسة عشر عاماً، ثم سمح له السلطان العثماني بالذهاب إلى الشام، حيث مات فيها عام 1868م بعد أن نال لقب الباشوية.
أما المشاركون في الانتفاضة فقد التجأ معظمهم إلى إيران أو إلى بلاد القفقاس في روسيا، أو اختبأوا في الجبال. وفيما يتعلق بمصير (خان محمود) الذي كان قد تحصّن في الجبال أيضاً، فيُلحظ أنه اضطر في أيلول 1847م إلى الاستسلام كذلك بتوسط وجهاء مدينة وان، فأُرسل إلى الأستانة، وهناك نُفي إلى بلغاريا. وفي أعقاب ذلك عمد العثمانيون إلى نشر القوات العسكرية في المراكز السكانية الكوردية المهمة، بهدف منع نشوب الانتفاضات الكوردية في المستقبل.
وقبل الفراغ من هذا الموضوع هناك مسألة لا بد من الإشارة إليها، وهي شخصية (يزدان شير، أو: عز الدين شير) الذي كان من أقرباء الأمير بدرخان، وأصبح حاكماً على إمارة بوتان من قبل العثمانيين بعد القضاء على انتفاضة بدرخان بك. إذ يؤكد معظم الذين تصدّوا لهذا الموضوع أنه كان يتزعم أحد أجنحة قوات بوتان، فاتخذ موقفاً خيانياً من الأمير بدرخان بك في أحلك الظروف باتفاقه مع العثمانيين ومساهمته في القضاء على الانتفاضة. ولكن مؤرخاً آخر ذكر في السنوات الأخيرة رأياً مخالفاً لذلك، عندما أشار إلى أن اتهام (يزدان شير) بالخيانة افتراءٌ مخالف للحقيقة من (بله ج شيركو) لدوافع شخصية، وتقصيرٌ في البحث والتمحيص لدى المؤرخين الذين نقلوا هذا الاتهام دون تدقيق. ويتساءل المؤرخ المذكور: لماذا لم يتخذ يزدان شير موقفاً مماثلاً من انتفاضة بوتان حينما سنحت له الفرص قبل ذلك، ولا سيما عندما احتلت قوات القائد العثماني محمد رشيد باشا مدينة (جزيرة) مؤقتاً عام 1836م؟ ويؤكد أيضاً أن يزدان شير كان رهن الإقامة الجبرية في (جزيرة) عندما هاجمت القوات العثمانية تلك المدينة، فكيف تسنّى له قيادة أحد أجنحة قوات بدرخان وإظهار الموقف الخياني المزعوم؟ ويمكننا أن نرجّح الرأي الأخير، نظراً لعدم ورود اسم يزدان شير أو موقفه الخياني المذكور لدى (عبد الرحمن بك بدرخان باشا)، الأقرب إلى الحدث زمنياً، والأولى بذكر تلك الحادثة لكونها قررت مصير أبيه.
أجزاء «الهجوم العثماني وأطماعه في كوردستان والقضاء على الإمارات الكوردية» (8 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع (هذا الجزء)
- الجزء الثامن