بدأ القائد العثماني محمد رشيد باشا هجماته على المناطق التابعة لإمارة سوران في ربيع عام 1836م، فهاجم زاخو واستولى عليها بعد أن حاصرها، ثم توجه نحو الموصل. وعندما علم الأمير السوراني محمد باشا بذلك انسحب إلى رواندوز، وأمر بتحصين المناطق التي كانت تقع في طريق الجيش العثماني. وفي خطوة دبلوماسية من جانبه أرسل مبعوثًا إلى الحكومة القاجارية عارضًا عليها العمل المشترك ضد الجيش العثماني، مقابل تعهده بإعلان الانضمام إلى الدولة القاجارية، ولكنه جوبه بالرفض، نظرًا لعداء المسؤولين القاجاريين له وعدم نسيانهم هجماته على المناطق التابعة لهم، وبتأثير الضغط البريطاني والروسي.

فرغبة روسيا في المحافظة على مصالحها في إيران جعلتها تعادي الحركات المناوئة للحكومة القاجارية، ولذلك لا نستغرب أن نرى السلطات الروسية تزود محمد تقي خان زنكنه، المعروف بـ«أمير نظام» حاكم جنوب أذربيجان الإيراني، بالذخائر الحربية عندما طلب منها ذلك، إذ أراد الإفادة من الموقف ليوجه ضربة إلى الأمير السوراني. أما بريطانيا فقد أرادت الحفاظ على الوضع الراهن في المنطقة الذي كانت إمارة سوران تهدده بالتغيير، وذلك حفاظًا على مصالحها في تلك المنطقة، ولتأمين الطريق الذي يمر عبرها إلى بلاد الهند التي كانت تعد درة التاج البريطاني. وقد عبر أحد المسؤولين الإنكليز عن تلك السياسة بجلاء حين قال: «ليس هنالك أي شعب يمكن أن يحل محل الأتراك الذين يجب أن يظلوا باقين على طريق الهند، لأنهم ضعفاء ولا يستطيعون إلحاق الضرر بنا». كما أن الساسة البريطانيين كانوا يقفون ضد الحركات المناوئة للدولة العثمانية لأنها قد تؤدي إلى تفكك تلك الدولة، مما يهيئ الأرضية لزحف النفوذ الروسي باتجاه الجنوب على حساب نفوذ بريطانيا ومصالحها، وكان عداء البريطانيين لمحمد علي باشا حاكم مصر يأتي في هذا الإطار أيضًا. ولذلك نجد الدبلوماسية البريطانية تنشط في سبيل تضامن الدولتين العثمانية والقاجارية للقضاء على الأمير السوراني محمد باشا وحركته الكوردية التوسعية، فقد أظهر السفير البريطاني في طهران رغبة بلاده الملحة في تحقيق ذلك التضامن في رسالة بعث بها إلى وزير الخارجية القاجاري، فالتضامن المنشود يؤدي إلى تكوين سد منيع في وجه زحف النفوذ الروسي باتجاه الجنوب. وهناك من يرى أن خوف بريطانيا من احتمال إعلان أمير سوران الولاء للحاكم المصري القائم في سوريا قد دفعها إلى محاولة الإسراع في القضاء على الأمير السوراني محمد باشا، إذ إن المسألة كانت ستتفاقم حينئذ أكثر من ذي قبل.

وقد رحبت الحكومة القاجارية بتلك المبادرة رغبة في الانتقام من الأمير السوراني محمد باشا وتعويض الخسائر التي تكبدتها نتيجة هجماته على الأراضي التابعة لها، فأرسل حاكم جنوب أذربيجان الإيراني محمد علي تقي خان زنكنه، المعروف بـ«أمير نظام»، رسالة إلى القائد العثماني محمد رشيد باشا يعرض فيها المشاركة الإيرانية في العمليات العسكرية الموجهة ضد أمير سوران محمد باشا، وذلك باختراق الحدود وتضييق الخناق عليه من جانبهم. وطالب الدولة العثمانية بعدة التزامات في حالة رفض تلك المبادرة، من بينها أن تضمن من جانبها الأمن والاستقرار في المناطق الحدودية الكوردية، وأن تجبر الأمير السوراني محمد باشا على إخلاء المناطق الكوردية الإيرانية التي لا يزال يتمسك بها، وكذلك أن تدفع مبلغ أربعة آلاف تومان للدولة القاجارية تعويضًا عن الأضرار المادية والبشرية التي لحقت بها جراء هجمات الأمير المذكور.

وفي ظل غياب الرد العثماني الإيجابي على تلك المبادرة الإيرانية، طلب السفير البريطاني في طهران من السلطات القاجارية عدم خرق الحدود العثمانية في خضم الحملات العثمانية القمعية الموجهة ضد القوات السورانية، والتريث ريثما تظهر نتائج المساعي التي بذلها لدى الدولة العثمانية كي تضع من جانبها حدًا لتحركات الأمير السوراني محمد باشا. وعندما وصلت أنباء استيلاء الجيش العثماني على قلعة آميدي، أرسل السفير البريطاني السكرتير الأول للبعثة البريطانية في تبريز الكابتن شيل إلى معسكر القائد العثماني محمد رشيد باشا للوقوف على تطورات الموقف هناك، وإطلاع القائد العثماني على الأضرار التي نجمت عن هجمات محمد باشا أمير سوران على الأراضي التابعة لإيران، حسبما يفيد السفير المذكور في الرسالة التي بعث بها إلى وزير الخارجية القاجاري. ولكن المرجح أن تلك المهمة، التي نفذت في تموز 1836م، كانت ضمن الجهود المبذولة لإقناع الجانب العثماني بالعمل المشترك مع الجيش الإيراني القاجاري.

وفي تلك الأثناء قامت القوات القاجارية الإيرانية، التي كانت تضم عددًا من الفرسان الكورد، بمهاجمة المناطق الكوردية الإيرانية التي كانت تحت سيطرة القوات السورانية والقبائل الكوردية المتحالفة معها، فتمكنت من استعادتها وطرد ممثلي الأمير السوراني محمد باشا منها، مستغلة اندحار قوات سوران أمام الجيش العثماني في مناطق بادينان. وبالرغم من تلك الانتصارات التي تحققت لهم فإن المسؤولين القاجاريين لم يقتنعوا بانتهاء تهديدات أمير سوران محمد باشا، إذ كانوا مصرين على القضاء التام على مصدر تلك التهديدات الكائن في رواندوز. ولذلك لم يتخلوا عن المطالبة بدور لهم في الحملة العسكرية المتوجهة إلى مركز إمارة سوران؛ فعندما كانت القوات الإيرانية المرابطة على الحدود تراقب التطورات، أرسل وزير الخارجية القاجاري رسالة إلى السفير العثماني في طهران يخير فيها العثمانيين بين السماح للقوات الإيرانية بخرق الحدود لقمع محمد باشا السوراني وإجباره على دفع غرامة عن الأضرار التي سببها في إيران، أو دفع تكاليف القوات الإيرانية المرابطة على الحدود.

إلا أنه يبدو أن جميع هذه المساعي قد رفضت من قبل السلطات العثمانية، وخاصة من قبل القائد العثماني محمد رشيد باشا الذي لم يكن مستعدًا لتقاسم انتصاراته مع أية جهة أخرى، بحجة أن هذه الوساطة تعد تدخلًا في شؤون الدولة العثمانية. كما عدّ العرض الإيراني مناورة تهدف إلى التدخل في كوردستان العثمانية، وحذرت السلطات العثمانية إيران من محاولة دخول أراضيها.

وعندما وصل الجيش العثماني إلى مناطق بادينان، أرسل الأمير السوراني محمد باشا جيشًا بقيادة أخيه رسول بك، مع سعيد باشا وإسماعيل باشا أمير بادينان، وكان الأخير قد صالح الأمير السوراني مؤخرًا، لملاقاة الجيش العثماني. إلا أنهم لم يصلوا في الوقت المناسب، إذ سبقهم الجيش العثماني الذي هاجم آميدي من الموصل واستولى عليها مستغلًا غياب إسماعيل باشا الذي كان مسؤولًا عن الدفاع عنها. وترك العثمانيون حامية صغيرة في قلعة آميدي ليهاجموا المناطق الأخرى، فتحين إسماعيل باشا أمير بادينان الفرصة حين وصله المدد، فهاجم القلعة وأعاد السيطرة عليها، وتمكن من الدفاع عنها ضد المحاولات العثمانية لإعادة احتلالها.

ولكن القائد العثماني محمد رشيد باشا أعاد تنظيم قواته وهاجم المناطق الأخرى في طريقه إلى رواندوز، فحاصر عقرة مدة ثلاثة أشهر ثم احتلها، وعبر الزاب الكبير بعد ذلك إلى سهل حرير حيث انضمت إليه قوات والي بغداد علي رضا باشا، وكان الأخير قد استولى في طريقه على آلتون كوبري وأربيل. أما قوات والي الموصل محمد باشا إينجه بيرقدار فكانت قد التحقت بالحملة الرئيسة قبل ذلك. وتشير بعض المصادر إلى أن معركة وقعت في سهل حرير بين قوات إمارة سوران بقيادة أخي الأمير محمد باشا المسمى أحمد بك وبين القوات العثمانية، فأسفرت عن انهزام العثمانيين وتراجعهم إلى الوراء. ولكننا نستبعد وقوع تلك المعركة لعدم ذكرها في المصادر الأخرى التي تصدت للموضوع، بل على العكس من ذلك تشير بعض المصادر إلى أن المعنويات قد تدنت في إمارة سوران، وتعدى ذلك إلى الأمير السوراني محمد باشا نفسه.

ومهما كان الأمر، فقد بدأ القائد العثماني محمد رشيد باشا باللجوء إلى الأساليب الدبلوماسية لتحقيق أغراضه حينما اقترب من معقل الأمير السوراني محمد باشا، خاصة وأن الأخير قد حصن مضيق علي بك (گەلی عەلی بەگ) الكائن في طريقه إلى رواندوز بقوات كافية، حسبما تفيد بعض المصادر. لقد خاطب القائد العثماني العاطفة الدينية لدى الكورد، مستغلًا قدسية مكانة السلطان العثماني المسلم لديهم، فوجه رسالة إلى الأمير السوراني محمد باشا طالبه فيها أن يمتثل لوازعه الديني ولا يقف في وجه إرادة السلطان الذي يعد خليفة المسلمين، حسب زعمه واعتقادهم. وقطع للأمير السوراني محمد باشا العهود والمواثيق بأنه إذا سلم نفسه فإنه سوف يستحصل له على عفو السلطان العثماني ورأفته، وسوف يعيده سالمًا إلى إمارته سوران ومعه الفرمان الرسمي بالإمارة.

ويبدو أن الأمير السوراني محمد باشا قد أخذ يستشير ذوي الرأي والوجاهة لديه في الأمر، فأشار عليه الملا محمد الخطي بعدم جدوى المقاومة، وحثه على تسليم نفسه حقنًا للدماء. ويرجح أنه قد اقتنع بهذا الرأي، وخاصة عندما أدرك أن الأمور لا تسير في صالحه. إذ يشير الرحالة الإنكليزي فريزر إلى ذلك بقوله: «ولو كانت جيوشه مخلصة له لاستطاع أن يزدري بالقوى التي زحفت عليه كلها. كان البعض من ضباطه ميالين إلى الخيانة، كما كان من المؤكد أن يكون أولئك الذين وقفوا إلى جانبه إلى الأخير في المناسبات الاعتيادية قد أفزعتهم رؤية أعلام السلطان العثماني وهي ترفرف أمامهم، أضف إلى ذلك أن بقايا التبجيل لخليفة الرسول وزعيم الإسلام الديني منعت الأكراد من مقاومة جنود السلطان العثماني بالسلاح، وقد شعر الأمير السوراني محمد باشا بهذا كله، وبعد أن أضاع قلاعه الحصينة واحدة بعد أخرى استسلم في نهاية 1836». وتشير بعض المصادر الأخرى إلى أن الأمير السوراني لم يستسلم إلا بعد أن حاصره العثمانيون في رواندوز وعانى من نقص الماء والمؤن.

وفيما يتعلق بعوامل استسلام الأمير السوراني محمد باشا للجيش العثماني المهاجم، يتحدث بعض المؤرخين عن فتوى دينية أصدرها الملا محمد الخطي تفيد بأن «محاربة جيش الخليفة تخل بالدين والإيمان وبالعصمة الزوجية»، فأثرت الفتوى في نفوس المقاتلين الكورد وامتنع الكثير منهم عن القتال، وصار ذلك سببًا لضعف الأمير السوراني محمد باشا فاضطر إلى الاستسلام حسب رأيهم. ولكن هذا الرأي مبالغ فيه دون شك، إذ لم يستسلم الأمير السوراني إلا عندما أدرك عجزه عن المقاومة، وخاصة عندما فقد الجزء الأعظم من مناطق نفوذه على يد القوات العثمانية. ومن جانب آخر يمكننا أن نتساءل: لماذا لم يبادر الملا محمد الخطي إلى إصدار فتوى مماثلة في الاصطدامات الأولى مع الجيش العثماني، حين احتل العثمانيون آميدي وعقرة والمناطق الأخرى بقوة السلاح خلال تلك الحملة؟ ومما لا شك فيه أن هذه المرة لم تكن الأولى التي يواجه فيها المقاتلون الكورد جيوش الدولة العثمانية، فكيف قاتل الكورد في المرات السابقة؟ وبالرغم من ذلك فمن غير المستبعد أن يكون الملا محمد الخطي قد أشار على الأمير السوراني بالاستسلام حقنًا للدماء حينما بلغ الأمير حالة يائسة. ويبدو أن الأمير السوراني قد خذله بعض مقاتليه وأعوانه خوفًا من المصير الذي سيلاقونه إذا استمروا في مواجهة الجيش العثماني الذي كان انتصاره يلوح في الأفق.

وقد استقبل القائد العثماني محمد رشيد باشا الأمير السوراني محمد باشا بالحفاوة والإكرام، فأخذه معه إلى إسطنبول حيث مصيره المجهول الذي اختلف المؤرخون في تحديده. ولكن معظمهم يتفقون على أن الأمير السوراني قد قضي عليه بأمر من السلطان العثماني محمود الثاني وهو في طريق عودته إلى إمارته سوران ومعه تفويض بالإمارة عليها. وهناك مصدر قريب من الأحداث زمنيًا ينفرد بذكر تفاصيل كاملة عن مصير الأمير السوراني في إسطنبول، ملخصها أن الأمير السوراني محمد باشا، وهو تحت الإقامة الجبرية في إسطنبول، حصل على العفو من السلطان العثماني بوساطة أحد أمناء الدولة الذي كان جارًا له، مستغلًا الليلة التي كان السلطان العثماني محمود الثاني يخلو فيها بنفسه، فأعاد السلطان إليه حكم إمارة سوران وأذن له بالرحيل. ولكن والي بغداد علي رضا باشا تدخل في الأمر، وبعد مداولات مطولة نجح في حث السلطان العثماني محمود الثاني على إصدار الأمر بقتله، فوصل هذا الأمر إلى والي سيواس متزامنًا مع وصول الأمير السوراني محمد باشا، فربطوه وألقوه في البحر.

وبعد رحيل الأمير السوراني محمد باشا دخلت إمارة سوران طور الاحتضار، ولكنها لم تنهر مباشرة، فقد اجتمع أولو الأمر في رواندوز وعينوا أحمد بك، أخا الأمير محمد باشا، أميرًا جديدًا على سوران، مما يدل على أن العثمانيين قد اكتفوا باستسلام الأمير السوراني محمد باشا ولم يقضوا على إمارة سوران في تلك الحملة. وجاء بعد أحمد بك أخوه سليمان بك إلى الحكم، وبعده رسول باشا الذي ظل يحكم سوران إلى عام 1852م، إذ نصب حاكمًا على رواندوز وحرير وشيروان وبالك وبرادوست بموجب فرمان عثماني رسمي، ولكنه اختلف مع والي بغداد عام 1856م، فالتجأ إلى إيران بعد هزيمته أمام القوات التي وجهها إليه والي بغداد العثماني. فدخلت تلك القوات العثمانية رواندوز، وعين عليها متصرف عثماني، وأدخلت إليها أجهزة الدولة.


أجزاء «الهجوم العثماني وأطماعه في كوردستان والقضاء على الإمارات الكوردية» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس (هذا الجزء)
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن

→ الجزء الرابع  |  الجزء السادس ←