ركز الأمير محمد باشا في بدايات العقد الرابع من القرن التاسع عشر جهوده على المناطق الواقعة إلى الشمال والغرب من إمارته سوران، وبالتحديد الأقاليم التابعة لإمارة بادينان، والمناطق الكوردية الإيزيدية في سنجار (شنكال) وشيخان. فقد جذبت حوادث تلك المناطق اهتمام الأمير السوراني محمد باشا عندما قام أمير الإيزيديين علي بك بقتل زعيم العشائر المزورية علي آغا البالته يي غيلة، مما أدى إلى لجوء ابن أخيه ملا يحيى المزوري إلى الأمير السوراني محمد باشا طالبًا الانتقام له من علي بك الإيزيدي، ومن أمير بادينان الذي كان له ضلع في هذه الحادثة حسب اعتقاد الملا يحيى المزوري. وكانت تلك الحادثة بمثابة الحجة التي تذرع بها الأمير السوراني محمد باشا لمهاجمة تلك المناطق التي كان يعتزم الاستيلاء عليها دون شك. وزاد في تشجيعه على ذلك لجوء موسى بك إليه طالبًا معاونته للحصول على منصب إمارة بادينان، وخلع أخيه سعيد باشا الذي كان يحكم الإمارة آنذاك. كما لا يمكننا أن نستبعد العامل الديني في الهجوم السوراني على تلك المناطق، فقد وصف أغلب المؤرخين الأمير محمد باشا بأنه كان متدينًا، وحاول تطبيق نصوص الشريعة الإسلامية في حكمه، وخاصة عندما أفتى له عالمه الديني ملا محمد الخطي باستباحة دماء الإيزيديين، الأمر الذي حرك الحمية الدينية لديه ولدى قادته وجنوده أيضًا.
ولذلك كله عبر الأمير السوراني محمد باشا الزاب الكبير عام 1832م على رأس حملة عسكرية تألفت من جيشين: كان الجيش الأول بقيادة أخيه رسول بك، ومهمته مهاجمة الكورد الإيزيديين وبلدة عقرة (ئاكرێ) ثم آميدي، أما الجيش الثاني فكان تحت قيادته، ويتولى مهمة المناطق الأخرى. وقد ارتكب الأمير السوراني محمد باشا مجزرة مروعة بحق الكورد الإيزيديين، قتل جراءها أعدادًا كبيرة منهم، كما أمر بقتل زعيمهم علي بك، واستولى على مناطقهم في الشيخان وسنجار. واستولى كذلك على عقرة وزاخو ودهوك، وبعد أخذ ورد أحكم سيطرته أخيرًا عام 1834م على مدينة آميدي، وبذلك تمكن من إلحاق إمارة بادينان بأكملها بإمارته سوران. وخلال تلك الحملة حاصر مدينة الموصل أيضًا، ولكنه لم يسيطر عليها. ويذكر أحد المؤرخين أن والي الموصل محمد باشا إينجه بيرقدار قد راسل الأمير السوراني محمد باشا وحاول كسب وده بالهدايا، فعقد معه الصلح وبقي الوالي في إيالته الموصل. وتؤيد الوثائق المصرية ذلك حينما تشير إلى أن جنود الأمير محمد باشا اكتفوا بأن طالبوا الموصل بشيء من المال فأخذوه.
ويشير بعض المؤرخين إلى أن الأمير السوراني محمد باشا قد سيطر على جزيرة بوتان، مركز إمارة بوتان، خلال تلك الحملة الواسعة النطاق، كما هدد البوتانيين في حصن كيفا، بالإضافة إلى الإغارة على مدينتي ماردين ونصيبين. إلا أنهم لم يشيروا إلى موقف الأمير البوتاني بدرخان بك من تلك الأحداث، كما لم يذكروا نتيجة السيطرة السورانية على تلك المناطق وما آل إليه الأمر. في حين يذهب المؤرخ جليلي جليل إلى أن بدرخان بك أمير بوتان قد اتصل بالأمير السوراني محمد باشا وطلب منه العون للقضاء على أحد مناوئيه. وفيما يتعلق بعلاقة الأمير محمد باشا بإمارة بوتان وأميرها بدرخان يمكن القول إن تلك العلاقة قد توترت أول الأمر حينما تعرض الأمير السوراني محمد باشا لممتلكات بوتان وأميرها بدرخان، ولكنها تحسنت فيما بعد إلى درجة أن بدرخان بك أمير بوتان قد أرسل فعلًا أحد أبناء عمومته إلى رواندوز لطلب المساعدة من الأمير السوراني محمد باشا ضد مناوئيه، وأظهر الأخير استعداده لتقديم تلك المساعدة.
وهناك مسألة أخرى جديرة بالتنويه، وهي أن الأمير محمد باشا لم يصطدم بقوات الدولة العثمانية أو الولاة العثمانيين خلال عملياته لتوسيع نفوذه، باستثناء الحملة العثمانية التي قادها محمد رشيد باشا، والتي أدت إلى إنهاء حكم الأمير محمد باشا السوراني كما سنرى فيما بعد. ويعود ذلك في رأينا إلى أسباب عدة، في مقدمتها أن الدولة العثمانية كانت منشغلة حينذاك بحروبها كما بينا سابقًا، الأمر الذي لم يمكنها من الوجود العسكري في المنطقة مبكرًا. ومن جهة أخرى فإن الإمارات الكوردية القائمة في جنوبي كوردستان (العراق) كانت تتبع إداريًا إيالة بغداد في تلك الفترة، وكان الأمير محمد باشا السوراني يحتفظ بعلاقات ودية مع داود باشا الذي كان واليًا على بغداد فيما بين سنتي 1816 و1831م، لأنه كان يشارك داود باشا عداءه للبابانيين وللدولة القاجارية أيضًا. ولذلك عندما هاجم الأمير السوراني محمد باشا إمارة بابان واقتطع منها رانية وكويه أظهر والي بغداد داود باشا تأييده له في ذلك. أما علي رضا باشا الذي تولى إيالة بغداد عام 1831م فقد اضطر إلى الاعتراف بسلطات الأمير السوراني محمد باشا المتنامية لعدم قدرته على الوقوف في وجهه، كما يذكر لونكريك. ولذلك لم تحاول إيالة بغداد في عهد علي رضا باشا التصدي للأمير السوراني محمد باشا والوقوف ضد محاولاته التوسعية. ويبدو أن العامل الديني كان له تأثير في ذلك أيضًا، ونقصد بذلك حرص الأمير السوراني محمد باشا على عدم الاصطدام بجيوش الدولة العثمانية قدر الإمكان، على اعتبار أنها جيوش خليفة المسلمين، أو ملك الإسلام كما يشير إلى ذلك بنفسه حين يقول: «ليس لي دخل في منطقة حكومة ملك الإسلام». وهذا ما يفسر لنا امتناعه عن التقدم والتوسع في المناطق الواقعة بين ماردين وديار بكر، رغم هلع حكام تلك المناطق من قواته، إذ إن تلك المناطق كانت تحت الإدارة المباشرة لإيالة ديار بكر.
وبالرغم من ذلك الحرص فإنه لم يتمكن من تجنب الاصطدام بالعثمانيين، فقد وقف أخيرًا وجهًا لوجه مع قوات الدولة العثمانية، عندما كلفت السلطات العثمانية القائد العثماني محمد رشيد باشا بالقضاء عليه كما ذكرنا سابقًا. ولا شك في أن تلك المهمة تعد من المحاولات العثمانية لتقوية السلطة المركزية وفرض الحكم المباشر على أقاليم الإمبراطورية العثمانية، ومنها كوردستان، في إطار إصلاحات السلطان العثماني محمود الثاني كما ذكرنا سابقًا. ولكننا نستطيع الإشارة إلى عوامل أخرى ساهمت في توجيه تلك الحملة أيضًا، منها أن الدولة العثمانية أرادت تقوية سيطرتها في كوردستان لتأمين ظهر جيشها عندما تبدأ الجولة التالية من المواجهة في الشام مع قوات إبراهيم باشا بن محمد علي باشا، والي مصر وحاكمها الكوردي الأصل.
ومما يرجح هذا العامل وجود إشارات تفيد بأن اتفاقًا قد تم بين الأمير السوراني محمد باشا وإبراهيم باشا بن محمد علي باشا في الشام على تقديم المساعدة لبعضهما البعض ضد الدولة العثمانية. ولا شك في أن المسؤولين العثمانيين قد أحيطوا علمًا بذلك، فأرادوا القضاء أولًا على الأمير السوراني محمد باشا ليتفرغوا بعد ذلك للقوات المصرية في الشام بقيادة إبراهيم باشا.
وبغض النظر عن ذلك كان من البديهي أن تخشى الدولة العثمانية توسعات إمارة سوران الكوردية بقيادة الأمير محمد باشا، التي قد تؤدي إلى بناء كيان سياسي كوردي موحد يهدد النفوذ العثماني في كوردستان. ومما كان يزيد الأمر خطورة على السلطات العثمانية خوفها من استيلاء إمارة سوران الكوردية على إيالة بغداد نفسها، بل على العراق كله. فهناك إشارات تفيد بأن علماء بغداد ووجهاءها كتبوا إلى الأمير السوراني محمد باشا يحرضونه على التوجه للاستيلاء على بغداد. وتشير بعض الوثائق إلى أن اتفاقًا عقد بين الأمير السوراني محمد باشا وبين المماليك أتباع داود باشا والي بغداد السابق، وقد لاحظ بعض المراقبين المعاصرين أن أولئك الحلفاء كانوا «يريدون الاستيلاء على بغداد والبصرة وسائر العراق بعد استيلائهم على ولاية الموصل، وأن هذه الحركة ليست جزئية، إنما هي حركة واسعة النطاق يحتاج القضاء عليها إلى وصول الجيش السلطاني».
ومهما كانت درجة صحة هذه المعلومات، فلا شك في أنها ألقت الرعب في قلوب المسؤولين العثمانيين، فعملوا على معالجة الوضع بالقضاء على الأمير السوراني محمد باشا. وفي الوقت نفسه هناك من يذكر أن قيام الأمير السوراني محمد باشا بإلقاء القبض على حاكم سنجق أربيل يعقوب آغا بعد الاستيلاء على المدينة، ثم فرار الأخير إلى والي الموصل الذي أخبر الباب العالي بالموضوع، كان من العوامل الرئيسة التي دفعت العثمانيين إلى التفكير في التخلص من الأمير السوراني محمد باشا.
لقد ذكرنا أن وصول حملة القائد العثماني محمد رشيد باشا إلى هدفها الرئيس قد تأخر كثيرًا لأسباب ذكرناها في حينها، فاغتنم الأمير السوراني محمد باشا هذه الفرصة ليحقق المزيد من التوسع لإمارته، فاستدار هذه المرة نحو الشرق لمهاجمة الأراضي الكوردية التي كانت تحت سيطرة الدولة القاجارية، مستغلًا استياء السكان الكورد في تلك المناطق من السلطات الحاكمة التي كانت سببًا في بؤسهم وشقائهم، الأمر الذي سهل مهمة الأمير السوراني. فقد استولى عام 1835م على منطقة كوتور الواقعة على حدود الدولتين، وهزم القوة التي أرسلها الشاه القاجاري من مدينة خوي لمجابهته. وسيطر كذلك على مدينة سلدوز ومناطقها المجاورة، بالإضافة إلى بعض النواحي القريبة من أورمية، حسبما جاء في أحد المصادر. أما الوثائق القاجارية فتشير إلى هجمات عدة للأمير السوراني محمد باشا على الأراضي الكوردية التابعة لإيران، وتؤكد سيطرته على مدينة سردشت وعدد من قرى منطقة لاجان التابعة لمدينة مهاباد، وإغارته على منطقة مركور ومدينة مهاباد نفسها.
كانت تلك المبادرة خطوة غير حكيمة من قبل الأمير السوراني محمد باشا، لأنه أثار بذلك عداء الدولة القاجارية له في الوقت الذي كانت الدولة العثمانية تتربص به، مما كان يعني حرمانه من المساعدة الإيرانية المحتملة، بل وقوعه بين فكي كماشة إذا ما قررت الدولة القاجارية استغلال الموقف والوقوف إلى جانب الدولة العثمانية في محاربته. ورغم محاولته إصلاح الموقف فيما بعد، وعقده معاهدة سلام مع الحكومة الإيرانية تنازل بموجبها للدولة القاجارية عن بعض المناطق التي كان قد استولى عليها، فإن ذلك لم يبدل الموقف القاجاري العدائي منه، كما سيتبين فيما بعد.
أجزاء «الهجوم العثماني وأطماعه في كوردستان والقضاء على الإمارات الكوردية» (8 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع (هذا الجزء)
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع
- الجزء الثامن