الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الشيخ محمود الحفيد (الجزء الأول)

من محاضرات «شخصيات كوردية» – 2018

الأسرة البرزنجية

تؤكد المصادر التاريخية التي تناولت أسرة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي أن هذه الأسرة تنحدر من أصول تعود إلى الدوحة المحمدية المطهرة. وتشير تلك المصادر إلى أن السيد يوسف بن السيد منصور، عميد هذه الأسرة، هاجر من بغداد إلى إيران وسكن همدان قبل اجتياح هولاكو بغداد (656هـ/1258م)، وهناك تزوج بشقيقة الشاعر الكوردي بابا طاهر الهمداني. وبعد وفاته تربّى ولده بابا علي الهمداني في كنف خاله بابا طاهر الهمداني، وقد عُرف عن بابا علي الهمداني أنه كان من العلماء البارزين في عصره، وله مؤلفات عدة باللغتين العربية والفارسية. وفي أعقاب وفاته نزح ولداه (السيد موسى والسيد عيسى) إلى سهل شهرزور في كوردستان العراق، ليعمّرا قرية برزنجه، ومن أبرز ما قاما به هناك بناؤهما مسجداً فيها.

تعود أصول الأسرة البرزنجية، حسب هذه الرواية، إلى السيد عيسى، الذي كان مرشداً وعالماً دينياً قضى جلّ حياته في البر والتقوى. ومن أبرز أحفاد السيد عيسى السيد بابا رسول الكبير، الملقب «گەورە» أي العظيم، إذ أصبح للأسرة البرزنجية في عهده مكانة اجتماعية مرموقة وانتشار ملحوظ في أنحاء كوردستان.

يشير أدموندز إلى أن شجرة الأسرة التي حصل عليها تثبت أن عيسى ينتمي إلى الجيل السابع بعد الإمام موسى الكاظم (ع)، وأن رواية تناقلها بعض الكورد عن أمر إلهي بلغ به عيسى وموسى كانت الدافع إلى بناء المسجد في برزنجه. وعلى الرغم من الجهل بسنوات ولادة عدد من أبناء تلك الأسرة ووفاتهم، فإن أدموندز افترض، استناداً إلى سنة ولادة الشيخ محمود الحفيد (1881) وابنه بابا علي (1915)، أن معدل كل جيل من أجيال الأسرة منذ زمن الشيخ معروف النودهي فنازلاً يبلغ نحو (32 – 33) عاماً، وبذلك يجعل ولادة بابا رسول في عام 1585 أو نحوه. وإذا كان مسجد برزنجه قد بُني عام 1258، فإن افتراض عام 1225 لميلاد السيد عيسى يبدو معقولاً، كما يعطينا معدلاً مقبولاً قدره (40) عاماً لكل جيل ابتداءً من السيد عيسى حتى بابا رسول. أما الأجيال التي تسبق السيد عيسى حتى الإمام موسى الكاظم (ع) وتواريخها، ففيها الكثير من الثغرات. وبذلك نجد أن ما أورده أدموندز وغيره ممن أرّخوا لتلك الأسرة متقارب، ولم يكن بينهم في ذلك خلاف جوهري، ولا خلاف واسع في الفروق بين السنين، وإنما ينحصر الغموض في الأجيال المتأخرة من الأسرة.

وهناك من يشير إلى أن الأسر الكوردية التي تنحدر من صلب الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) هي في الأصل أسر علوية اتخذت من جبال كوردستان ملاذاً مثالياً لها خلال حقبة الخلافات السياسية في العصر العباسي، ومن هذه الأسر أيضاً الأسرة البيرخضرية التي أتت من المدينة المنورة إلى جبال كوردستان في منطقة جبال شاهو. وإذا ما أخذنا بوجهة النظر هذه، فمن المحتمل أن تكون تلك الأسرة قد سكنت تلك المنطقة قبل الاجتياح المغولي بمدة طويلة، وهي وجهة نظر تشير إلى احتمال أن يكون الأجداد الأوائل للأسرة البرزنجية قد توجهوا إلى كوردستان العراق مباشرة من دون المرور بمنطقة همدان. ولا بد من الإشارة إلى أن قلة المصادر التي تثبت هذا الموضوع إثباتاً لا ريب فيه تجعلنا نأخذ بالرأي الشائع وحسب.

ومن الجدير بالذكر أن الأسرة البرزنجية قد عُرفت بتوجهها الديني والصوفي، واستحوذت على مراكز القيادة والصدارة في المجتمع الكوردي، وظهرت على مسرح الأحداث بشكل واضح في أعقاب انهيار الإمارة البابانية (1694 – 1850) في السليمانية، وبرز من الأسرة البرزنجية رجال تبوّؤوا مواقع رفيعة في العلم والتضلّع في أصول الفقه والأدب واللغة.

ومن أبرز رجال هذه الأسرة الذين ظهروا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين الشيخ معروف النودهي (1752 – 1838)، الذي نزح من قرية بشدر إلى السليمانية في أواخر القرن الثاني عشر الهجري (1197هـ/1783م)، فعمل على تعليم الناس وإرشادهم. عُرف بالصلاح والتقوى والذكاء وفصاحة اللسان، ودرس الدين والشعر والأدب، وألّف الكثير من الكتب، ونظم الأشعار باللغات العربية والكوردية والفارسية، كما ألّف في فروع مختلفة من العلوم، كالنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع وآداب البحث والمناظرة، والفقه والحديث وأصولهما، والعقائد والعروض والقوافي والفرائض، فضلاً عن تخاميسه البليغة لعدد من قصائد كعب بن زهير والإمام الشافعي المشهورة. وبذلك يكون معروف النودهي رجلاً عالماً وأديباً شاعراً، إلا أن الكثير من مؤلفاته قد فُقد.

أما ولده كاكه أحمد (1207 – 1305هـ/1793 – 1887م) فقد بلغ شأناً كبيراً من الوجاهة في السليمانية؛ أخذ العلوم عن أبيه، واشتهر بالعلوم الدينية والزهد، وكتب رسائل وكتباً عدة في التفسير والحديث والفقه باللغتين العربية والفارسية. وعُرف عنه مساعدته الفقراء وحمايته الضعفاء، وكان كريماً فيما يعتقد أنه الحق، فعلا شأنه حتى أسرت شخصيته خيال الكورد، ورفعه بعض مريديه إلى منزلة الأولياء، وتجاوزت شهرته الحدود إلى بلدان عدة في آسيا الوسطى. وعلى أساس تلك السمعة الطيبة رغب السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (1876 – 1909) في مقابلته والتعرف إليه عن قرب، إلا أن كاكه أحمد أناب عنه السيد محمد بن السيد عبد العزيز البيرخضري، مفتي السليمانية آنذاك، لمقابلة السلطان. وخلال الحرب العثمانية الروسية (1877 – 1878) استعان السلطان به، إذ طلب إليه تهيئة قوة من مريديه ومنسوبيه للجهاد ضد الروس، فهيّأها، وكان على رأسها حفيده الشيخ سعيد (والد الشيخ محمود الحفيد).

يمكن القول إن هذه المشاركة هي أول مساهمة لسادات البرزنجية في النشاط السياسي المستند إلى المكانة والسمعة الدينية، إذ اعتاد الكثير من بسطاء الكورد أن يرضخوا لأوامر شيوخ البرزنجية، معتقدين أن الطاعة والانقياد لهم من أركان الدين الإسلامي، ويبدو أن ذلك من الأسباب التي دعمت نفوذ شيوخ البرزنجية فيما بعد، ولا سيما نفوذ الشيخ محمود الحفيد في السليمانية وما جاورها. كما أن تلك المشاركة تكشف بجلاء أن بعض القوى السياسية أخذت تتقرب من شيوخ البرزنجية وسيلةً لتحقيق بعض مصالحها السياسية في المنطقة.

إن اختيار الشيخ سعيد البرزنجي لقيادة الحملة التي شاركت في الحرب إلى جانب الدولة العثمانية يكشف لنا عن مكانة ذلك الرجل بين أفراد الأسرة البرزنجية، الأمر الذي جعله عميد هذه الأسرة بعد وفاة جده كاكه أحمد الشيخ. وأصبح ذا منزلة من الوجاهة والثراء الواسع، وتمكن من شراء مساحات كبيرة من الأراضي وعدد من القرى، واتسع نفوذه إلى خارج مدينة السليمانية. كما استطاع بذكائه وقابليته أن يصبح من المقربين إلى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، بعد زيارته الأستانة عام 1904 مصطحباً معه نجله الشيخ محمود الحفيد. وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن علاقة الشيخ سعيد البرزنجي بالسلطان العثماني قد توطدت إلى حد أن منحه الرموز السرية (الشيفرة) للاتصال به برقياً في حال حدوث طارئ في السليمانية. وتزايدت مكانته في كوردستان العراق لدرجة أن كبار موظفي الدولة وبعض قادة الجيش كانوا يحاولون كسب رضاه، ومنهم من كان يخضع له خضوعاً تاماً. وكان له الدور الفاعل في حث الكورد على القتال إلى جانب القوات العثمانية في الحروب التي خاضتها خلال تلك الحقبة. وقد حظي السادة البرزنجية خلال هذه المرحلة بحماية مباشرة من السلطان العثماني، مما انعكس على أوضاع الذين يقودون الطرق الصوفية، إذ تحسنت أوضاعهم في منطقة كوردستان وخارجها.

الطريقة القادرية والأسرة البرزنجية

1. الطريقة القادرية

مما لا شك فيه أن السبب المباشر لظهور الأسرة البرزنجية على مسرح الأحداث كان أساسه الزعامة الدينية، إذ تبنّت هذه الأسرة الطريقة القادرية، نسبةً إلى مؤسسها الشيخ عبد القادر الكيلاني (470 – 561هـ/1078 – 1165م). وقد ظهرت هذه الطريقة في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، وتعود بداية انتشارها في كوردستان إلى أيام الإمارة البابانية (الطريقة النوربخشية)، وكان أول من قام بنشرها في أنحاء السليمانية الشيخ معروف النودهي (1752 – 1838).

توارثت الأسرة البرزنجية زعامة الطريقة القادرية في منطقة كوردستان، وعُرف عن شيوخها أنهم من غلاة هذه الطريقة، حتى أصبح البعض يطلق على هذه الطريقة التي ترأسها الشيخ معروف النودهي البرزنجي اسم «الطريقة البرزنجية»، لمكانتها الكبرى في نفوس معتنقيها من الكورد، فضلاً عن مكانة بعض رجال السادة البرزنجية، ولا سيما الذين كانوا من أكابر العلماء الصلحاء الزهاد، أمثال معروف النودهي وكاكه أحمد الشيخ.

استمر المرشدون البرزنجيون في نشر تعاليم هذه الطريقة في المناطق الكوردية، وكان للتكايا دور بارز في هذا المجال، إذ انتشرت في العديد من مناطق كوردستان، فكانت بذلك ظاهرة اجتماعية واضحة. وتمكن السادة البرزنجيون من توظيف دور تلك التكايا لأغراض سياسية باسم الجهاد. وتجاوز هذا الدور المؤثر منطقة السليمانية إلى مناطق أخرى مثل أربيل وكركوك بواسطة بعض مريدي هذه الأسرة، وكان يُطلق على هؤلاء لقب «خليفة»، فضلاً عن الدعاية التي كانت تقوم بها تلك التكايا ودراويشها في تلك المناطق لشيخ الطريقة. وإذا كان «السيد العالِم» يحظى بمكانة اجتماعية ودينية أكبر من «السيد العادي»، فإن الأول إذا كان في الوقت نفسه مرشداً لطريقة صوفية فإنه يحتل موقعاً أسمى من غيره بالدرجة نفسها، وهذا دليل واضح على الأثر والمكانة الاجتماعية التي كان يتمتع بها شيوخ هذه الطرق الصوفية. وقد أشار بعض الأجانب الذين زاروا التكايا في كوردستان آنذاك إلى دهشتهم من الممارسات التي كانت تقام فيها، كما لفتت انتباههم شدة سيطرة أولئك الشيوخ الذين يديرون تلك التكايا على مريديهم.

2. الطريقة النقشبندية

وانتشرت الطريقة النقشبندية في منطقة كوردستان بجهود الشيخ خالد النقشبندي، في الوقت الذي كانت فيه الطريقة القادرية قد بلغت ذروة تأثيرها وانتشارها في المنطقة، الأمر الذي أدى إلى حدوث مواجهة بين خالد النقشبندي من جهة، ومعروف النودهي ونجله كاكه أحمد الشيخ من جهة أخرى، إلا أن الأمور سُوّيت بين الطرفين بعد تدخل أطراف أخرى في الخلاف.

من خلال ما تقدم نجد أن الأسرة البرزنجية قد تبوأت مكانة اجتماعية مرموقة في المجتمع الكوردي، لتمسكها بالتعاليم الإسلامية واتباعها طرق التصوف الإسلامية، وقد توارثت الأسرة تلك المكانة جيلاً بعد جيل، الأمر الذي جسّدته التأثيرات الروحية ذات الأبعاد السياسية في الوسط الاجتماعي هناك. فضلاً عن ذلك، هيّأت تلك المكانة لهذه الأسرة مركزاً اقتصادياً رفيعاً، إذ امتلك أبناؤها أراضي زراعية واسعة في السليمانية وخارجها، مما دعم مركزها الاجتماعي بعد أن تضافر هذا العامل مع العوامل الآنفة، وهذا ما منحها فاعلية في المجتمع واستجابة عفوية ملحوظة بين الناس، تصل أحياناً إلى حد الانقياد غير المبرر لشيوخ هذه الأسرة.


أجزاء «الشيخ محمود الحفيد» (12 جزءاً):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن
  9. الجزء التاسع
  10. الجزء العاشر
  11. الجزء الحادي عشر
  12. الجزء الثاني عشر

الجزء الثاني ←