الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الشيخ محمود الحفيد (الجزء السادس)
من محاضرات «شخصيات كوردية» – 2018
الأطماع الأجنبية في كوردستان العراق واتصالات الحفيد السياسية
كان لكوردستان، بوصفها جزءاً غنياً ومهماً من الناحية الاستراتيجية، موقع خاص في مخططات الدول الكبرى، ولا سيما بريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا، مما دعاها إلى السعي بمختلف الوسائل لتعزيز نفوذها في هذه المنطقة، بغية الاستحواذ على خيراتها، وفي مقدمتها النفط، الذي كان أحد الدوافع الخفية الرئيسة في ذلك.
أعطت بريطانيا أهمية فائقة لهذه المنطقة منذ أواسط القرن الثامن عشر، إذ كان الرحالة البريطانيون يجوبون أراضي كوردستان ممثلين لشركات تجارية بريطانية، أو مستكشفين لأراضي الشرق لدوافع مختلفة، وكتب بعضهم مؤلفات ضمّنوها معلومات جغرافية ودينية واجتماعية وغيرها توصلوا إليها من خلال رحلاتهم تلك، فضلاً عن إقامة بعضهم صلات مع بعض رؤساء العشائر الكوردية، ورسم بعضهم الآخر خرائط للمناطق التي تجولوا فيها، وكان عدد من هؤلاء الرحالة ضباطاً بريطانيين. وتزايد الدعم لمثل هذه الرحلات بعد تأسيس المقيمية البريطانية في بغداد عام 1797، وتعيين هارفود جونسن (Harford Johnson) أول مقيم لها في 5 تموز من العام نفسه. وكان أنشط المقيمين البريطانيين في هذا الاتجاه بعد ذلك كلوديوس جيمس ريج (Claudius James Rich)، إذ أصبحت دار الإقامة البريطانية في عهده ملتقى ومجلساً للبحث والتشجيع على التنقيب الأثري، وقد شجّع العديد من البريطانيين على القيام برحلات إلى كوردستان العراق، أبرزها رحلة الوكيل السياسي لشركة الهند الشرقية الكابتن (النقيب) ماكدونالد كينير (M. Kinneir) في عامي 1813 و1814 لدراسة تلك البلاد وتحديد طرق مواصلاتها، ثم تبعه الضابط البريطاني هيد (Heed) عام 1817 برحلة من بغداد إلى السليمانية عبر كفري، ومنها إلى أربيل ثم الموصل. وفي السنة التالية قام بورتر (Porter) برحلة مشابهة، وقام ريج بنفسه برحلة إلى كوردستان العراق في نيسان عام 1820 بدعوة من حاكم السليمانية محمود باشا بابان، رافقه فيها عدد من الجنود والحاشية، بدوافع سياسية تهدف إلى زعزعة مكانة العثمانيين والتمهيد للتغلغل البريطاني في تلك المناطق. ولا يمكن إغفال أهمية رحلات عدد آخر من الضباط البريطانيين بعد ذلك التاريخ؛ ففي عام 1834 قام فريزر (Fraser) برحلة إلى كوردستان كانت بمثابة مسح جغرافي للمنطقة، كما قام الضابط راولنسن (Rawlinson) بين عامي 1834 و1836 برحلة إلى كوردستان العراق تجول خلالها في عدد من مدن المنطقة وجمع معلومات عنها، ولا تقل رحلة الضابط ميلينغن (Millingen) أهمية عن سابقاتها.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الضابط البريطاني جسني (Chesney) قام برحلة إلى كوردستان وإيران في عام 1832 بدوافع اقتصادية، زار خلالها أماكن عديدة من تلك المنطقة، وحاز بعد عودته إلى بريطانيا تأييد الملك وليم الرابع وعدد كبير من قادة بريطانيا السياسيين والدبلوماسيين، لارتباط نتائج الرحلة بخطة توسيع التجارة البريطانية في الشرق الأوسط. وفي عام 1835 توغل جسني على رأس حشد من المهندسين والفنيين البريطانيين بعيداً في مجرى نهري دجلة والفرات لدراسة الوضع الاقتصادي والسياسي عن كثب في كوردستان ومناطق أخرى من الإمبراطورية العثمانية، وأكدت النتائج أهمية ولاية الموصل الكوردية لاتخاذها نقطة ارتكاز للتغلغل الاقتصادي في مناطق شرق الأناضول ومدنها، إلا أن العمل في تلك المشاريع قد أُجّل لأسباب سياسية.
لقد تمكنت الدوائر الاستخبارية البريطانية من إعداد تقارير خاصة بالعشائر العراقية، وتشير تلك التقارير إلى أن بريطانيا، من خلال تلك الدوائر، قد هيّأت مسبقاً لقواتها وإدارتها تصوراً شاملاً لحقيقة الوضع في مناطق العراق المختلفة، بما فيها المناطق الكوردية. ومما لا شك فيه أن تلك التقارير أعانت البريطانيين كثيراً في مرحلة احتلالهم للمنطقة، وبذلك يكون أولئك البريطانيون قد قدموا خدمات لا تضاهى للمخططات البريطانية المستقبلية.
ويمكن القول إن الاهتمام البريطاني بمنطقة كوردستان العراق قد تضاعف بشكل ملحوظ خلال السنوات الأولى من القرن العشرين، وذلك لتزايد الاهتمام بالعراق عموماً وبكوردستان خاصة، نظراً لاكتشاف النفط فيها بكميات غزيرة، فضلاً عن السعي إلى اتخاذها قاعدة مهمة لتعزيز نفوذهم في الشرقين الأدنى والأوسط. وفي إطار تزايد ذلك الاهتمام جُنّد عدد من الضباط البريطانيين لهذه الغاية، فتجولوا في أنحاء مختلفة من كوردستان العراق، وأقاموا صلات وثيقة مع بعض رؤساء العشائر الكوردية هناك، بعد أن اطّلعوا على تفاصيل حياة الكورد اليومية وأتقنوا لغتهم الكوردية إتقاناً دقيقاً، وخير أنموذج في هذا المضمار الميجر سون (Soane)، الذي عدّه البريطانيون خبيراً في الشؤون الكوردية، إلى جانب الميجر نوئيل (Noel) الذي أدى دوراً متميزاً في كل مؤتمر خاص عُقد بعد الحرب مباشرة لبحث قضايا الشرق الأوسط، بما في ذلك القضية الكوردية.
ولم تكن بريطانيا وحدها قد سعت للسيطرة على منطقة كوردستان والهيمنة على خيراتها وثرواتها المعدنية، بل إن الألمان، الذين كانت تربطهم علاقات وثيقة بالعثمانيين منذ أواخر القرن السابع عشر، قد بذلوا مساعي مشابهة؛ فقد أعدّ الفيلد مارشال مولتكه (1800 – 1891)، الذي كان مستشاراً عسكرياً في الدولة العثمانية، دراسة عن منطقة كوردستان بشكل عام، كان الغرض منها دراسة جغرافية المنطقة. كما برز رحالة ألمان كتبوا دراسات عديدة عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للكرد، من بينهم أوسكرمان وهارتمان وهوجرماكاس. وكانت قمة احتكاك الألمان بمنطقة كوردستان حصولهم على امتياز مدّ سكة حديد بغداد، التي يمر جزء منها بمنطقة كوردستان، وفي عام 1903 حصل الألمان على امتياز التنقيب عن النفط واستثمار آباره الواقعة على مدى 20 كم على جانبي السكة. وحين شعرت بريطانيا بالحماس الألماني لمدّ النفوذ إلى المنطقة بدأت توحّد جهودها معهم، فتشكلت شركة النفط التركية عام 1912 بامتيازات ألمانية بريطانية، إلا أن نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914 هيّأ الفرصة للبريطانيين للقضاء على منافسة ألمانيا لهم، إذ كان اليوم الأول لاندلاع الحرب مبرراً للبريطانيين لوضع أيديهم على حصة ألمانيا في هذه الشركة، الأمر الذي أدى إلى تصاعد حدة الصراع بين الطرفين، وسعي كل منهما خلال الحرب إلى تحقيق مآربه على انفراد.
أما الفرنسيون فقد كانت لهم آثار واضحة في أذهان المثقفين الكورد الذين تلقوا تعليمهم في إسطنبول أو في باريس، كما بذلوا جهوداً واضحة في نشر ثقافتهم إلى جانب الديانة المسيحية في منطقة الموصل وبعض المناطق المحيطة بها، من خلال الإرساليات التبشيرية التي بعثوها إلى تلك المنطقة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والتي أمدّت الفرنسيين بمعلومات غزيرة عن العادات الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية في تلك المناطق من كوردستان. وكان النشاط الفرنسي يثير امتعاض البريطانيين في المرحلة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، ويبدو أن نشوب الحرب وإقبال البريطانيين على تدعيم نفوذهم في العراق قد حالا دون استمرار الفرنسيين في هذا الاتجاه.
ولم تكن الولايات المتحدة الأمريكية بدورها بعيدة عن هذا التوجه، إذ حاول الأدميرال كولبي جيستر (Colby Chester)، مبعوث الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت (1901 – 1909)، تدعيم النفوذ الأمريكي في الدولة العثمانية، فزار إسطنبول عام 1908، وتوصل الطرفان إلى اتفاق على مدّ خطوط سكك حديد على غرار الاتفاق العثماني الألماني. إلا أن هذه الجهود الأمريكية بقيت محدودة لأسباب تتعلق بعدم حماس الرأسماليين الأمريكان لمثل تلك الاتفاقيات، نظراً للبعد الجغرافي وعدم تطور وسائط النقل آنذاك، فضلاً عن اشتداد الاندفاع الأوروبي للهيمنة على المنطقة.
وفي ظل تلك الحقبة المضطربة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، بظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وانعكاساتها الفكرية والقومية على منطقة كوردستان، نجد الكورد يتوجهون بخطاهم نحو تحقيق هدف سياسي في ظل تداعي السلطة العثمانية في المنطقة، إذ بدأ نضال الكورد بالتفاعل مع مختلف القوى الوطنية والسياسية الأخرى، سواء على صعيد المنطقة أو على صعيد التعامل مع الدول الكبرى. وذلك السعي، الذي كان الشيخ محمود الحفيد جزءاً منه في كوردستان العراق، لا يمكن فصله عن الحركة الفكرية القومية النضالية التي أخذت تتبلور بين أوساط مختلف شرائح المجتمع العراقي في الوسط والجنوب.
إن سعة التأثير الذي حظي به أبناء بدرخان على الصعيد السياسي في منطقة كوردستان، وتوطيد مواقعهم في منطقة الجزيرة (شمال منطقة الموصل)، دفعا الشيخ محمود الحفيد إلى محاولة فتح حوار جاد مع كل من حسين بك وكامل بك من أبناء بدرخان، غايته تعزيز تلك المكانة بتوحيد الجهود لتكوين كيان كردي مستقل عن الدولة العثمانية. ويبدو واضحاً أن تلك الاتصالات بين الطرفين كانت ضمن توجهات سلمية، إذ لم تسفر عن تهيّؤ عسكري موجه نحو طرف معين، كما يبدو أن تلك الاتصالات لم تكن لها مقومات قادرة على دفعها إلى خطوات فعالة، إذ سرعان ما انتهت، ولم نعثر لها على أصداء واسعة سوى تلك الإشارة.
أثارت منطقة كوردستان اهتمام الروس منذ وقت مبكر بسبب أهمية موقعها بالنسبة لروسيا القيصرية، إذ أشارت المصادر التاريخية إلى قيام رحالة روس، متنوعي الاهتمامات، بزيارة مناطق عديدة من كوردستان فضلاً عن مدينة الموصل. كما ازداد اهتمام الأوساط العسكرية الروسية بتلك المناطق، وامتد في العقد الأول من القرن العشرين إلى المناطق المتاخمة لحدودهم، وذلك لازدياد الأطماع وتنامي الإمكانيات؛ ففي عام 1902 زار الضابط الروسي (ب. ي. شيولكوفنيكوف) كوردستان العراق، وأعدّ دراسة عن المنطقة وأوضاعها الاجتماعية، وذكر في دراسته معلومات عن عشائر كردية وعربية زارها.
هيّأ العامل الجغرافي الظروف المناسبة لإقامة علاقات سياسية بين روسيا وبعض قادة الكورد، إلا أن تلك العلاقات كانت واهية، لعدم انسجام وجهات النظر بين الطرفين خلال تلك الحقبة؛ فالروس لم يحاولوا تعزيز مركزهم في منطقة كوردستان العراق، مكتفين بممتلكاتهم ومراقبة الأحداث في تلك المنطقة وحسب، أما الأكراد فقد كانوا يطمحون إلى تحقيق مكاسب سياسية مبنية على دعم الروس ومساندتهم لهم في صراعهم مع الدولة العثمانية.
وعلى الرغم من واقع الحال السائد آنذاك، فإن الشيخ محمود الحفيد حاول الحصول على دعم روسي يخدم توجهاته قبيل نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، فأجرى اتصالات بمسؤولين روس في الموصل وبغداد ممن تتبعوا تحركاته ورفعوا عنها التقارير إلى كبار المسؤولين الروس. ففي أواخر نيسان عام 1913 أرسل الشيخ محمود الحفيد السيد أحمد البرزنجي ممثلاً عنه إلى القنصل الروسي في مدينة الموصل (كيرسانوف)، فعرض عليه استعداد الكورد للقيام بثورة ضد العثمانيين في حال وقوف روسيا إلى جانبهم وتقديم المساعدة لهم. كما بعث الشيخ محمود في آذار وآب من عام 1913 بممثلين عنه إلى القنصل العام الروسي في بغداد (أرلوف)، حاملين معهم التصورات ذاتها عن المسألة الكوردية لعرضها على المسؤولين الروس هناك.
ولم تمضِ فترة طويلة على تلك الزيارتين حتى قام أحمد البرزنجي بزيارة أخرى لوكيل القنصل الروسي في مدينة الموصل في كانون الثاني عام 1914، حاملاً إليه رسالة خاصة من الشيخ محمود الحفيد، للتداول في شؤون الأوضاع في مدينة السليمانية والاطلاع على الموقف الروسي بهذا الخصوص.
إن السياسة الخارجية الروسية، التي اعتمدت الاستفادة من الكورد ضد العثمانيين في حالة نشوب الحرب وحسب، أدت إلى أن تقف محاولات الشيخ محمود الحفيد عند حدود معينة، على الرغم من أن عدداً من المسؤولين الروس أبدوا وجهة نظر مخالفة لتلك السياسة، إذ عبّر كل من نائب القنصل الروسي في كويسنجق (كوي) والقنصل الروسي في أورمية عن امتعاضهما من موقف حكومتهما بشأن المسألة الكوردية. واقترح بعضهم تقديم مساعدة مالية للشيخ محمود الحفيد في حدود (2 – 3) آلاف روبل لكسب الكورد، كما اقترح القائم بأعمال السفارة الروسية في طهران (فلاديمير مينورسكي)، في تقرير سري له، تقديم المساعدة اللازمة للكرد في منطقة السليمانية والعمل على منحهم حكماً ذاتياً، لضمان السيطرة الروسية على المناطق القريبة من منطقة النفوذ الروسي في بلاد فارس، ولتعزيز خطة هجوم روسي مرتقب على منطقة الموصل في حالة حدوثه. ويشير بعض المؤرخين الكورد إلى أن وجهة نظر مينورسكي كانت ذات مرامٍ بعيدة المدى، وهي تختلف جوهرياً عن وجهة نظر الحكومة الروسية المتمثلة بما قاله جريكوف (السفير في وزارة الخارجية الروسية) بشأن الكورد، إذ أكد أن موقف الكورد لا يقتضي الانتباه إليه إلا في حالة نشوب الحرب، فضلاً عن ضرورة الحذر التام في حالة إقامة العلاقات معهم.
تطورت الأحداث في كوردستان العراق غداة الحرب العالمية الأولى، وأضحت الحركة الكوردية أهم معضلة للدوائر العثمانية الحاكمة.
أجزاء «الشيخ محمود الحفيد» (12 جزءاً):