الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الشيخ محمود الحفيد (الجزء الحادي عشر)

من محاضرات «شخصيات كوردية» – 2018

موقف الشيخ محمود الحفيد من مشكلة ولاية الموصل

نشأت مشكلة ولاية الموصل نتيجةً طبيعية للحرب العالمية الأولى، حين اندحرت الدولة العثمانية، واحتل البريطانيون العراق بين عامي 1914 و1918، ونشأت المملكة العراقية تحت الوصاية البريطانية عام 1921. وكانت انعكاسات تلك القضية واضحة التأثير في مسارات السياسة العراقية داخلياً وخارجياً حتى انتهت عام 1925، ومثلما كانت السياسة العراقية تتأثر بتلك المشكلة، فقد تأثرت بها القضية الكوردية عبر مسارات تطورها ونضوجها، وكان لقادة الكورد آراء ومواقف منها.

ويمكن القول إن مشكلة ولاية الموصل ظهرت منعطفاً في مجرى الصراع الدولي، وهذا ما جعلها قضية بالغة الحساسية على المستوى الدولي؛ فبتأثير جملة من العوامل الاقتصادية والسياسية تحولت تلك القضية إلى محور صراع بين تركيا من جهة وبريطانيا من جهة أخرى، الساعية إلى تثبيت هيمنتها في الشرق العربي. ويرى بعضهم أن جوهر المشكلة يبدأ من توجهات سياسية بريطانية وجدت في نشوب الحرب العالمية الأولى، وانضمام الدولة العثمانية إلى جانب دول المركز، الفرصة السانحة لاحتلال المنطقة المهمة التي تسيطر على الطرق البرية التي تخترق العراق من أدناه إلى أقصاه. وقد تظاهر البريطانيون في بادئ الأمر بأنهم سيكتفون ببسط نفوذهم على جنوب العراق ووسطه، غير أن قواتهم سرعان ما تقدمت إلى كوردستان، غير مكتفية بما حققته من انتصارات، فاحتلتها إلى ما وراء ولاية الموصل.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن جذور الاهتمام بولاية الموصل (كوردستان العراق) تعود إلى عام 1888، حين حصلت بريطانيا على امتيازات النفط من الدولة العثمانية، ووعد الصدر الأعظم البريطانيين بحقوق التنقيب عن النفط. ويشير المحللون السياسيون إلى أن البريطانيين حين احتلوا جنوب العراق كانت أهمية النفط دافعاً مهماً أغراهم بالاندفاع لاحتلال كوردستان أيضاً. وكانت هناك مبررات أخرى دفعت البريطانيين إلى احتلال ولاية الموصل والهيمنة عليها، أبرزها نشوب ثورة أكتوبر في روسيا عام 1917، إذ جعل ذلك الحدث البريطانيين يعيدون النظر في خططهم في الشرق بشكل عام، ليتمكنوا من إحكام جبهة الدفاع ضد النفوذ الروسي، خاصة بعد أن كشفت الثورة الروسية نصوص الاتفاقيات السرية مثل «سايكس - بيكو». ويؤكد تلك الحقيقة السير أرنولد ويلسون، حين يقول إن البريطانيين لم يذهبوا «إلى ولاية الموصل من أجل النفط… وإنما للحيلولة دون تغلغل النظام السوفيتي جنوباً».

ومن جانب آخر فإن احتلال بريطانيا لولاية الموصل في كوردستان العراق يكتسب أهمية استراتيجية للسياسة البريطانية في الشرق الأوسط من الناحيتين العسكرية والجغرافية، وبشكل خاص في حفظ الطريق البري نحو الهند وتأمينه، فولاية الموصل تكاد تسيطر بموقعها الجغرافي المنقطع النظير على منطقة واسعة، مما يجعل لها أهمية عسكرية خطيرة.

ومن خلال ما تقدم نجد أن ولاية الموصل (كوردستان العراق) اكتسبت أهمية قصوى في توجهات السياسة البريطانية واستراتيجيتها خلال الحرب العالمية الأولى من النواحي السياسية والجغرافية والدفاعية، وكانت هذه الأهمية في مقدمة الدوافع التي جعلت الساسة البريطانيين يدفعون بقواتهم إليها ويتمسكون بها إلى أبعد الحدود. ومثلما كان البريطانيون يدركون تلك الحقيقة، فإن أعداءهم، وخاصة الترك، قد وعوا الحقيقة نفسها، فاكتسبت تلك المنطقة الكوردية أهمية في استراتيجيتهم أيضاً.

يؤكد المحللون العسكريون والاستراتيجيون أن لمدينة السليمانية أهمية كبيرة من النواحي الاستراتيجية والعسكرية والدفاعية في ولاية الموصل، إذ تمثل عقدة اتصال مهمة بين مدن عراقية مهمة كالموصل وكركوك وديالى وبغداد، وأن السيطرة عليها تهدد كركوك (ذات الأهمية الاقتصادية)، وتساعد على اختراق العراق من الوسط، وبذلك يمكن لمن يسيطر على ذلك المحور عسكرياً أن يفصل الأجزاء الشمالية عن الأجزاء الوسطى والجنوبية من العراق.

ولأهمية مدينة السليمانية السياسية والاستراتيجية، فإن التقدم البريطاني نحو كوردستان لم يجعل الترك ينسحبون منها دون أن يتركوا من يقوم بمهمة الدفاع عنها، ووقع اختيارهم على الشيخ محمود الحفيد، الذي برز في نهاية الحرب العالمية الأولى قائداً وطنياً في كوردستان العراق، ولم تكد الحرب تضع أوزارها حتى أصبح الشيخ محمود الحفيد صاحب قضية يدافع عنها، وطرفاً أساسياً من الأطراف صاحبة الشأن في تقرير مصير ولاية الموصل.

كشفت الفترة الممتدة بين 1918 و1919 بجلاء عن أهمية الدور السياسي للشيخ محمود الحفيد في جزء من أجزاء ولاية الموصل، ليس من خلال مناداته بقضية الأكراد وحسب، وإنما من خلال خوضه غمار النضال الوطني (القومي الكوردي) ضد المستعمرين البريطانيين، حتى أصبح موضع اهتمام البريطانيين والترك على حد سواء.

طالبت تركيا بولاية الموصل منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى، وقامت بأعمال عديدة ترمي إلى ضمها إلى أراضيها، مثلما كانت بريطانيا متمسكة بها بشدة. ومرت المشكلة بمراحل عدة من خلال المراسلات بين الأطراف الدولية والمفاوضات التي عُقدت على هامش مؤتمر لوزان عام 1923م، وما تبعه من لقاءات بين الطرفين، انتهت بإحالة مشكلة ولاية الموصل إلى عصبة الأمم، التي أوصت في 30 أيلول 1924 بتعيين لجنة دولية لتقصي الحقائق ودراسة الأوضاع في تلك الولاية.

ومن الجدير بالذكر أن المدة الممتدة بين عام 1919 وعام 1924 شهدت مراحل من النضال القومي الكوردي كان أحد قادته الشيخ محمود الحفيد. ولأن الطرفين المتنازعين على ولاية الموصل كانا يحاولان أن يكسبا القضية على أرض الواقع قبل أن يكسباها في المحافل الدولية، فقد وجدا أن القضية الكوردية واحدة من أبرز مراكز الثقل في ترجيح كفة أي منهما في هذا الصراع. وكان الشيخ محمود الحفيد القطب الأهم في تلك القضية داخل العراق، فكان موضع اهتمام الطرفين المتنازعين، إلا أن اهتمام الترك والبريطانيين بالشيخ محمود الحفيد لم يكن مسخّراً بشكل علني لخدمة أغراضهم في هذا الاتجاه (مشكلة ولاية الموصل)، وإنما كان يأخذ أشكالاً أخرى تصب نتائجها النهائية في خدمة صراعهم في ذلك الاتجاه. كما لم نلمس إشارة أو تصرفاً سياسياً من الشيخ الحفيد يدل على اهتمامه بتلك القضية قضيةً سياسية مستقلة، ويبدو أن السبب يكمن في أن المشكلة لم تكن قد تبلورت خلال تلك المرحلة لتصبح قضية مستقلة في الصراع بين البريطانيين والترك، فضلاً عن أن الشيخ محمود الحفيد كان يرى في قضيته بعداً قومياً كردياً يتجاوز الحدود، فهو ينظر إلى الأمر نظرة قومية صرفة، مستمدة من أن حيّز الكيان الكوردي أمر متحقق في ظل وجود دولة تركية أو عراقية، وبوجود البريطانيين أو عدمه. كما أن تلك المدة (1919 – 1924) لم تكن كافية لتبلور فكر قومي كردي ناضج بما فيه الكفاية إزاء المشاكل الدولية التي تنعكس على مجريات الأمور على الصعيد الوطني، يمكن أن يستمد منه الشيخ محمود استنتاجاته وتحليلاته التي تُبنى عليها مواقفه السياسية والفكرية. فضلاً عن أن الشيخ محمود الحفيد كان في حالة صراع دائم مع البريطانيين، والمعروف أن مرحلة النضال المسلح من المراحل التي لا تسمح للثوار في أغلب الأحيان ببلورة مواقفهم الفكرية، وإن كانت تُنضجها، فلا تظهر بوضوح إلا في أعقاب حسم النضال مع القوى المعادية.

إن الموقف البريطاني من قضية ولاية الموصل يمكن عدّه الموقف من القضية الكوردية، وقد وجّهت بريطانيا اهتماماً كبيراً إلى هذا الأمر منذ انسحاب روسيا من ميدان الصراع في المنطقة، إذ أبلغ الممثل البريطاني في الأستانة وزيرَ الخارجية التركي أن «… المسألة الكوردية مهمة جداً لدى بريطانيا، وهي قضية تجري دراستها بعمق…». وأكد رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج إصراره على أن تدخل كوردستان، التي تقع بين أرمينيا وبلاد ما بين النهرين، في قائمة المناطق التي يجب أن تُنتزع من تركيا، وهو بذلك يقصد أن تكون هناك دولة حاجزة بين العراق وتركيا. وكانت بريطانيا تقاوم بشدة المشروع الفرنسي القاضي بتقسيم مناطق النفوذ في كوردستان، بل إن بعضهم يشير إلى أن بريطانيا هي التي سعت إلى وضع المواد التي تخص الكورد (62، 63، 64) في معاهدة سيفر عام 1920م.

أما الموقف التركي من هذه القضية فقد كان غير واضح في بدايته بفعل ضعف الدبلوماسية الخارجية، إذ كانت تركيا تعاني من تطورات سياسية داخلية مهمة. وبدا الاهتمام بأعباء مخلفات الحرب في مؤتمر مودانيا، حين عدّ مصطفى كمال الميثاق الوطني حداً أدنى من لائحة حقوق تركيا، وطالب باسترجاع الأراضي التركية المفقودة، وإجراء استفتاء في تراقيا الغربية، وإلغاء الامتيازات الأجنبية، والاعتراف بسيادة تركيا التامة على أراضيها.

افتُتح مؤتمر إسطنبول في 19 أيار 1924، وخلال أحد اجتماعاته (5 حزيران 1924) اتضح الموقف التركي بجلاء، حين أعلن فتحي بك أن ولاية الموصل ستبقى من الناحية الشرعية ولاية تركية حتى يتم الاتفاق بين الطرفين، وأن مطالبة البريطانيين بالولاية ستثير مشكلة لم يكن أحد يتوقعها، وأن بريطانيا تحاول بهذا إفشال المؤتمر، كما أن تلك المطالب تناقض المادة الثالثة من معاهدة الصلح. وقد ردّ السير برسي كوكس على تلك الادعاءات بأن خط الحدود الشمالي كان دائم التغيير، ولم يكن يوماً حداً فاصلاً بين دولتين مستقلتين. وعلى إثر ذلك أُحيلت المشكلة (ولاية الموصل) إلى عصبة الأمم بسبب فشل الطرفين في التوصل إلى حل مناسب.

ويشير لونگريگ إلى أن مطالبة الترك بولاية الموصل جاءت لأسباب عرقية بالدرجة الأولى، واقتصادية بالدرجة الثانية، وأن الحجة التي جاؤوا بها هي أن الاحتلال تم بعد هدنة مودروس، وقد فنّد الجانب البريطاني تلك الادعاءات.

أما موقف الحكومة العراقية خلال تلك المرحلة، فقد حاول الملك فيصل الأول أن يخطو خطوات حثيثة من أجل كسب الأوساط الشعبية في الموصل والسليمانية، إذ سافر إلى الموصل في 21 أيار 1923، وعقد الاجتماعات مع وفود من مختلف أقضية اللواء ونواحيه، وأشار في أحد لقاءاته إلى أن المسألة التي أُثيرت بين تركيا والعراق هي مسألة حدود بالدرجة الأولى، وليس هناك مسألة موصلية، لأن الموصل جزء لا يتجزأ من العراق.

وقصد السليمانيةَ رئيسُ الوزراء العراقي آنذاك عبد المحسن السعدون، ومستشاره كورنواليس، في 29 أيار 1923، للاطلاع على أوضاع المدينة الإدارية والخدمية، وأصدر في 11 تموز 1923 بياناً طمأن فيه أهالي المدينة إلى أن الحكومة لا تنوي تعيين موظفين عرب في الأقضية الكوردية، ولا تنوي إجبار الكورد على استعمال اللغة العربية في مراجعاتهم الرسمية، وأنها تعمل على حفظ حقوق السكان الدينية والمدنية. وتابع عبد المحسن السعدون زياراته التفقدية إلى لواء الموصل خلال الفترة (14 – 16 تشرين الأول 1924)، حين تسنّم حقيبة وزارة الداخلية في وزارة ياسين الهاشمي الأولى (2 آب 1924 – 21 حزيران 1925)، فزار خلالها أقضية زاخو ودهوك والعمادية، والتقى رؤساء العشائر الكوردية ووجهاء المدينة، الذين أبدوا تأييدهم للحكومة العراقية وللملك فيصل الأول. كما تفقّد عبد المحسن السعدون الحدود الشمالية الفاصلة بين العراق وتركيا، واطّلع على واقع المخافر الحدودية وطبيعة حياة الأهالي اليومية. وتأتي تلك الجولات التي قام بها عبد المحسن السعدون في إطار توجه الحكومة العراقية إلى كسب الأهالي، والعمل على الوقوف في وجه الدعاية التركية.


أجزاء «الشيخ محمود الحفيد» (12 جزءاً):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن
  9. الجزء التاسع
  10. الجزء العاشر
  11. الجزء الحادي عشر (هذا الجزء)
  12. الجزء الثاني عشر

→ الجزء العاشر  |  الجزء الثاني عشر ←