الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الشيخ محمود الحفيد (الجزء العاشر)

من محاضرات «شخصيات كوردية» – 2018

مع ذلك فقد ظهرت المشكلة الأخطر في السليمانية. لقد كانت بريطانيا في كل مكان تدير المناطق المحتلة بشكل مباشر من خلال شبكة من الموظفين السياسيين البريطانيين، وكانت السليمانية هي المنطقة الوحيدة التي تمتعت بوضع خاص.

في 1 كانون الأول/ديسمبر من عام 1918 ثبّت ويلسون، المندوب السامي البريطاني في العراق، الشيخ محمود الحفيد حكمداراً للواء السليمانية، وهي منطقة كبيرة تشمل الأراضي الواقعة بين الزاب الصغير وديالى. وعُيّن عدد آخر من الموظفين الأكراد في إدارة العديد من التقسيمات الفرعية تحت إشراف موظفين سياسيين بريطانيين. وفي مقابل ذلك فهم البريطانيون أن الشيخ محمود الحفيد قد تعهد بإطاعة الأوامر البريطانية، لأنهم افترضوا فعلاً أنه يستمد سلطته من الإدارة البريطانية.

كان الشيخ محمود هو الزعيم الوحيد المؤثر في السليمانية، فحتى في مناطق بعيدة مثل رواندوز وكويسنجق ورانية كانت هناك رغبة بين المجتمعات الفقيرة والمتعطشة للمساعدة في قبوله حاكماً أعلى للأكراد معيّناً من قبل بريطانيا:

«وهكذا فإن القبيلة تلو الأخرى، التي لم تكد تسمع عن الشيخ محمود الحفيد، أو كانت في أفضل الأحوال تعرف عنه أنه سليل رجل طيب، قد وقّعت على مذكرة تطالب بالانضمام إلى الدولة الجديدة بقيادة الشيخ محمود، وهو ما اعتقدت أن الحكومة البريطانية قد جعلته شرطاً ضرورياً لأسباب خاصة بها».

هذا ما كتبه الميجر سون المتشكك، الذي خبر المنطقة جيداً قبل الحرب.

ولم يكن الميجر سون بأي شكل من الأشكال الوحيد في عدم محبته للشيخ محمود، ففي طول المدينة وعرضها كان للشيخ معارضوه: بين القبائل الكوردية الجاف وباجلان، ولا سيما الشيوخ منهم، وشيوخ الطالبانية في كركوك الذين كانوا منافسيه في الطريقة القادرية، وكذلك شيوخ بيارة وطويلة. وفي وجه هذه المعارضة أُقصي سكان المدينة ورجال القبائل في كركوك وكفري بشكل خاص عن منطقة الشيخ محمود، وهو إجراء وافق عليه الشيخ.

لقد كان الشيخ محمود الحفيد يفهم هذه التسوية السياسية فهماً مختلفاً تماماً؛ فهو لم يتصور أن تُطوَّق سلطته جغرافياً بالزاب الكبير وديالى، ولا أنه يستمد سلطته من البريطانيين، بل رأى على العكس من ذلك أنه قد اعتُرف به بسبب سلطته الأخلاقية والدينية على الأكراد، وأدخل ضمن هذا التعريف كل أكراد ولاية الموصل، وهو زهو متوقع، باعتبار أن الزعماء الستين الذين قابلهم ويلسون ادّعوا أنهم يمثلون أكراد ولاية الموصل.

ولم يمضِ وقت طويل حتى تكشّف سوء الفهم الأساسي هذا، فقد استغل الشيخ محمود الحفيد معونة الحكومة البريطانية المقدمة من أجل الرواتب والمساعدة في التعويض عن دمار الحرب لتقوية مركزه، وشراء الولاءات من شيوخ القبائل الكوردية، والسعي، بحسب تقييم الميجر سون العدائي:

«إلى ملء كل منصب من خلال علاقاته، بغض النظر عن كفاءات الأشخاص وقدراتهم، وإقصاء كل من لا يعدّه موالياً… وكل منصب مهم، ابتداءً من منصب حاكم ثانوي إلى منصب قاضٍ في المحكمة الشرعية في السليمانية، كان يشغله إما أقرباؤه أو المتملقون له».

لقد كان كافة الإداريين المدنيين، بل حتى كل المجندين الأكراد في التدريب البريطاني، مطالبين بإبداء الولاء له.

ومن المهم هنا أن نتذكر أنه، بغض النظر عن عيوب الشيخ محمود الحفيد (التي أصبحت واضحة للعيان في الحال)، ربما كانت المشاكل ستندلع لو أن كردياً آخر قد شغل مكانه، فخلف تعارض الشخصيات تكمن ترتيبات وآمال متضادة. لقد كان هناك صراع بين الحكومة المؤسساتية، التي يُعيَّن الموظفون فيها على أساس الأهلية ويدينون بولائهم لفكرة مجردة -الدولة، الإدارة، التاج وما شابه- من جهة، والشكل الأقصى للحكومة الفردية المعتمدة على المحسوبية، التي لا تزال قائمة في الطبقات الدينية والقبلية للمجتمع الكوردي، من جهة أخرى. ومن وجهة نظره الشخصية كان الشيخ محمود يعتقد أنه لن يبقى في أمان إلا ببناء قاعدة سلطته الشخصية، وذلك من خلال اجتذاب الرجال بتعيينهم في المناصب لا على أساس الكفاءة وحدها، والتخلص من أولئك الذين بدوا معادين أو يفكرون بعقولهم.

بدأت الأمور تأخذ منحى آخر قبل انتهاء السنة، ولكن لم تُتّخذ خطوات لكبح نشاطات الشيخ محمود إلا في شهر آذار/مارس 1919، إذ استُبدل بالميجر نوئيل، الذي بدأ السياسة القبلية وعيّن الشيخ محمود الحفيد، «الميجر سون». وكان تعيين هذا الأخير إنذاراً واضحاً بأن كركوك وكفري وكويسنجق ورواندوز وحلبجة، إضافة إلى أراضي قبيلة الجاف، قد أُخرجت من فلك الشيخ محمود.

ولكن الموظفين السياسيين البريطانيين شجّعوا بتحمسهم «للقبلية» الثقافة التي طالما استهجنوها في لحظات اتزانهم. وقد شرح الميجر سون، المعارض الصريح لهذه السياسة، وجهة نظره قائلاً:

«إن إحياء النظام القبلي… لحظة انتكاسة. لقد تخلى القسم الأكبر من جنوب كوردستان عن روحه القبلية، وبالنتيجة كان من نصيبه قدر من الازدهار في أوقات ما قبل الحرب. أما الآن، وقد قبل الموظف السياسي (الميجر نوئيل) آراء الشيخ محمود، فقد سخّر كل طاقاته للعودة إلى الروح القبلية العشائرية. لقد وُضع كل من يمكن تصنيفه رجلَ قبيلة تحت قيادة زعيم قبلي، وكانت الفكرة تقتضي تقسيم جنوب كوردستان إلى مناطق قبلية تحت قيادة زعماء قبليين. إن زعماء قرى ثانويين أُبرزوا وقُدّموا زعماءً لقبائل ميتة منذ زمن طويل… وكان من المفروض أن يُدار القانون من خلال أمثال هؤلاء الزعماء، الذين يجب عليهم ألّا يعترفوا إلا بالشيخ محمود حكمداراً… إن هذا وضع مثالي بالنسبة لأفراد العشيرة، غير أنه قاتل للتجارة والحضارة والأمن».

وقد خطط ويلسون، المدرك لحقيقة الوضع المتدهور، لزيارة السليمانية في نهاية أيار/مايو «لمقابلة الشيخ محمود شخصياً، ومحاولة التوصل إلى حل يجعل من الممكن الحفاظ على إطار الحكم الذاتي الكوردي». ولكن قبل القيام بتلك الزيارة حشد الشيخ محمود ثلاثمئة من أتباعه القبليين على الجانب الإيراني من الحدود، وفي 23 أيار/مايو سجن الموظفين البريطانيين وأخرج المجندين من الموقع العسكري. وهرع مؤيدو الشيخ محمود من المقاطعات المجاورة لمؤازرته، فأعلن نفسه، مبتهجاً بهذه البداية السعيدة، حاكماً لكوردستان، وعيّن أتباعه في كل أنحاء اللواء، وزادت معنوياته بالكمين الناجح الذي نصبه لطابور بريطاني خفيف تفرّق وراء جمجمال. وبدأت القبائل على جانبي الحدود تعلن تأييدها للشيخ محمود، فتحركت القوات العراقية والبريطانية بسرعة لتأكيد سلطتها المهزوزة، فحشدت فرقتين تمكنتا بسرعة من إلحاق الهزيمة بقوات الشيخ محمود البالغة 500 رجل في ممر بازيان في أواسط شهر حزيران/يونيو. وأُسر الشيخ محمود نفسه، وأُرجئ حكم الإعدام فيه، وأُرسل إلى المنفى. وقد أصبحت ثورته القصيرة العمر لاحقاً رمزاً للقومية الكوردية.

إن خطة «كوردستان حرة وموحدة» توحي بأن الشيخ محمود الحفيد كان قومياً، وقد كان كذلك فعلاً، فهو لم يكن يؤمن بكيان سياسي كردي تحت سلطته فحسب، بل كان يؤمن أيضاً، وله ما يبرر ذلك، بأن حق تقرير المصير الكوردي هو ما وعد به الحلفاء فعلياً. فقد كانت «مربوطة بذراعه كطلسم» نسخة من القرآن، كُتب على ورقتها الغفل بالكوردية نص النقطة الثانية عشرة من مبادئ ويلسون، وكذلك نص البيان الإنكليزي - الفرنسي الصادر في 9 تشرين الثاني/نوفمبر.

إنه من المغري أن نُلبس الشيخ محمود زيّ الأفكار القومية الحديثة، ولكن من الواضح أن ما يجمعه مع قادة الأكراد في الوقت الحاضر قليل جداً، فالمفردات التي استخدمها وكذلك الأسلوب مختلفان تماماً. واللافت للنظر أن الشيخ محمود لم يضيّع وقته في مخاطبة العاطفة القومية، فقد كان من السادة، واللغة التي يفهمها أتباعه هي لغة الإسلام، وفي عام 1919 نادى بالجهاد لا بالنضال من أجل التحرير القومي. علاوة على ذلك كان أسلوبه يعتمد على علاقات القربى والتحالفات القبلية بهدف إقامة إقطاعية شخصية.

لقد أبدى الشيخ محمود رغبته في التحرير الكوردي من وحي القانون الإنكليزي وليس من تلقاء نفسه. أما الجشع الذي اشتهر به شيوخ البرزنجة فقد كان عقبة حقيقية في طريق الكثير من أكراد لواء السليمانية. ولذلك كانت التحالفات القبلية من إيران، الهورامية (هورامان) بقيادة محمود خان دزلي، والماريوانية (مريوان) بقيادة محمود خان من كاني سنان، هي التي فجّرت الثورة.

مع ذلك فإن ثورة الشيخ محمود الحفيد اندلعت في أشد الأماكن قومية في كوردستان، حيث أعلن السكان بكل وضوح أنه ليست لديهم أية رغبة في الحكم العربي. ولو أنه جسّد حقاً الأماني القومية لتوقّع المرء تأييداً أكبر في مدينة السليمانية نفسها، مع أنه لم يكن قادراً على قيادة انتفاضة كردية عفوية هناك. وباستثناء الموالين الشخصيين، كانت القوى المحلية في الأغلب من مستأجري برزنجة ورجال قبائلها، ومن الهماوند بقيادة كريم فتاح بك، وبعض الفرق الساخطة من قبائل الجاف والجباري والشيخ بزيني والشوان، وجميعها في المنطقة النائية من السليمانية. لهذا فإن استعداد أغلب الجاف والبشدر، وهما أقوى اتحادين قبليين على الإطلاق، للمساعدة في قمع الثورة يعطي صورة واضحة عن انقسام الكورد.

بعد هزيمة الشيخ محمود الحفيد عاد الميجر سون ليدير السليمانية بقبضة من حديد، إذ تصرّف حاكماً محلياً أعلى، ووفقاً لما جاء في نعيه حقق للسليمانية مجداً لم تعرفه من قبل. فقد كان متحمساً للأعمال العامة، معتمداً في تمويلها على الدخل الحكومي المحلي، وشجّع تبنّي الكوردية المكتوبة واستعمالها في المدارس. وقبل نهاية السنة أطلق الجريدة الكوردية الأولى في السليمانية «پێشکەوتن» (التقدم)، التي كانت، بسبب حداثة الكوردية المكتوبة، موضع سخرية المثقفين الأكراد، ولكنها مع مرور الوقت أصبحت راسخة وشعبية.

فإن كان الميجر سون استعمارياً، فلا شك في أنه كان خارجاً على تقاليد أقرانه، فقد آمن صادقاً بتقرير المصير الكوردي، وبمساعدة الكورد في «تأمين درجة من الحكم الذاتي المحلي لم يكن أي من الأقاليم المحتلة يتمتع بها، وهذا ما أثار سخط بعض رؤساء التقسيمات الإدارية في بغداد». وفي آذار/مارس صُرف الميجر سون من الخدمة، وباتت آراؤه حول الحكم الذاتي في صراع مع سياسة الدمج العنصري لبريطانيا.


أجزاء «الشيخ محمود الحفيد» (12 جزءاً):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن
  9. الجزء التاسع
  10. الجزء العاشر (هذا الجزء)
  11. الجزء الحادي عشر
  12. الجزء الثاني عشر

→ الجزء التاسع  |  الجزء الحادي عشر ←