الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الشيخ محمود الحفيد (الجزء السابع)
من محاضرات «شخصيات كوردية» – 2018
خبث الإنكليز تجاه الكورد 1919 – 1922
«إذا ما أُجبرت بريطانيا على القبول بدولة كردية مسلمة تحت مسمى كوردستان، فإن على ساسة بريطانيا أن يفكروا جيداً في أن تكون على تراب الدولة التركية المسلمة (المهزومة في الحرب)، لا في وسط أوروبا، مع التأكيد على ولادة دولة أرمنية بجوارها». (الباحث)
ذلك ما خلّفته ثورة الشيخ محمود الحفيد عام 1919، وقد أصبح الكورد عامة، ورموزهم الوطنية، يندبون حظهم لأنهم لم يواجهوا القوات البريطانية في كوردستان بقوة كبيرة متماسكة تفتح لهم الأبواب لخوض حرب عصابات جبلية في كل مكان يوجد فيه بريطاني، قبل خوض الحرب النظامية في جبال كوردستان العصية.
ولعل ما زاد من حرج ساسة لندن، المشغولين بكيفية إدارة الحكم في العراق، أن الآراء المتناثرة حول أحقية الحكم المباشر، كما أراده الحاكم البريطاني «ويلسن»، أو الحكم غير المباشر عن طريق «وجوه عربية» بقلم إنكليزي، كما أراده «برسي كوكس»، قد أفضت، بعد مرور عام كامل على ثورة الشيخ الكوردي محمود الحفيد، إلى ثورة أخرى في الفرات الأوسط هي ثورة العشرين عام 1920، بهدف نيل الاستقلال للعراق. وعاقبة الثورتين أن الأسطول البحري البريطاني، الذي يعتمد على النفط بنسبة 90% منذ عام 1912، سيتحمل وزر أخطاء القيادة البريطانية في العراق، وفي هذه الحالة فإن النفط الذي تبحث عنه بريطانيا بقوة، والموجود في كوردستان وفي جنوب العراق، سيكون من حصة الدولتين الجديدتين. وهو ما لم تقبله بريطانيا بعد أن ضحّت بجنودها وضباطها وبذلت الجهد والمال خلال أربع سنوات، إذ صدر عام 1920 تحذير من وزير الدولة البريطاني لشؤون الهند جاء فيه: «ليست لدينا أموال لإنفاقها على بلاد ما بين النهرين»، هذا في الوقت الذي كان فيه البريطانيون يكرهون التخلي عن المقاليد الرئيسية للسلطة في العراق. إن التحدي الشيعي لبريطانيا في جنوب العراق (ثورة الفرات الأوسط)، والتحدي الكوردي عبر ثورة الشيخ محمود الحفيد، قد دفعا ساسة بريطانيا إلى تبنّي أقذر ما حملته السياسة لتفتيت وحدة الشيعة والكورد في وقت واحد.
حمل برسي كوكس في جيبه مشروعاً جديداً للطريقة التي سيُحكم بها العراق بعد أحداث ثورة العشرين عام 1920، إذ أعلن بعد وصوله إلى بغداد في تشرين الأول عام 1920 أن حكومته وافقت على تشكيل حكومة برموز عراقية، من دون أن يقول لشيوخ العشائر ورجال الدين إنها موالية لبريطانيا، رغم ما أُثير من معارضة البعض لعملية الانتداب وفق اتفاقية «سان ريمو» للمنتصرين في الحرب عام 1920، وهي تطبيق كامل لاتفاقية سايكس - بيكو المعقودة بين فرنسا وبريطانيا. وكان على الرموز الكوردية المتشبثة بظهور الدولة الكوردية أن يسألوا الحكام السياسيين البريطانيين في مناطقهم: «إذن علامَ أكّدتم للجنرال الكوردي شريف باشا السليماني، رئيس الوفد الكوردي إلى مؤتمر السلام في فرساي عام 1919، أنكم تناشدون الكورد الهدوء والسكينة شرطاً لتحقيق مطالب الكورد الوطنية؟». ثم ماذا يعني المنشور الذي وزّعه قائد القوات البريطانية في كوردستان، وفيه: «بما أن مصير الأراضي العثمانية التي أكثرية سكانها من العنصر الكوردي منوط بمؤتمر الصلح في باريس عام 1919، فإن هذا المؤتمر سوف يحقق الأماني القومية الكوردية، وعليهم أن يطمئنوا إلى أن عدالة بريطانيا ستحافظ على حقوق الأكراد»؟
كان التوجه المركزي لحكومة لندن أن تُعدّ دراسات معمّقة لتمزيق وحدة الوطن وفق سياسة «فرّق تسد». وفي هذا يرى الكاتب الإنكليزي «فيليب ويلارد» أن الثورة التي قادها زعماء وعلماء دين من الشيعة كانت في منظورهم حرباً وطنية من أجل الاستقلال، غير أنها في المحصلة قد أماطت اللثام عن نقاط ضعف تمثلت في الانقسامات الأساسية بين سكان العراق، معتبراً سكون أهل البصرة والعمارة وعدم مشاركتهم في الثورة درساً ربما يعود إلى دور رجل بريطانيا القوي طالب باشا النقيب ونفوذه، وهو صنيعة، ويمكن لبريطانيا أن تصنع كثيرين من أمثال طالب باشا النقيب. وذلك ما نوّه به الطبيب البريطاني «سندرسن باشا» في مذكراته بالقول: «كان الشيخان “عداي الجريان” رئيس عشيرة البوسلطان، و”عمران الزنبور” رئيس بني عجيل، من الشيوخ الموالين لبريطانيا، وكانا يشجعان القيادة البريطانية في محافظة الحلة (من خلف الستار) ليس على استعمال القوة العسكرية فحسب، وإنما على أن يكون العمل سريعاً لإنهاء قوة العشائر المسلحة». كما أن إحجام الأكراد في السليمانية والعرب السنة في الموصل عن المشاركة في ثورة العشرين كشف عن أساس ضعيف لتأسيس دولة قوية، وهو ما يعني أن الحكومة العراقية الجديدة ستبقى في حاجة إلى دعم بريطانيا.
أصدر برسي كوكس كتاباً خطياً إلى السيد عبد الرحمن النقيب (الكيلاني) في الخامس والعشرين من تشرين الأول عام 1920 طالباً منه تشكيل حكومة عراقية، وقد تردد النقيب في قبولها أول الأمر، إلا أنه سرعان ما عاد عن تردده، معتقداً أن المواصفات الدينية التي يتمتع بها هو وعائلته، التي تعود إلى الشيخ عبد القادر الكيلاني، تمنحه القوة لتسلّم مقاليد الحكم قبل أن تذهب إلى أيدي آخرين من غير الأشراف، لا يُعرف لهم حسب ولا نسب، قد يؤدي حكمهم إلى ضياع البلد في تلك الظروف المضطربة. وفي هذا الصدد فإن وزارة النقيب الأولى كانت تضم تسعة وزراء، من بينهم وزير من أصول إيرانية هو «محمد مهدي الطباطبائي» لوزارة الصحة والمعارف، وكردي للأشغال العامة، واليهودي «ساسون حسقيل» وزيراً للمالية. ويقول الكاتب القومي العربي ساطع الحصري في وصف وزير المالية ساسون حسقيل: «لا شك أنه كان أذكى وزراء حكومة عبد الرحمن النقيب وأعرفهم بشؤون الحكم، ولكنه كان أبعدهم عن التفكير في مصالح البلاد، وكانت مصلحة طائفته الإسرائيلية تشغل الموقع الأول في تفكيره وعمله».
أمرت السفارة البريطانية متصرف لواء كربلاء السيد مولود باشا بإبعاد ثلاثين من العلماء إلى خارج العراق باعتبار أن أصولهم إيرانية، كما وضعت خمسين منهم تحت المراقبة بسبب تأجيجهم أبناء العشائر ضد القوات البريطانية خلال ثورة العشرين. واحتج الأهالي على إخراج «مهدي الخالصي» وولديه وشريكهما الشيخ «سلمان القطيفي» والشيخ «علي تقي» من كربلاء. وبذلك أحدثت السفارة البريطانية شرخاً جديداً في العلاقة بين الحكومة العراقية، التي يرأسها رئيس حكومة عربي سني، وإيران التي سعت إلى أن تكون هناك حكومة موالية لها تيسّر زيارة الحجاج الإيرانيين للعتبات المقدسة. وقاد ذلك إلى مطالبة إيران بإعطاء الحقوق والامتيازات للإيرانيين القاطنين في العراق أسوة بالجالية اليهودية التي أدارها ساسون حسقيل عام 1924. وقد أدت المشاحنات بين حكومة الملك فيصل الهاشمي وشاه إيران «رضا خان» إلى تعطل العلاقات بين البلدين بسبب الهجرة الإيرانية غير الشرعية إلى العراق، وكانت أحد الأسباب التي قادت إلى حرب الثماني سنوات بين البلدين (1980 – 1988).
كانت المناقشات حامية بين المندوبين الذين مثّلوا المجلس التأسيسي حول معاهدة الانتداب البريطاني على العراق، ووجد المؤيدون للمعاهدة أن لا غنى عن جهود بريطانيا، لا سيما أن العلاقات كانت سيئة مع إيران في الشرق وآل سعود في الجنوب، إضافة إلى الوضع المالي المتدهور في الداخل. وزاد على ذلك أن مشكلة ولاية الموصل (سنأتي عليها لاحقاً) كثيراً ما لوّح الجانب البريطاني بإعادتها إلى تركيا، وباتت تؤرق الملك فيصل الأول. أما الرأي المعارض للانتداب فيرى أن المعاهدة ما هي إلا استعمار جديد، وأن مسألة وجود حكومة مستقلة أصبحت في عداد تاريخ الاحتلال العثماني.
أما مقدار الثقة التي توليها بريطانيا لحكام العراق، فقد باتت هي الأخرى متدنية بعد ثورتي الفرات الأوسط ومحمود الحفيد، وهو ما جعل بريطانيا تثق بحكم العائلات في الخليج، ومنها الكويت التي أعطتها ساحلاً على البحر يفوق ما لدى العراق عشرين مرة، لضمان وصول الأسطول البحري البريطاني إلى مناطق النفط دون عوائق ثورية.
كانت الولايات المتحدة الأمريكية تدرك الروح العدوانية والمنافسة الاقتصادية اللتين ظهرت بهما الدولتان بريطانيا وفرنسا في مؤتمر فرساي عام 1919. وقد اتخذ مجلس الشيوخ الأمريكي في آذار عام 1920 قراراً يطالب الرئيس الأمريكي بمعرفة القيود الأوروبية المباشرة أو غير المباشرة المفروضة على رعايا الولايات المتحدة في قضية التطلع إلى النفط، بعد حادثة اعتقال أحد المنقبين الأمريكيين على ساحل البحر الميت أواخر عام 1919. ودعا إلى أن يوجه «جون. د. ديفس»، السفير الأمريكي في لندن، رسالة إلى الخارجية البريطانية في الثاني عشر من أيار 1920، مبيّناً اهتمام حكومته بسياسة الباب المفتوح (أي أن تكون لها حصة من غنائم الحرب العالمية الأولى) وبفرض الانتدابات في مؤتمر سان ريمو. ولم ترد بريطانيا على الرسالة الأمريكية حتى شهر تموز عام 1920، مما أثار شكوك الإدارة الأمريكية في الدولة البريطانية. وقد نصّت المادة السابعة من اتفاقية سان ريمو على أن الحكومة البريطانية تمنح الحكومة الفرنسية، أو من ينوب عنها، 25% من إنتاج نفط العراق حسب الأسعار الجارية في السوق، وهي في الحقيقة أُخذت من حصة ألمانيا التي هُزمت في الحرب. ويقول أحد الكتّاب الفرنسيين إن الحصة التي ذهبت إلى فرنسا هي لضمان مساندة فرنسا ضد الولايات المتحدة الأمريكية.
فيما عبّر اللورد كيرزون (وزير الخارجية البريطاني) عن أن الحصة التي ذهبت إلى فرنسا هي مقابل التسهيلات التي يمكن بها إيصال نفط العراق إلى ساحل سورية على البحر الأبيض المتوسط.
ضمنت بريطانيا بسياستها الملتوية والخبيثة مع قوميات المجتمع العراقي وطوائفه، ومنهم الكورد، ألا تتكرر حوادث الثورات ضد قواتها في العراق. ولعل ما توصل إليه ساسة لندن تجاه فكرة الدولة الكوردية، التي يجب أن تكون ولاية الموصل (الموصل - السليمانية - أربيل - كركوك - دهوك) الأساس فيها، أنهم وضعوا لظهورها قيداً أو شرطاً يكاد يكون وهمياً أو شبه متعذر. وثقلهم كدولة منتصرة في الحرب واضح في: تدويل الأراضي خارج إسطنبول العاصمة التركية، وتأليف لجنة تشرف على المضائق التركية مؤلفة من (أمريكا وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا واليابان واليونان ورومانيا وبلغاريا وتركيا)، وأن يُعطى لليونان حق إدارة ميناء أزمير التركي مدة خمس سنوات، وإعلان أرمينيا دولة مستقلة، وأن تتنازل تركيا عن بعض الأراضي والجزر لإيطاليا واليونان، ناهيك عن اعتراف تركيا بالانتداب البريطاني على العراق وفلسطين، والانتداب الفرنسي على سورية ولبنان، وتنازل تركيا عن حقوقها في قبرص ومراكش وليبيا وتونس.
وهذا يعني أن أي خلل في التطبيق يجعل مطلب الكورد إنشاء دولة مطلباً غير قابل للتطبيق، بما في ذلك تعثّر ولادة الدولة الأرمنية واعتراض أي دولة عليها، وهو ما يقود إلى معاهدة أو اتفاق لضمان التنفيذ. فقد كانت بريطانيا مدركة أن الكورد سينحازون إلى الطرف المسلم إذا ما نشبت أي معركة جديدة يكون الأتراك طرفاً فيها، بما في ذلك مع الأرمن، وفيها يكون لبريطانيا مبرر معقول لتقول لهم: «إنكم ضيّعتم الفرصة»، رغم أن بريطانيا سعت بكل جهدها لإنجاز الدولة! وقد تكلم الرائد البريطاني ميجر نوئيل في هذا الموضوع محذراً الرموز الكوردية من أن أقل محاولة مسلحة كردية تعرّض القضية الكوردية، الحائزة الآن رضا الدول الأوروبية، لمخاطر شديدة، وقصد من كلامه أن مؤتمر فرساي في باريس عام 1919م هو من سيجد حلاً للقضية الكوردية. وقد أُخذت تصريحات البريطانيين ووعودهم على محمل الجد، وهي لا تختلف عن وعود العثمانيين والفرس في السابق.
كانت الظروف التاريخية والسياسية التي مرت بها تركيا خلال الحرب العالمية الأولى قد دفعت السلطان العثماني «وحيد الدين» إلى إصدار فرمان بتعيين الجنرال مصطفى كمال أتاتورك، المولود عام 1881 في مدينة سالونيك، والياً على ولاية «أرضروم»، الأمر الذي أكسبه نفوذاً عسكرياً وسياسياً وإدارياً مكّنه من خلق قوة محلية منظمة قادرة على التحرك في وجه قوات الاحتلال الإيطالية والفرنسية والإنكليزية. فقد كانت القضية العاجلة برأيه ليست إحياء الإمبراطورية العثمانية أو استرداد ولاياتها المفقودة، بل إنقاذ تركيا من الخراب والدمار والموت.
تحوّل مصطفى كمال إلى التحرك سراً لإطلاق حركة مقاومة شعبية ضد الاحتلال الأجنبي، وتألفت في العاصمة إسطنبول عدة جمعيات سرية هدفها سرقة الذخائر والأسلحة من المستودعات الخاضعة لإشراف القوات الحليفة وإرسالها إلى الأنصار في الجبال، الذين بدؤوا يشنون حرب عصابات نشيطة على قوات التحالف.
ربما وجد الصدر الأعظم فريد باشا (المعيّن من قبل الحلفاء) أن هذه الحركة موجهة ضده لإضعافه، ووجد مصطفى كمال أتاتورك أن السلطان يريد إرضاء الإنكليز بأي ثمن على حساب الشعب التركي. وكانت فرصة تمناها الصدر الأعظم فريد باشا لإلقاء القبض على الجنرال مصطفى كمال عن طريق الجنرال «كاظم قره بكر»، قائد جيش في ديار بكر، إلا أن الأخير رفض أمر السلطان خلال اجتماع عُقد في أرضروم عام 1919، معتقداً أن الشرف العسكري التركي هو ما يجب أن يسمو على الخيانة. واختير الجنرال مصطفى كمال رئيساً للجنة الوطنية، فرفض أي نوع من الحماية أو الوصاية الأجنبية.
أدرك أتاتورك عبء المسؤولية لتحرير بلاده، وهناك قوميات ثائرة، مثل القومية الكوردية، تريد الاستقلال في دولة خاصة بها في شرق تركيا، وذلك ما يتعارض مع أحد قرارات مؤتمر أرضروم الذي يقول: «لا يجوز أن تُمنح الأقليات غير العثمانية أي امتيازات أو حقوق تضر بسيادة الأمة التركية أو بكيانها الاجتماعي». ولم يُطلع الكورد عليه، لأن الوقت لم يكن ملائماً لإثارتهم، بل كان الوقت وقت استمالة كل العشائر الكوردية التي راسلها مصطفى كمال للوقوف معه في ساعة الامتحان، حتى بعد معرفتهم أن الصدر الأعظم فريد باشا قد عزل مصطفى كمال من القيادة وجرّده من رتبته العسكرية، بل وحُكم عليه بالإعدام.
اتهم الجنرال المخلوع والمحكوم عليه بالإعدام مصطفى كمال أتاتورك الصدر الأعظم فريد باشا وحكومته بأنها هي التي شرعت في تقسيم الوطن، مقدّمةً الدعم المادي للحركة الانفصالية في كوردستان. ومما يدل على أن «أتاتورك» عدّ هذه المسألة وطنية وحيوية جداً أنه زار «أنقرة»، وتناول في كلمة ألقاها أمام أعيان المدينة في نهاية أيلول 1919 حدود تركيا، فقال إنها تضم الأراضي التي كانت واقعة فعلاً تحت سيطرة الجيش التركي يوم الهدنة مع بريطانيا في 31 تشرين الأول عام 1918، وهي تبدأ من مركز ساحلي يقع إلى الجنوب من خليج لواء «الإسكندرونة»، ثم تمر عبر مدينة «أنطاكية» ومنها إلى «حلب»، وعبر ممر سكة الحديد إلى «قطمة» التي تصل إلى نهر الفرات إلى الجنوب من مركز طرابلس، ومنها تنحدر إلى ولاية «دير الزور»، ثم تتجه شرقاً لتضم الموصل وكركوك والسليمانية ضمن الحدود. الأمر الذي أقنع كل تركي يريد لدولته أن تدوم، وأسهم في وصول الصدر الأعظم «علي رضا باشا» بدلاً من فريد باشا الذي عدّه الأتراك خائناً للتراب التركي.
ولعل مما كانت تحمله قلوب الأتراك على المحتلين الأجانب أن الإنكليز، بعد أن استولوا على كوردستان الجنوبية (العراق)، قمعوا ثورة الشيخ محمود الحفيد بقسوة ومن دون أن يعترفوا للكورد بحقوق، لكنهم أيّدوا في الوقت ذاته الحركة الكوردية في تركيا وسيلةَ ضغط على الكماليين لدفعهم إلى تقديم تنازلات أخرى.
وبدورهم قدم القوميون الأتراك الدعم للكرد في نضالهم ضد الإنكليز في كوردستان الجنوبية (العراق). وبهذا الشكل لم تشارك الجماهير الكوردية في الحركة المعادية للأتراك، بل جُهّز شباب كرد للدفاع عن الدولة التركية. ووجدها مصطفى كمال فرصة للاجتماع بزعماء عشائر عربية وكردية وأذربيجانية لمحاربة الأرمن الذين يطالبون بانتداب أمريكي على تركيا، وهي محاولة لتبرئة دول الحلفاء الثلاث (بريطانيا وفرنسا وإيطاليا) من تهمة الاحتلال، بعد أن وطئ جنودها التراب التركي، وكأن الولايات المتحدة الأمريكية محايدة ومهتمة باستقرار الأمن في تركيا، وهو ما رفضه مصطفى كمال دون أن يذكر اسم الانتداب الأمريكي. وكان مما قاله الزعيم التركي مصطفى كمال إنه يقبل بتشكيل «قوة إسلامية» تحت زعامة من يختارونهم للدفاع عن أرض الإسلام والخلافة الإسلامية، وكأن كلامه مبادرة أخرى لسلام تركي - كردي لتحجيم الدور الأرمني أولاً، ومعاقبة الغزاة اليونانيين ثانياً، حتى بدا للشعب الكوردي في هذه المرحلة أن له الأصدقاء أنفسهم والأعداء أنفسهم الذين يناصبون العداء للشعب التركي. وذلك ما دفع مصطفى كمال إلى إطلاق وعود بشأن الاعتراف بحقوق الكورد القومية كي يحافظوا على سلطتهم في كوردستان، وقد صدّق هذه الوعود عدد كبير من القادة الكورد! وكان في ذهن أتاتورك أن اللعبة السياسية ممكنة مع بعض دول الحلفاء، وخاصة مع الدولة التي خسرت نفط الموصل غيلةً (فرنسا).
أجزاء «الشيخ محمود الحفيد» (12 جزءاً):