الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الشيخ محمود الحفيد (الجزء التاسع)

من محاضرات «شخصيات كوردية» – 2018

عودة الشيخ محمود الحفيد إلى السليمانية في تموز عام 1923م

حين أقدم البريطانيون على سحب قواتهم الموجودة في السليمانية، لم يكن أمامهم خيار سوى أن يمنحوا المفتش الإداري في كركوك، أدموندز، صلاحيات واسعة للتصرف في شؤون المنطقة من جميع النواحي. وكان موقف أدموندز من الشيخ محمود الحفيد يتلخص في تركه حيث هو دون إثارته أو التحرش به، مع التلويح ضده بالقوة إذا تطلب الأمر ذلك. وكان أدموندز، خلال الحقبة التي أعقبت خروج الجيش البريطاني من السليمانية في 17 حزيران 1923، يتصرف حاكماً وحيداً في المنطقة، إذ كان يشرف على إدارة قضاء جمجمال، الذي تعرّض لأعمال عنف واضطرابات بسبب سوء تصرف الموظفين المشرفين على الأمور هناك، مما حدا بأدموندز إلى التدخل ووضع حد لتلك التجاوزات، فألقى القبض على القائممقام أمين رشيد آغا ومعاونه مجيد أفندي وعدد من أتباعهما في الأول من تموز 1923، لعلاقتهم بحوادث العنف وقطع الطرق الخارجية، وعيّن بدلاً منهما وهاب بك، الذي عُرفت عنه خبرته في الشؤون الإدارية والضريبية، فضلاً عن معرفته بشؤون المنطقة العامة. ومن مظاهر إعادة الأمور إلى نصابها في المدينة أن وهاب بك تمكن من إعادة بعض المسروقات والمنهوبات.

ولغرض السيطرة على بعض المناطق التي كانت تحت هيمنة الشيخ محمود الحفيد، دُمجت ناحيتا قره داغ وسەنگاو الجنوبيتان، اللتان كانتا تحت نفوذ سادة البرزنجة، وعُيّن لإدارتهما الشيخ عبد القادر، ابن عم الشيخ عبد الكريم قادر كرم. أما حلبجة فقد قُسّمت المهام الإدارية فيها على رؤساء البگزادة من الجاف، فنال منصب القائممقام أحمد بك ابن السيدة عادلة خان، ومعاونه حميد بك، وتعهدا بإخراج أي وكيل يرسله الشيخ محمود الحفيد إلى المنطقة، وخُصّص لهما راتب شهر مقدماً ومبلغ للنثريات. ومن الإجراءات الأخرى التي اتبعها أدموندز للحد من نشاط الشيخ محمود الحفيد في أنحاء بشدر أنه واصل الاعتماد على مساعي بابكر آغا في هذا الاتجاه، مقابل صرف مخصصات للقيام بهذه المهمة، وكان أدموندز خلال هذه الحقبة على اتصال دائم ببابكر آغا.

وفي الوقت نفسه بدأت تلوح في الأفق قناعات لدى العديد من الوطنيين الكورد بأن مستقبل كوردستان أصبح يمر عبر ربطه بالمملكة العراقية، على أنهم كانوا يأملون من الحكومة العراقية أن تكون حكومة تقوّي ولاءهم لها، وذلك لا يتم إلا من خلال الاعتراف بكيان الكورد كافة، وبحقوقهم على نطاق شعبي لا فردي، وألّا تنظر إليهم الحكومة من زاوية أنهم أفراد لهم من الحقوق ما للعرب الذين يشكلون الأغلبية، أي أن تؤخذ بنظر الاعتبار خصوصيتهم ككرد في ظل حكم عربي.

ومن الجدير بالذكر أن المصادر البريطانية أشارت إلى أن صحيفة «أميد استقلال»، الناطقة باسم حركات الشيخ محمود الحفيد في تلك المرحلة، خففت من وطأة هجومها على الملك فيصل الأول، كما خففت من حدة نشاطها المعادي للبريطانيين، ولا سيما في عددها الرابع عشر، حين كان رفيق حلمي يديرها.

وتجدر الإشارة إلى أن العديد من الشيوخ الكورد أصبحوا على قناعة بضرورة التخلي عن الموقف المضاد للبريطانيين والحكومة العراقية، وكان من بين هؤلاء الشيخ قادر (شقيق الشيخ محمود الحفيد)، الذي سبق أن كان إلى جانب أخيه في أحداث عامي 1919 و1922، إذ كان ساعده الأيمن. ويبدو أن تلك القناعات استجدّت بعد ضغوط بريطانية كان الغرض منها عزل الشيخ محمود الحفيد عن الحركة الكوردية التي عُرف عنها اعتدالها، فضلاً عن السنوات الصعبة التي مرت بالمنطقة منذ عام 1919 بسبب المجابهة بين الشيخ الحفيد والبريطانيين. وأفلح أدموندز في إقناع الشيخ قادر بترشيح نفسه لعضوية المجلس التأسيسي. ويشير أدموندز إلى أن البريطانيين استفادوا من ذلك الترشيح، بعد فوز الشيخ قادر بعضوية المجلس، أمام الهيئات الدولية، على أساس أن الشيخ محمود لا يمثل الرأي العام الكوردي.

وإذا كان الدافع من وراء إشراك الزعماء الكورد في المجلس التأسيسي التأثير في جوهر حركة الشيخ محمود الاستقلالية، فإن دافعاً آخر كان وراء ذلك الإشراك، تأسيساً على توجس بريطاني من انعقاد المجلس التأسيسي في غياب مساندة لموقف بريطانيا ترجّح كفة الموافقين على تطبيق المعاهدة العراقية - البريطانية. وهذا نابع من قناعة بريطانية بمخاوف الكورد من حكم عربي غير مقيد، وبذلك فإن تصويت الكورد إلى جانب المعاهدة سيرجّح الكفة لصالح إبرامها وإزالة العراقيل أمام مرورها، فضلاً عن بقاء اليد البريطانية هي العليا في البلاد.

كان للضربات العسكرية البريطانية الموجهة إلى الشيخ محمود الحفيد آثار عدة؛ فإضافة إلى الخسائر البشرية والمادية التي مُني بها، وانفراط مريديه عنه وتسليم أنفسهم للقوات البريطانية، فقد فقدَ الشيخ محمود الحفيد عدداً من ضباطه المخلصين لشكّه في ولائهم، ومن أبرز أولئك صالح زكي صاحبقران، الذي أقاله من القيادة العامة للجيش الوطني الكوردي وعيّن بدلاً منه ماجد مصطفى. إلا أن تلك الآثار السلبية لم توقف تطلعاته عند حد معين، إذ سعى للعودة إلى السليمانية بمجرد انسحاب الرتل البريطاني منها، وراح أتباعه يدخلون المدينة لتمهيد سبيل عودته إليها، ولم يدخلها شخصياً إلا في الحادي عشر من تموز 1923.

حين عاد الشيخ محمود الحفيد إلى السليمانية عمّ أرجاء المدينة اضطراب وخوف شديدان، الأمر الذي استوجب على الشيخ محمود توجيه نداء إلى المواطنين يدعوهم فيه إلى المحافظة على الهدوء والشجاعة، ويطلب من المواطنين الذين نزحوا من المدينة العودة إليها، والابتعاد عن العداوة، مؤكداً لهم أن «كل الكورد إخوة».

ومن ردود الأفعال التي تزامنت مع دخول الشيخ محمود الحفيد مدينة السليمانية إعلانُ مجلس الوزراء العراقي، في الحادي عشر من تموز 1923، قراراً يخص القضية الكوردية تضمّن ثلاثة محاور هي:

  1. الإعلان عن عدم اعتزام الحكومة العراقية تعيين موظفين عرب في الأقضية والنواحي الكوردية، إلا في نطاق بعض الاختصاصات الفنية التي لا تتوفر في تلك المناطق.
  2. ترك حرية استخدام اللغة العربية في المخاطبات الرسمية للمواطنين الكورد، والسماح لهم باستخدام اللغة الكوردية في تلك المخاطبات.
  3. تأكيد الحكومة العراقية حرصها الشديد على صيانة حقوق الأهالي والطوائف الدينية والمدنية في تلك الأقضية.

وجاء رد الفعل البريطاني على أعلى المستويات، إذ أكد وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل، في خطاب له أمام مجلس العموم البريطاني في اليوم نفسه (11 تموز 1923)، أن الكورد «سيُمنحون فرصة عملية وحقيقية ليقرروا موقفهم بأنفسهم».

ومن الواضح أن رد فعل الحكومتين العراقية والبريطانية كان يتميز بالدبلوماسية والمرونة، وهو انعطاف واضح في سياسة الحكومتين تجاه التهديد الذي كان يشكّله الشيخ محمود الحفيد ضدهما، ولا تفسير لتلك المرونة سوى أن الظروف السياسية كانت تقتضي نوعاً من الدبلوماسية في التعامل مع حدث من ذلك النوع.

أما على الصعيد الإقليمي (الداخلي) لمنطقة كوردستان، فقد كانت الظروف تفرض على القادة البريطانيين هناك عدم الاصطدام المباشر مع الشيخ محمود الحفيد، إذ منحوه إمكانية البقاء في السليمانية على أمل التوصل إلى تسوية معه، بعد أن أصبحت الظروف الموضوعية لبقائه لا تشكل تهديداً خطيراً، فإمكانية إعادة اتصاله بالكماليين أصبحت ضئيلة لسببين رئيسين: أولهما إخراج القوة العسكرية التركية التي كان يتزعمها أوزدمير من رواندوز، وثانيهما سيطرة السيد طه الشمديناني على رواندوز ليكون حداً فاصلاً بين الحفيد والكماليين، فضلاً عن أن السيد طه أصبح مع مريديه يشكّل قوة لا يستهان بها، قادرة على الاصطدام بقوة الشيخ محمود إذا تطلب الأمر ذلك. وكان للإجراءات الإدارية التي أقدم عليها البريطانيون، بإلحاق عدد من الأقضية والقصبات بأربيل وكركوك، دور في التأثير على نفوذ الشيخ محمود الحفيد خارج إطار مدينة السليمانية، أي إن دخوله مدينة السليمانية لم يكن ذا تأثير على المدن والقرى المجاورة كما كان الحال في عام 1922. ومن خلال ما تقدم نجد أن الشيخ محمود الحفيد بعودته إلى مدينة السليمانية لم يكن قادراً على التأثير الجدي في سير الأحداث في ظل القيود التي فرضها البريطانيون بعد خروجه من المدينة في آذار عام 1923. إلا أن الموقف البريطاني لم يكن بتلك الرصانة التي يمكن أن نتصورها، إذ افتقر إلى قوة عسكرية قادرة على حسم الأمور بالشكل الذي يريدونه بعد انسحاب رتل كويه في حزيران عام 1923. ومن جهة أخرى لا بد لنا من الإشارة إلى عوامل هدم ذاتية أثّرت في إمكانيات الشيخ محمود الحفيد، إذ خسر عدداً من مقاتليه، وأُسر بعضهم الآخر، وتخلى عنه عدد غير قليل، فضلاً عن خلافاته مع ضباطه المقربين، وهذه العوامل لم تكن تسمح له من الناحية التكتيكية بالتأثير المباشر وإحداث تهديد حقيقي ضد البريطانيين. وبذلك أصاب الموقف بين الشيخ محمود والبريطانيين، من كل جوانبه، الجمودُ والترقب وخشية المغامرة.

إن بقاء الموقف على حاله لم يكن يروق للبريطانيين، وهذا ما استدعى أن يبذل البريطانيون محاولة لتحريك الموقف تجاه الشيخ محمود الحفيد بحذر شديد، لتجربتهم السابقة معه، إذ عرفوا عنه إصراره وطول نفَسه في المواجهة. لذا سعى المفتش الإداري في كركوك (أدموندز) إلى استحصال موافقة رسمية لإرسال خطاب إلى الشيخ محمود الحفيد، سبق له أن أعدّه، يحذّره فيه من مغبة التدخل في شؤون المدينة، وسافر أدموندز إلى بغداد في 17 تموز 1923 للحصول على الموافقة الرسمية بذلك، ومما جاء في ذلك الخطاب:

«لقد طرق سمعَ المندوب السامي البريطاني أنك عدت إلى السليمانية، لذلك أمرني بإبلاغك أن كل التدابير قد اتُّخذت لإدارة أقضية (رانية، قلعة دزه، جمجمال، قره داغ، وسەنگاو)، فضلاً عن ناحية ماوەت، وأن أعلن عليك ألّا تتدخل بأي شكل كان في شؤون المناطق المذكورة آنفاً، أو في القرى التي تعود لسادة سرگلو، فإن خالفت، لا سمح الله، هذه التعليمات وتدخلت في شؤون المناطق المذكورة، أو قمت بدسّ الدسائس ضد الحكومة بوسائل أخرى، فستُتّخذ بحقك أشد التدابير. أما في الوقت الحاضر فإن فخامة المندوب السامي لا ينوي اتخاذ أية إجراءات ضدك، شريطة ألّا تتدخل في شؤون المناطق المارّ ذكرها، وألّا تأتي بأعمال معادية».

لم يمضِ وقت طويل على وجود الشيخ محمود الحفيد في السليمانية حتى تمكن من استعادة بعض قوته، وعاد أنصاره لدعمه، وهو الذي لم يكن قد تعوّد الاستماع إلى الأوامر والتوجيهات البريطانية، فبادر إلى اتخاذ خطوات تكفل له إعادة سيطرته على بعض المناطق الكوردية التي كان يسيطر عليها قبل دخول القوات البريطانية إلى المنطقة، إذ حاول في أوائل آب 1923 احتلال مدينة حلبجة، الأمر الذي أثار المخاوف البريطانية مجدداً من استشراء أمره في المنطقة، فكان الرد البريطاني عنيفاً حين قصفت الطائرات البريطانية المقاتلة مدينة السليمانية في 16 آب من العام نفسه 1923 من دون سابق إنذار، على إثر محاولة الشيخ التدخل في ماوەت. ويشير أدموندز إلى أن قوة مسلحة تحت قيادة صهر الشيخ محمود (محمد غريب) كانت قد دخلت حلبجة في اليوم نفسه (16 آب 1923)، إلا أنها سرعان ما انسحبت بعد القصف الجوي للسليمانية مباشرة.

ومن المفارقات التي واجهت البريطانيين في ظل تلك الظروف تخلّي رجال البگزادة من الجاف عن تعهداتهم للبريطانيين بالدفاع عن المدينة، على الرغم من أنهم كانوا يتقاضون مخصصات لهذا الغرض. وتشير المصادر البريطانية إلى أن عدداً من أسرة البگزادة من الجاف كانوا على علاقات مستمرة مع الشيخ محمود الحفيد، واشترك في إحدى الزيارات للشيخ محمود الحفيد كل من أحمد وعزة (ابني السيدة عادلة خان)، وكان المفتش الإداري البريطاني في كركوك على علم بتلك الزيارة، وحين فاتحهما في الأمر لم يقتنع بالمبررات التي قدّماها له، وهذا ما أثار خشية المفتش الإداري على ولاء تلك الأسرة للسلطة البريطانية. ويبدو لنا أن تلك الأسرة كانت على علاقة مع الشيخ محمود الحفيد في الوقت الذي كانت فيه تتقاضى مبالغ من البريطانيين مقابل حمايتها لمدينة حلبجة. وهذا الأمر يكشف لنا أن الشيخ محمود الحفيد، على الرغم من دخوله في مجابهة حامية الوطيس مع البريطانيين، لم يكن معزولاً عن الأسر المتنفذة في المنطقة والزعماء الكورد، بمن فيهم الذين ارتبطوا بشكل أو بآخر بالبريطانيين.

أدت الضربات البريطانية الموجهة إلى مدينة السليمانية والمناطق المجاورة لها، التي يوجد فيها الشيخ محمود، إلى خلق حالة من التوتر السياسي والاجتماعي، فضلاً عن آثارها على الصعيد الاقتصادي. وأدى هذا الواقع غير الطبيعي في المنطقة إلى وضع الشيخ محمود في موقف محرج، تجسّد في مطالبة السلطات البريطانية إياه بمغادرة مدينة السليمانية، فإن انصاع لها فسيكون في موقف أكثر حرجاً أمام مريديه ومناصريه، بينما يزيد بقاء الوضع على ما هو عليه من تدهور الواقع الاجتماعي المتردي الذي تعيشه المدينة، إذ بدأ السكان بالخروج من المدينة إلى مناطق الجبال خوفاً من القصف الجوي، أو من بطش أعوان الشيخ ومطالبتهم بضرائب وإتاوات لا يتمكنون من دفعها بسبب الشلل الذي أصاب التجارة والزراعة بفعل آثار الحرب. ومن جانب آخر فإن ذلك الواقع المتدهور سيخلق شقاً من الخلاف بين الشيخ محمود وغيره من الزعماء الكورد لا يمكن تجنبه بسهولة، فضلاً عن أن ظروف الشيخ محمود من جميع أوجهها لا تحتمل الاصطدام بأيّ من أقرانه. فسعى إلى الخروج من ذلك المأزق عن طريق الاتصال بالمفتش الإداري البريطاني في كركوك برسالة خطية حملها صهره الشيخ محمد غريب، أوضح فيها موقفه داخل المدينة الذي يمنعه من مغادرتها، وأكد في الوقت نفسه أنه راغب في تنفيذ المطالب البريطانية، ثم اقترح حلاً يرضي الطرفين، بأن تجري مقابلة في قادر كرم أو كفري بينه وبين من يمثل البريطانيين، للاتفاق على الإجراءات الكفيلة بتنصيب وكيل بريطاني في السليمانية لإدارة شؤونها، ليتسنى له المجيء إلى بغداد. وقد جوبه طلب الشيخ محمود الحفيد بتعنّت بريطاني شديد، إذ رفض المسؤول البريطاني في كركوك مقابلة الشيخ محمد غريب أو تسلّم رسالة الشيخ محمود. وتشير المصادر البريطانية إلى أن تلك الرسالة لم تكن الأولى، إذ سبق أن بعث الشيخ محمود برسائل مماثلة لم تجد إصغاءً لدى المسؤولين البريطانيين.

إن عدم استجابة البريطانيين لنداءات الشيخ محمود الحفيد يمكن النظر إليه من زاوية قناعتهم بأن تلك الخطابات المتكررة مجرد مناورات سياسية أصبحوا على دراية بها من خلال تعاملهم مع الشيخ محمود الحفيد، فضلاً عن أن التقارير البريطانية كشفت فيما بعد أن البريطانيين كانوا أمام خيار واحد هو إخراج الشيخ محمود من السليمانية، لترتيبات سياسية داخلية، وأخرى تتعلق بعلاقته مع الكماليين.

وبعد هذه الجولة من المغازلات السياسية والاتصالات غير المثمرة، عاد الشيخ محمود لفرض سيطرته على مناطق قريبة من السليمانية في تشرين الثاني 1923، فحقق نجاحاً محدوداً ولمدة غير طويلة، وكانت الطائرات البريطانية المقاتلة له بالمرصاد، فقصفت قواته ودمرتها.

حاول الشيخ محمود الحفيد الضغط سياسياً على الحكومة البريطانية، فعدّ قصفها للقرى والقصبات التي يوجد فيها أنصاره خرقاً لمعاهدة لوزان عام 1923م، وسعى إلى تدخل الجانب التركي ولفت نظر الحكومة البريطانية إلى ذلك. وعلى هذا الأساس قدمت الحكومة التركية في 18 تشرين الثاني 1923 احتجاجاً شديد اللهجة إلى المندوب السامي البريطاني في إسطنبول على القصف البريطاني، فردّ المندوب السامي البريطاني هناك على تلك الادعاءات مؤكداً أن ذلك القصف الجوي لا يُعدّ خرقاً للمعاهدة، وأن ولاية الموصل من الناحية القانونية لم تزل تحت الاحتلال البريطاني، وأن العملية المشار إليها هي في حقيقتها إجراء إداري احترازي محلي، اتخذته القوات البريطانية للحفاظ على الأمن العام الذي استدعاه الخطر الكامن في تصرفات بعض الخارجين على القانون.

أصبح واضحاً للقيادة العسكرية البريطانية في العراق أن المواجهة مع الشيخ محمود الحفيد تأخذ منحى آخر أكثر خطورة، إذ يدل الاحتجاج التركي الآنف الذكر على أن الشيخ محمود الحفيد بدأ ينسّق مواقفه مع الترك بغية إحراج البريطانيين محلياً ودولياً. وعلى هذا الأساس أصبحوا مقتنعين بأن ضرب الشيخ محمود وأعوانه ضربة تدميرية أمر لا مفر منه، على الأقل لتشتيت قواته وإنزال أكبر الخسائر الممكنة في صفوف أتباعه، فصدرت الأوامر بضرب السليمانية مقر الشيخ محمود آنذاك، إذ أبرق مكتب المندوب السامي إلى المفتش الإداري في كركوك (أدموندز) البرقية التالية: «نظراً لأن الشيخ محمود خرق الشروط المفروضة عليه مرات عدة، ولتواتر الدلائل على نياته العدوانية، فقد اقترح فخامته استنفار القيادة الجوية البريطانية لقصف السليمانية بعد الإنذار الاعتيادي طبعاً».

لقد كانت تلك البرقية تحقيقاً لآمال عدد من الضباط البريطانيين المتحمسين لمعاودة قصف مقرات الشيخ محمود الحفيد، وفي مقدمتهم أدموندز الذي كان يمثل جناحاً من الضباط البريطانيين في العراق يعتقدون أن الشيخ الحفيد لا يمكن التفاهم معه إلا باستخدام القوة.


أجزاء «الشيخ محمود الحفيد» (12 جزءاً):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن
  9. الجزء التاسع (هذا الجزء)
  10. الجزء العاشر
  11. الجزء الحادي عشر
  12. الجزء الثاني عشر

→ الجزء الثامن  |  الجزء العاشر ←