الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الشيخ محمود الحفيد (الجزء الثاني)
من محاضرات «شخصيات كوردية» – 2018
الشيخ سعيد البرزنجي
كان ظهور الشيخ سعيد البرزنجي الحفيد مركزَ قوة في كوردستان العراق أيام السلطان العثماني عبد الحميد دليلاً آخر على سياسة اللامركزية التي كان يتبعها السلطان عبد الحميد تجاه الكورد، خلافاً لسياسة عصر التنظيمات المتبعة قبله، ولسياسة المركزية المفرطة التي حاول الاتحاديون الأتراك فرضها على الكورد بعده. ولسنا هنا بصدد عرض تفصيلي للأحداث التي أدت إلى ظهور الأسرة البرزنجية (السادات)، ولا لتلك التي واكبت حياة الشيخ سعيد البرزنجي الحفيد واغتياله في ظروف لا تزال غامضة، لأن دراسة الأستاذ الفاضل محمد رسول هاوار المسماة «شيخ محمود الحفيد»، المستندة أساساً إلى بعض المخطوطات ومذكرات المعاصرين للشيخ سعيد وابنه الشيخ محمود (خاصة مذكرات الشيخ رؤوف ابن الشيخ محمود، وكتاب «گەنجینەی مەردان» للشاعر وفائي)، هي دراسة شاملة، وتحليل يتصف بالموضوعية. ولكننا سنحاول هنا تسليط مزيد من الضوء على الأحداث، وسنعرض بإيجاز الأسباب التي دفعت الاتحاديين إلى نفيه إلى الموصل ثم اغتياله هناك، في ضوء بعض الوثائق البريطانية والعثمانية ذات الصلة بالموضوع والتي نُشرت مؤخراً، ونعرض للقارئ الكريم بعض هذه الوثائق الواردة في كتاب المؤلف محمد رسول هاوار «الشيخ محمود الحفيد».
إن الشيخ سعيد البرزنجي الحفيد هو حفيد كاكه أحمد العلّامة ورئيس الطريقة القادرية، وهو من أسرة السادات البرزنجية التي يعود أصلها إلى الأخوين الشيخ عيسى والشيخ موسى، ويعتقد السادات أنهم في الأصل من سلالة موسى الكاظم. وترك الشيخ سعيد البرزنجي عدة أولاد، منهم ولده الشيخ محمود الحفيد الذي أدى دوراً بارزاً في الحركة الكوردية في النصف الأول من القرن العشرين. وقد أدى الشيخ سعيد، أسوة بشيوخ الطريقة الآخرين في كوردستان، دوراً مهماً في تعبئة الكورد وقيادتهم في حروب السلطان العثماني عبد الحميد مع الروس، خاصة حرب 1877 – 1878م، فأكرمه السلطان بإقطاعه بعض الأراضي السَّنية (الحكومية)، أي الأميرية، في لواء السليمانية. وفي عام 1899م استُدعي إلى إسطنبول إثر نزاع بينه وبين الطالبانيين، وفي أثناء إقامته هناك، وعلى عادة السلطان العثماني عبد الحميد في التقرب من شيوخ الطرق الصوفية في الدولة العثمانية، قرّبه السلطان إلى حاشيته. وصادف أن مرض أحد أبناء السلطان عبد الحميد، فدعا له الشيخ سعيد فشُفي من مرضه. ويقال أيضاً إن السلطان كان يعيش دوماً هاجس الاغتيال، وكان يلبس طلسماً (دعاءً) يعرفه الكورد باسم «كوڵەبەند» أعطاه إياه الشيخ سعيد، وقد أنقذه، حسب اعتقاد السلطان العثماني، من محاولة اغتيال خطيرة تعرّض لها على يد العصابات الأرمنية في مطلع القرن العشرين. وكان السلطان قد أعطى الشيخ سعيداً رموز الشفرة السرية الخاصة للاتصال به، وكان على اتصال به خاصة في أثناء الأزمات، ويطلب منه الدعاء له.
إن هذه المكانة الخاصة التي كان يتمتع بها الشيخ سعيد البرزنجي مكّنت السادات من قدر كبير من النفوذ السياسي، ليس في لواء السليمانية فحسب، وإنما في ولاية الموصل قاطبة أيضاً. فمثلاً توسط الشيخ سعيد البرزنجي لدى السلطان، في أثناء وجوده في إسطنبول، لإعطاء لقب «الباشا» للحاج محمد الصابونجي الموصلي، أحد أعيان الموصل وعضو مجلس الرئاسة في بلديتها. أما في لواء السليمانية فتصفه التقارير البريطانية والعثمانية بأنه كان الحاكم الفعلي بلا منازع مدة طويلة.
وصاحب النفوذَ السياسي للسادات نموٌّ مطرد وسريع في قوتهم الاقتصادية، لأن السلطان كان يمنحهم الهبات على الدوام في شكل قرى زراعية تابعة للدولة. فضلاً عن ذلك استغل السادات، أسوة بشيوخ كوردستان الجنوبية وأعيانها وآغواتها، نظام الطابو لتسجيل الأراضي بأسمائهم، وشراء تلك الأراضي من الفلاحين. كما خصص السلطان للزاوية (التكية) القادرية للشيخ سعيد البرزنجي مخصصاً سنوياً مقداره (40.000) ليرة ذهبية في الشهر، وأُعفيت الممتلكات والأراضي التابعة لهم من الكثير من الضرائب والرسوم. وبذلك أصبحت عائلة السادات عائلة أرستقراطية، فضلاً عن كونها عائلة ذات نفوذ ديني كبير.
بعد مجيء الاتحاديين إلى الحكم في تركيا نهاية عام 1908م أصبحت حياة الشيخ سعيد البرزنجي الحفيد في خطر، إذ كان وجوده في السليمانية يعرقل سياسة الاتحاديين في فرض المركزية على كوردستان وإنهاء نفوذ الإسلام والعلماء والشيوخ في الدولة العثمانية، خطوةً لفرض العلمنة. وكان للشيخ سعيد الحفيد الكثير من الأعداء في لواء السليمانية وفي مركز المدينة أيضاً، فالتقت مصالح هؤلاء الأعداء مع مصلحة الاتحاديين في التخلص منه. وكان في مقدمة هؤلاء الخصوم الموظفون والقادة العسكريون الترك، من أمثال فهمي أفندي قائد الحامية العسكرية، والمدعو الدكتور ضياء، اللذين كانا يريان في الشيخ سعيد العامل المعرقل لفرض إرادة الدولة في المنطقة. وكان هؤلاء جميعاً يهابونه كثيراً، ويرونه سلطة بديلة عنهم وحامياً للكرد من سياساتهم التعسفية، ولكنهم كانوا يعرفون صلات الشيخ سعيد الحفيد الوثيقة بالسلطان العثماني، فلم يجرؤوا على التصدي له ولا حتى على مناقشته، غير أن مراسلاتهم مع الباب العالي كانت تقطر غضباً وحقداً عليه، كما سيتضح جلياً من الوثيقة المدرجة أدناه.
ويأتي تجار السليمانية وأعيان المدينة في الدرجة الثانية من حيث العداء له، فقد كان هؤلاء أيضاً يحقدون على الشيخ سعيد لكونه منافساً لهم في الجاه والثروة. فضلاً عن ذلك فإن كثيراً من صغار الموظفين في دوائر الدولة كانوا يتقربون من الشيخ سعيد كثيراً، على أمل أن يحميهم من عواقب طغيانهم وظلمهم للناس، وهذا مما أساء إلى سمعة الشيخ سعيد كثيراً، بحيث إذا وقعت أية حادثة قتل أو نهب نُسبت إلى رجال الشيخ سعيد البرزنجي. لذلك ساد استياء عام بين تجار السليمانية ووجهائها وأعيانها الذين تضررت مصالحهم نتيجة سياسات الشيخ سعيد البرزنجي الحفيد.
ويأتي الآغوات والشيوخ الكورد المنافسون في الدرجة الثالثة من حيث العداء للشيخ سعيد، بل كان للشيخ بعض الأعداء بين السادات أنفسهم، وكان عدد هؤلاء كبيراً، يحاولون كسب العشائر والمريدين والسيطرة على الأموال التابعة للطريقة القادرية، ويلجؤون في هذا الصراع إلى المسؤولين الحكوميين لكسب دعمهم على حساب الشيخ سعيد.
ونشب بين السادات البرزنجية وشيوخ الطالبانية صراع على النفوذ أيضاً؛ ففي عام 1311هـ قاد الشيخ سعيد الحفيد هجوماً كبيراً على قرى الطالبانية وأحرقها، وهذا ما دفع الشيخ علي الطالباني إلى تسجيل شكوى ضد الشيخ سعيد عند السلطان عبد الحميد، الذي دعا الشيخ سعيداً إلى إسطنبول، فمكث هناك مدة، وأقدم أنصاره في أثناء ذلك على شن هجمات على القرى الخاضعة للطالبانيين، فأحرقوا بعضها وقتلوا الساكنين فيها.
أما ألدّ أعدائه فكان حافظ محمود باشا الجاف. وكان النزاع بين الشيخ سعيد ومحمود باشا يتمحور حول نقطتين أساسيتين: أولاهما أن القسم الأكبر من الجاف كانوا لا يزالون حتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين من الكوچر (الكورد الرُّحَّل)، فكانت قوافل الجاف في أثناء مرورها في شهرزور قرب الحدود العراقية الإيرانية، عبر أراضي القبائل الكوردية، تدمّر الحقول الزراعية وتتلفها. وثانيتهما أن حافظ محمود باشا كان يفرض ضرائب كثيرة على أفراد قبيلة الجاف بوصفه رئيس عشيرة وإقطاعياً، وبما أن قسماً من الجاف (خاصة الروغزادية) كانوا من مريدي الشيخ سعيد البرزنجي، فقد اشتكوا إليه، فنقل الشيخ سعيد شكواهم إلى المسؤولين الحكوميين، فاستاء محمود باشا من هذا الفعل كثيراً، وكان جوابه: «قل للسادات أن يهتموا بأمور صلاتهم، ولا يتدخلوا في شؤون الآخرين». وفي برقية له إلى الباب العالي يشتكي محمود باشا قائلاً:
«لكن الشيخ سعيد البرزنجي وشقيقه النقيب طلبا مني المساعدة في الصراع والنزاع والفتنة والفساد -الذي وصلت أخباره إلى هناك- بينهما وبين شيوخ السليمانية. ويدّعي الشيخ أنني حين كنت محبوساً بدار السعادة نلت العفو السلطاني بمساعدة منه، وأنه في حالة عدم مساعدتي له مقابل ذلك سيعمل على تقديم معروض لما بين الهمايوني كي يبعدوني عن هنا، ويهدد بأنه سيطلب من آخرين الكتابة أيضاً في هذا الشأن. إن هؤلاء المشايخ كانوا منذ القديم محتاجين إلى عطفي وعطف آبائي وأجدادي، وتربية هؤلاء الذين لا يزيدون هم وذووهم على مئة أسرة لم تكن ذات بال، وتتوقف على إرادة سنية…».
ولكن الإدارة العثمانية في كوردستان أيام السلطان عبد الحميد كانت تساند الشيخ سعيد في هذا الصراع، واتهمت محمود باشا بخلق المشاكل والبلبلة من أجل الحصول على رئاسة قبيلة الجاف، ليحل محل أخيه قائمقاماً لقضاء گُلعنبر.
لهذه الأسباب، حين استلم الاتحاديون الحكم وحدّوا من صلاحيات السلطان عبد الحميد، فتح خصوم الشيخ سعيد البرزنجي فرعاً لجمعية الاتحاد والترقي في السليمانية، وعُيّن محمود باشا الجاف رئيساً للفرع. وطُلب من الشيخ سعيد الانضمام إلى الفرع، إلا أنه عدّهم ملاحدة وأعداءً للشريعة الإسلامية، ورفض الانضمام إلى الاتحاديين.
وبدأ فرع الاتحاد، بالتعاون مع المسؤولين الحاقدين على الشيخ سعيد، يخطط لإبعاده من السليمانية بكل السبل. فقبل شهر من إبعاده إلى الموصل اعتُقل ابنا الشيخ سعيد (الشيخ أحمد والشيخ محمود) بحجة عدم دفعهما ديوناً حكومية مترتبة عليهما، وكُتبت مضابط كثيرة باسم أهالي السليمانية تتهمه بالعداء للنظام الاتحادي. وقبل إبعاد الشيخ سعيد بثلاثة أيام نظّم أعداؤه تجمعاً أمام السراي، وأجبروا الناس على توقيع المضابط التي تطالب الحكومة بإبعاده من السليمانية، وسادت الفوضى في السليمانية ثلاثة أيام، وانتهت بإبعاد الشيخين من المدينة إلى الموصل. وتبيّن بعد التحقيقات التي تلت مذبحة السادات أن متصرف اللواء وبعض خصوم الشيخ من المسؤولين والتجار في السليمانية قد بعثوا بـ 1500 ليرة عثمانية رشوةً للمسؤولين في الموصل. فطلب الباب العالي نقله إلى الموصل بحجة أن السليمانية لم تعد مكاناً آمناً له، فجاء المدعو إبراهيم أدهم، رئيس قوة الخيالة في السليمانية، طالباً من الشيخ سعيد مصاحبته إلى الموصل.
وبعد إبعاد الشيخ سعيد جرت ملاحقات عديدة للسادات وأنصارهم في السليمانية، وصودرت أموالهم. وتصف مضبطة حُرّرت في السليمانية الوضع فيها بعد رحيل الشيخ سعيد عنها بقولها: «مع كل الأسف إن المسؤولين الحاليين في لواء السليمانية يتكوّنون بصورة أساسية من الأشخاص غير الأكفاء والانتهازيين، ومن أصحاب الأهواء الفاسدة؛ في كل خطوة يخطونها لا يقصدون إلا مخالفة الشريعة وقيم الإسلام والقوانين المرعية، وليس لهم إلا الإثراء بكل السبل الممكنة».
في شهر كانون الأول من عام 1908م وصل الشيخ سعيد مع أبنائه، وخاصة الشيخ محمود والشيخ أحمد، وأفراد حاشيته وخدمه إلى الموصل ليستقر فيها ضيفاً على الحكومة، وسكن في بيت خصصه له محمد حاجي باشا الصابونجي، وكان البيت المذكور يبعد عن السراي نحو 40 ياردة فقط. وبعد مضي أربعين يوماً على وجوده في الموصل قُتل الشيخ سعيد إثر فتنة وفي ظروف غامضة. ونستميح القارئ عذراً في إيراد تفاصيل القتل المروية في كتاب «الضحايا الثلاث» وفي مذكرات «زيوەر» وكتاب «شيخ محمود» لرسول هاوار المشار إليه آنفاً، وفي تقرير القنصل البريطاني في الموصل؛ فما عدا الاختلافات البسيطة في تفاصيل الحادث، تتفق تلك المصادر جميعها على الكيفية التي اغتيل بها الشيخ سعيد. ولا بأس من سرد الحادث هنا.
في 5 كانون الثاني عام 1909م كان الشيخ محمود الحفيد وأخوه الشيخ أحمد وشاب آخر اسمه بهاء الدين عبد الله، وكلهم شباب في مقتبل العمر، جالسين في بيت مصطفى بك، وكانت المناسبة هي العيد. فحسب رواية صاحب كتاب «الضحايا الثلاث» يخرج بهاء الدين وهو سكران إلى البازار (أما حسب تقرير القنصل البريطاني في الموصل فيرسل بهاء الدين أحد الفرسان الكورد لجلبها)، وتحدث هناك بينه وبين امرأة موصلية (يقال إنها كانت عاهرة) مشادة كلامية، فتكون تلك بداية تجمّع الموصليين للانتقام لشرف المرأة المهانة. ويحاول الفرسان الكورد (وهم في الأصل من كركوك، وكانوا هناك في مهمة) إطلاق النار على المتظاهرين، فتحدث معركة بين الفرسان الخيالة الكورد والجندرمة الموصليين، تنتهي بقتل 10 من الجندرمة (وحسب التقرير البريطاني قُتل ما بين 30 و50 شخصاً من الطرفين).
وفي اليوم التالي طالب علماء الموصل والموصليون بتسليم جميع الفرسان الكورد ومحاكمتهم، وبعد مقاومة بسيطة استسلمت قوات كركوك للحكومة، ولكن الوالي رفض معاقبتهم. فطالب الجمهور المحتشد بالشيخ سعيد وأبنائه، فردّ عليهم الوالي: «أنتم تعرفون أين هو، فاذهبوا وافعلوا ما تشاؤون». فقام الموصليون بالتجمع والتظاهر تحت قيادة أحد الأشقياء يدعى أبو جاسم، وهاجموا دائرة الضبطية وأحرقوا الملفات الحكومية. وفي اليوم الثالث هاجم أبو جاسم والموصليون البيت الذي كان فيه الشيخ سعيد وحاصروه، فأبدى الشيخ سعيد قلقه للوالي، إلا أن الأخير طمأنه على حياته. وفي هذه الأثناء قُتل الشيخ أحمد (ابن الشيخ سعيد) وأحد حراس الشيخ سعيد. واستُدرج الشيخ سعيد، البالغ من العمر 80 عاماً، إلى الخروج من البيت وبيده المصحف الشريف، ترافقه مجموعة من الجنود الحكوميين يسيرون خلفه، قاصداً «القوناق» مسكن الوالي ومقره (وحسب روايات أخرى دائرة السراي)، الذي كان على بعد 40 ذراعاً فقط من البيت الذي كان فيه الشيخ سعيد. ولكن الحرس رفضوا فتح الباب، وفي هذه الأثناء سقط حجر كبير (صخرة) على رأس الشيخ سعيد البرزنجي ففارق الحياة على إثر ذلك، وهاجم أبو جاسم وجماعته أتباع الشيخ سعيد فقتلوا 17 منهم، ونُهبت بيوتهم.
إن الظروف التي رافقت استشهاد الشيخ سعيد لا يزال يكتنفها بعض الغموض: فمن المسؤول عن قتله؟ هل قُتل بإيحاء من إسطنبول، أم بمؤامرة من فرع الاتحاد والترقي، أم من المسؤولين في الموصل؟ وهل قتله أبو جاسم وجماعة الغوغاء من دون إذن من أحد؟ يحاول هاوار في دراسته المفصلة عن الموضوع تغطية جميع هذه النقاط، ولكنه في الأخير يرجّح مقتل الشيخ سعيد على يد علي سعيد بك، رئيس أركان الحرب في الموصل، الذي استدرج الشيخ سعيد إلى الخروج من بيته والتوجه إلى السراي، في حين رتّب الأمر مع الحرس في السراي بعدم فتح الباب للشيخ، لإعطاء الفرصة الكافية للثائرين القتلة لذبح الشيخ سعيد وأفراد عائلته وحاشيته. وينقل هاوار عن مذكرات الشيخ قادر الحفيد اعتراف علي بك بهذه الجريمة، وأنه أقدم عليها بتوجيه من الاتحاديين.
يستند كل من هاوار والشيخ قادر إلى روايات مسموعة عن اعتراف علي سعيد بك بأنه المهندس الذي خطط لعملية الاغتيال، ولكن هذا الأمر لا يزال بحاجة إلى أدلة مكتوبة، إما وثائق عثمانية أو بريطانية، أو اعترافات مكتوبة من المشتركين مع علي سعيد بك، لحسم النقاش. علماً أن علي سعيد بك قد أنكر في مناسبات عديدة أن يكون له دور في الاغتيال. ومن الجدير بالذكر أن تقرير القنصلية البريطانية يثير عدة تساؤلات عن دور المسؤولين في الحادث، إذ أعطى الوالي للشيخ سعيد الحفيد طمأنينة وضمانات غير حقيقية.
ولماذا لم يفتح السراي أبوابه؟ وأين كان الوالي حين كان الغوغاء يحاصرون بيت الشيخ سعيد؟ وينقل تقرير القنصل عن الوالي قوله لجماعة الغوغاء: «افعلوا ما تشاؤون مع الشيخ سعيد». ولماذا لم يبادر الوالي، الذي كان على مقربة 80 ذراعاً فقط من بيت الشيخ وتحت إمرته 800 جندي، إلى حماية الشيخ؟ هذه الأسئلة معقولة، وهي تبيّن أن اتهام شخص واحد داخل الجهاز الإداري في الموصل بأنه المتورط الوحيد في الجريمة لا يحل اللغز الذي يحيط بالمذبحة.
ومن الجدير بالذكر أن الوالي قد أخبر الشيخ سعيداً، قبل الأحداث بيوم واحد فقط، بورود برقية من إسطنبول تبرئ ذمته، وأن بإمكانه العودة إلى السليمانية اعتباراً من الغد. فهل كان ذلك تمويهاً من الوالي، أم كانت هناك فعلاً نية لإطلاق سراحه؟ وهل علم أعداء الشيخ سعيد بهذا الأمر فعجّلوا بتنفيذ خطتهم للتخلص منه؟ وهل كانت هناك مراكز قوة داخل الأجهزة الإدارية في الموصل تؤيد الاتحاديين فعلاً، وأخرى لا تزال تؤيد السلطان عبد الحميد الذي كان حتى تلك الفترة هو السلطان العثماني، وإن قُلّصت سلطاته؟ يشير هاوار إلى احتمال أن تكون المذبحة ضد السادات البرزنجية في الموصل مؤامرة لإيجاد أرضية لطرد الوالي زكي باشا الحلبي، لأنه لم يكن من المقربين إلى الاتحاديين.
ولكن هاوار ينقل عن عبد المنعم الغلامي صاحب كتاب «الضحايا الثلاث»، وعن عزت كاكەيی (سكرتير الشيخ سعيد الشخصي)، والشيخ قادر الحفيد ابن الشيخ سعيد، أن تصفية الشيخ سعيد كانت جزءاً من مخطط الاتحاديين لضرب ما أسموه «رموز الاستبداد»، وبعبارة أخرى للقضاء على أنصار السلطان عبد الحميد. وهذا ما يميل إليه المؤلف وآخرون.
وفي شهر كانون الأول من عام 1909، وبعد تحقيقات مطوّلة في ملف المتورطين في المذبحة، أصدر الوالي الجديد رشيد باشا أمراً باعتقال 140 شخصاً لمحاكمتهم، فتظاهر علماء الدين في الموصل مطالبين بإطلاق سراح 100 شخص كانوا لا يزالون رهن الاعتقال. واستمرت التحقيقات أشهراً عديدة، علماً أن الشيخ عبد القادر النهري قد تدخل لدى السلطات لضمان العدالة في المحكمة. فقررت المحكمة تبرئة السادات البرزنجية، وحكمت بعد أشهر عدة من التحقيقات بسجن 50 شخصاً مدة 3 سنوات، وبإعدام 13 شخصاً. ولكن الاتحاديين في إسطنبول لم يوافقوا على القرار الصادر عن المحكمة، ولم يبقَ في السجن إلا شخص واحد فقط. كما يشير ميلكي يونغ، نائب القنصل البريطاني، إلى الطريقة «المنحازة» التي غطّت بها صحف الاتحاديين في إسطنبول المذبحة ضد السادات البرزنجية في الموصل، والتي كان معظمها ضد الشيخ سعيد. إن إلغاء قرار المحكمة الذي كان لصالح الشيخ سعيد، والأسلوب الذي غُطّي به الحدث، يوحيان بتورط الاتحاديين على المستويات العليا في المذبحة. وقد كان هناك عداء صريح يبديه باستمرار الضباط الإنكليز، من أمثال الميجر سون وأدموندز، تجاه الشيخ سعيد بصورة خاصة والسادات بصورة عامة. ويصف برترام ديكسون، نائب القنصل البريطاني في وان، الذي زار السليمانية عام 1909، الشيخ سعيداً بأنه: «أشهر عجوز في الدولة العثمانية، وأن له باعاً طويلاً في النهب والسطو بالقوة على أموال الناس، والخبير في الحيل وممارسة الابتزاز والتهديد…، وهذا أقل ما يوصف به هذا الرجل من الشناعة». ورغم هذا الموقف البريطاني المعادي للشيخ سعيد، فليس في الوثائق البريطانية ما يوحي بتورط الإنكليز في مذبحة السادات البرزنجية، بل إن جميع الأصابع في هذه التقارير تشير إلى تورط المسؤولين الحكوميين الأتراك. كما أن الفرضية التي قدمها لازاريف عن احتمال تورط الإنكليز في المذبحة، رغبةً منهم في عزل القوميين العرب، لا تنسجم مع السياسة البريطانية التي كانت تدعم العروبيين في بلاد الشام والعراق.
أدى استشهاد الشيخ سعيد البرزنجي إلى موجة عارمة من الغضب بين الكورد في جميع أجزاء كوردستان، فقد أثار قتل الشيخ البالغ من العمر 80 سنة بهذه الطريقة البشعة، وهو الذي كان في تصور الكورد أقدس رجل في الدولة العثمانية، المشاعرَ الكوردية العدائية ضد الدولة، وضد الموصليين بالتحديد، فثارت ثائرة عشيرة الهماوند الموالية للشيخ سعيد الحفيد.
وفرض مسلحوها حصاراً تاماً على المراكز الحكومية في السليمانية. وفي كركوك اجتمعت العشائر الموالية واتفقت على خطة لتشكيل جحفل من أبنائها للهجوم على الموصل، ثأراً لمن أسموه «شهيد الكورد» (الشيخ سعيد). وانقطعت الاتصالات بين كركوك والسليمانية، مما جعل الجنود والموظفين الحكوميين الترك في خطر، فأبرق الوالي في الموصل إلى متصرف السليمانية بترك المدينة فوراً والتوجه إلى كركوك. كما أبرق متصرف كركوك إلى الوالي في الموصل قائلاً إنه في حالة عدم ضمان وصول الشيخ محمود الحفيد سالماً إلى كركوك فوراً، فإن حياة الموصليين في كركوك ستكون في خطر.
وكانت الإدارة الاتحادية على وشك السقوط الكلي في كوردستان، وكان الجنود الحكوميون في لواء السليمانية يرمون أسلحتهم ويحاولون الوصول إلى كركوك. ويعزو تقرير لنائب القنصل البريطاني في الموصل الانهيار المفاجئ للإدارة العثمانية في كوردستان إلى أن معظم المسؤولين العسكريين في لواءي كركوك والسليمانية ومديري النواحي والأقضية كانوا تحت نفوذ الشيخ سعيد. ويضيف القنصل قائلاً: «وإلا كيف لا تستطيع قوة مقدارها 4000 التصدي لقوة صغيرة لا تتجاوز 400 من الهماوند؟». فأقدمت الحكومة على اتخاذ إجراءات حاسمة وسريعة؛ فبعد أن أعلنت عدم مسؤوليتها عن الأحداث في الموصل، وعدّتها نتيجة لاستفزازات أنصار الشيخ سعيد، وضعت قوات الجيشين الرابع والسادس العثمانيين في حالة تأهب تام، كما غيّرت الوالي زكي باشا الحلبي وعيّنت مكانه رشيد باشا. فصاحب الوالي الجديد الشيخ محمود الحفيد، الذي كان في حماية أحد المسؤولين الحكوميين الكورد في الموصل، إلى لواءي كركوك والسليمانية.
وحال وصول الشيخ محمود الحفيد وأعضاء وفد السادات البرزنجية الذين نجوا من المذبحة في الموصل، استقبلهم الكورد استقبالاً حافلاً، وحتى الطالبانيون، الذين كانوا من أعداء السادات البرزنجية التقليديين، تحركت عندهم الحمية الكوردية فاستقبلوا السادات في بيوتهم. ومن هناك تحرك الوالي مع السادات إلى السليمانية، وعُقد فيها اجتماع جماهيري كبير للوالي والسادات حضرته كل الوجوه البارزة في المدينة، ما عدا أعداء الشيخ سعيد الذين قاطعوا الاجتماعات، كما أقدم الوالي الجديد على نقل المتصرف ومعظم المسؤولين الكبار في السليمانية.
إن حضور الوالي بصحبة السادات البرزنجية إلى السليمانية، وإعطاءه وعداً بمعاقبة المتورطين في مذبحة السادات في الموصل، كانا بمثابة رد اعتبار رسمي للسادات، وهذا ما أقلق خصومهم في السليمانية. كما أن مذبحة السادات مهّدت الأرضية للشيخ محمود الحفيد ليصبح قائداً في كوردستان الجنوبية. إن الليونة التي أبداها الاتحاديون تجاه الأحداث في كوردستان، من نقل المتصرف واعتقال المتورطين في المذبحة في الموصل ومحاكمتهم، لم تكن دليلاً على نوايا حسنة تجاه السادات البرزنجية أو الكورد، بل كانت دليلاً على إدراكهم أن للسادات شعبية كبيرة في كوردستان، وأنهم كانوا بحاجة إلى تهدئة الأوضاع هناك، لأن حكمهم في كوردستان لم يكن قد ثبت بعد. وخير دليل على ذلك ضربُهم قراراتِ المحكمة في الموصل عُرض الحائط فيما بعد.
باختصار، فإن استشهاد الشيخ سعيد البرزنجي الحفيد مثل استشهاد إبراهيم باشا الملّي، صفحة أخرى من صفحات المواجهات الدموية بين الكورد الراغبين في الحصول على الحرية، ثم في الحفاظ على نوع من الاستقلالية المحلية في الحكم، والإدارة الاتحادية العازمة على فرض المركزية عليهم. كما أن عدم رضوخ الشيخ سعيد للاتحاديين يُعدّ صفحة من صفحات الولاء والإخلاص والوفاء من الكورد لشريعتهم الإسلامية الغراء ولسلطانهم عبد الحميد الثاني.
أجزاء «الشيخ محمود الحفيد» (12 جزءاً):