الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الشيخ محمود الحفيد (الجزء الرابع)

من محاضرات «شخصيات كوردية» – 2018

ثورة الشيخ محمود الحفيد

في شهر أيلول/سبتمبر 1922 استدعت بريطانيا الشيخ محمود الحفيد وعفت عنه للتعامل مع التهديد التركي المتنامي. لقد كان ذلك في جوهره عملاً ساخراً، الدافع إليه هو الرغبة في استخدام القومية الكوردية المتنامية متراساً ضد الدعاية التركية. فبريطانيا احتاجت إلى الشيخ محمود لأنها لم تكن تملك عملياً جنوداً تنشرهم في كوردستان، بسبب الميزانية المتشددة التي اعتُمدت في لندن.

إن لتنامي الشعور بالخصوصية الكوردية منطلقين: أولهما تنامي الوعي القومي بين الأكراد غير القبليين في المدن وفي أطراف سهل بلاد الرافدين، ولكن هذا المنطلق لم يكد يعبّر عن نفسه أبعد من المشاورات التي أجرتها بريطانيا. أما الأكثر وضوحاً وإثارة فهو الاندلاع الدوري للعنف القبلي الموجّه إلى حد كبير ضد الدولة، والذي يتصل أساساً بالامتعاض من التدخل أكثر من اتصاله بأيديولوجيا إيجابية لمصير كوردستان.

في شهر آب/أغسطس من عام 1920 وقعت الفوضى في لواء أربيل، لأن الشيخ محمود كان قد أظهر للآخرين من قبل أنه يمكن مواجهة التدخل البريطاني. وفي شهر تموز/يوليو من عام 1920 امتد العصيان المسلح عبر جنوب العراق، وهذا ما أثار «روح الاضطراب التي انتشرت صعوداً من الجنوب». وفي كوردستان أعلن اتحاد قبيلة السورچي تمرده صراحة؛ فخلال شهر نيسان/أبريل نصبت مجموعة منهم موجودة في لواء الموصل كميناً لقافلة عسكرية، ثم هاجمت عقرة. بعد ذلك ضم أقرباؤهم في أربيل جهودهم إلى جهود الأكراد الراوندوزيين المنشقين، وطردوا الموظفين السياسيين من رواندوز وكويسنجق. وانضم القسم الأكبر من الخوشناو، الذين كانوا من قبل مستعدين للتعاون مع البريطانيين، ومعهم جماعات قبلية أخرى، إلى الثوار. وفي أيلول/سبتمبر أصبحت أربيل نفسها مهددة من قبيلة السورچي، ولم ينقذها إلا وقوف قبيلة الدزەيي إلى جانب الحكومة. ولكن الأمور سارت تدريجياً إلى نهايتها بالخسارة غير المتوقعة التي مُني بها السورچيون حين هاجموا مخيماً للاجئين الآثوريين، وبحلول نهاية العام استسلم معظمهم، غير أن ذلك كشف مدى تقلّب القبائل ومدى ضعف الحكومة.

ومنذ الاستيلاء على الولاية كانت هناك مساعٍ متقطعة للإطاحة بالحكم البريطاني. فقبل ستة أسابيع من عبورهم الزاب الكبير كان اتحاد السورچي منشغلاً بنشر الدعاية التركية في كويسنجق وشقلاوة. أما في شمال الزاب فكان السورچيون بقيادة شيوخ، أبرزهم على الإطلاق عبيد الله، الذي لم يُخفِ تأييده للميول الإسلامية التركية (رغم أنها سرعان ما أصبحت تنطوي على مفارقات تاريخية)، ولا نفوره من حكم الكفار.

في شتاء 1921 بدأت اضطرابات جديدة، ففي أواسط شهر كانون الأول/ديسمبر حدث اصطدام كبير في كوردستان، في باتاس، بين الشرطة والسورچيين. بعد ذلك بدأ محمود خان دزلي في الجنوب، وهو الحليف القديم للشيخ محمود، بشن الغارات عبر الحدود على منطقة حلبجة بتشجيع من الأتراك. وفي أواخر الربيع انتفض سيد محمود، زعيم قبيلة الجباري، مرة أخرى، وانضم إليه على الفور كريم فتاح بك الهماوندي، الذي كان قد دبّر قتل الموظف السياسي البريطاني المحلي وقائد الجنود هناك. وحين طارد الجنود قبيلة الهماوند إلى جبال بشدر وجدوا أن أقوى فروع قبيلة البشدر متعاطفة مع الثوار، ولم يستطيعوا إلا مؤقتاً إعادة السلطة إلى الزعيم البشدري الموالي للبريطانيين بابكر آغا، إذ ما إن بدت السلطة البريطانية متزعزعة حتى عادت بشدر إلى صف الثوار مرة أخرى.

في هذه الأثناء شق كريم فتاح طريقه إلى رواندوز، حيث أعطى الوجود التركي نوعاً من التماسك للانشقاق القبلي في المنطقة، وحشد معظم الجماعات القبلية المؤثرة فيها: السورچي (بقيادة الشيخ عبيد الله)، والزيباري (بقيادة فارس آغا)، والبارزانيين (بقيادة الشيخ أحمد)، والخوشناو، ومن الجنوب جماعات من كفري والزنگنة. وبحلول شهر آب/أغسطس ازدادت القوات الكوردية المنشقة، بعد أن انفضّ رجال سمكو آغا الشكاك عنه إثر هزيمته في إيران.

وفي هذه الأثناء أصبحت الاستراتيجية البريطانية في العراق في مأزق، ففي الأول من تشرين الأول/أكتوبر من عام 1922 تخلت القوات البرية عن كل المسؤولية للقوات الجوية الملكية:

«إذا لم تعطِ خطة السيطرة الجوية بديلاً رخيصاً وفعالاً للاحتلال العسكري، فمن المحتمل أن يتعرض الوجود البريطاني للتقييد أو النهاية، وأن تولد المملكة العربية ميتة، وأن تنتعش قوة تركيا فتبتلع ولاية الموصل، وربما ولايتي البصرة وبغداد أيضاً».

وأمام هذه الأزمة قررت بغداد مخاطبة الشعور القومي الكوردي ضد الأتراك. وكانت قد بُذلت محاولات من قبل لإشراك البگزادة من قبيلة الجاف، الذين حكموا الأراضي المحيطة بحلبجة، في قيادة عملية «الحكم الذاتي» التي كان ثمة إجماع على أنها لا يمكن أن تؤجَّل أكثر من ذلك، غير أن البگزادة كانوا جبناء متخوفين من المراهنة على حصان خاسر.

أما الحل المثالي فكان لا يزال يكمن في إيجاد شخص يلتفّ حوله الأكراد جميعاً. لذلك تقرر في شهر آب 1922 دعوة الشيخ طه الشمديناني، الذي كان قد خسر مركزه في شمدينان، للنظر في تعيينه حكمداراً لرواندوز ورانية فور طرد الأتراك منها، وقد أُغري بإمكانية أن يصبح حاكماً للسليمانية، وبالتالي حاكماً فعلياً لكوردستان متمتعة بالحكم الذاتي تحت السيادة العراقية. ولكن الشيخ طه كان مشغول البال حينئذ بالأنفاس الأخيرة لثورة سمكو آغا الشكاك ضد طهران. وفي شهر تشرين الأول/أكتوبر 1922 عرض طه الشمديناني أن يطرد الأتراك من رواندوز ورانية بتحريض القبائل عليهم، غير أن هطول الأمطار الغزيرة طوال 13 أسبوعاً، إضافة إلى عجزه عن إثارة قبائل هكاري وحدها، وهي المساند التقليدي لأسرته، جعل المخطط يولد ميتاً.

ولم تكن بغداد قادرة على انتظار تحركات الشيخ طه، لهذا أرسلت في نهاية شهر آب/أغسطس قواتها لاسترداد رانية، غير أنها دُحرت على يد قوات أوزدمير التركية، حتى بات الموقف خطيراً جداً لدرجة أنه في الأسبوع الأول من أيلول/سبتمبر 1922 تم إجلاء كافة البريطانيين والموظفين غير الأكراد من السليمانية جواً (وهو الإجلاء الأول من نوعه)، كما عُهد بإدارة لواء السليمانية إلى مجلس منتخب.

ولو استطاعت بريطانيا إقناع السكان الأكراد بأن مصالحهم ستتحقق على نحو أفضل بالارتباط بها لا بتركيا، لتقلّص الخطر الذي كان يشكله القائد التركي أوزدمير، ولكن الاضطراب خارج رانية والانسحاب المفاجئ من السليمانية جعلا كفة الميزان تميل لصالح تركيا. وفي تلك الأثناء كانت بريطانيا بحاجة ماسة إلى قائد كردي جدير بالاعتماد عليه لتسحب يدها من النار، أما الشيخ طه فكان بطريقة أو بأخرى مشغولاً، فضلاً عن أن مكانته الرفيعة لم تكن تشمل السليمانية. ولم يكن هناك سوى شخص واحد يمتلك المؤهلات الكافية لإعادة الثقة، رغم أنه برهن على أنه غير أهل للاعتماد عليه.

في بداية أيلول/سبتمبر 1922 عُيّن الشيخ قادر، شقيق الشيخ محمود الحفيد، رئيساً لمجلس السليمانية، فأقنعت هذه الإضافة المتواضعة المدينةَ بإغلاق أبوابها في وجه الأتراك. ولكن بدا أن الشيخ محمود الحفيد، لا سواه، هو الخيار المنطقي والمرغوب فيه قائداً، وهو رأي ربما كان الشيخ قادر يتبناه أيضاً. وفي أواسط أيلول/سبتمبر استُدعي الشيخ محمود من مقر إقامته الجبرية في الكويت ليُعيَّن من جديد رئيساً للمجلس في السليمانية، الذي أُنيطت به مهمة منع الأتراك من دخول المدينة وطردهم من لواء السليمانية. وفور إعادته إلى منصبه بدا الشيخ مهتماً، لأسباب مفهومة، بإقامة مملكة كردية، فاستمال بعض الزعماء المحليين، حتى أولئك الذين في كركوك خارج نطاق سلطة السليمانية، وبحلول شهر تشرين الثاني/نوفمبر نصّب نفسه ملكاً على كوردستان. وبدأ أيضاً بالتخلص ممن عارضوه، بالاغتيال إذا لزم الأمر.

أما في المناطق الخلفية للسليمانية فبدا أن فروعاً من قبائل الجاف في حلبجة والبشدر في قلعة دزة، خصومه التقليديين في الماضي، مستعدة للتعاون معه. والأسوأ من ذلك أن الشيخ محمود قد دخل في مراسلات مع أوزدمير، القائد التركي الذي أراد منه ضمانات تتعلق بالحكم الذاتي الكوردي في ظل تركيا، والذي بدأ فعلاً في تنظيم المساندين والحلفاء، بمن فيهم سمكو آغا الشكاك على الجانب الإيراني من الحدود.

غير أن تصرف الشيخ محمود أثار عدم ارتياح بين سكان المدينة، الذين لم يحبّذوا محاولته وضع المدينة تحت السيطرة القبلية، وكذلك بين أقربائه ومسانديه الأبعد نظراً. وربما كان أكثر هؤلاء جميعاً تأثيراً ابن عمه الشيخ عبد الكريم من قادر كرم، وهي تكية مهمة في جنوب غربي السليمانية في منطقة الطالبانيين، وكان يشاطر الشيخ محمود طموحه إلى دولة كردية تحت حكم شيوخ برزنجه.

ولكنه كان قلقاً من ضيق الأفق السياسي لدى ابن عمه. فحين شعر الشيوخ الطالبانيون بأنهم مجبرون، بحكم سير الأحداث، على التخلي عن كبريائهم وإعلان الخضوع الرسمي لعدوهم اللدود الشيخ محمود، اقترح الشيخ عبد الكريم أن يكون خضوعهم مشروطاً بوعد من الشيخ محمود بالبقاء وفياً للسياسة البريطانية. ولما كان الولاء الطالباني مهماً جداً للتضامن الكوردي فقد قبل الشيخ محمود بهذه الشروط، وقد أعطى هذا بطبيعة الحال حلفاء الشيخ محمود القلقين أسباباً كافية لسحب تأييدهم له.

كان الموقف لا يزال متقلباً على نحو لا يسمح للبريطانيين بالمغامرة بعمل مباشر ضد الشيخ محمود، فاستدعوه في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1922 بموجب أمان (جواز مرور) لتوضيح نطاق سلطته، وخوفاً من الغدر أرسل الشيخ محمود شقيقه الشيخ قادر.

واعتباراً من الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1922 فصاعداً طردت العمليات الجوية الأتراك من كويسنجق وقلعة دزة، وكذلك المتمردين من رانية. ولكن النشاط الجوي، وإن سبّب إزعاجاً للأتراك، لم يكن قادراً على ضمان الأمن في المنطقة، لأن تركيا لم تتخلَّ عن مطالبتها بولاية الموصل، وهذا ما تسبب في استمرار القلاقل.

بناءً على ذلك خُوّل الموظفون السياسيون البريطانيون أن يخبروا الأعيان المحليين، بشكل غير رسمي، أن لدى بريطانيا النية في السماح للأكراد بإدارة شؤونهم. وتلا ذلك بيان رسمي يتعلق بالأكراد نُشر في بغداد في 20 كانون الأول/ديسمبر 1922، وعد بأن في استطاعة الأكراد أن يقيموا دولة كردية (في منطقة غير محددة) إذا رغبوا في ذلك. وقد كان لهذا البيان بعض التأثير، ففي 13 كانون الثاني/يناير 1923 طالبت عريضة وقّعها عدد من أعيان السليمانية بالاستقلال تحت الحماية البريطانية، ولكن مع قليل من الترحيب بالشيخ محمود ملكاً عليها.

في هذه الأثناء تلقى الشيخ محمود زيارة عدد من الضباط الأتراك في أواخر كانون الثاني/يناير 1923، وزاره أوزدمير (علي شفيق المصري) نفسه في آذار/مارس. وفي أعقاب إسقاط أوراق تحذيرية، قصف سلاح الجو الملكي المباني الحكومية في الثالث من آذار/مارس، وفرّ الشيخ محمود في اليوم التالي.

لقد انقلب التيار لصالح بريطانيا. ففي شهر نيسان/أبريل ذهب زعماء قبائل السورچي وهكاري، وحتى سمكو آغا الشكاك نفسه، إلى مقر أوزدمير في رواندوز، ولكن القبائل التي كانت تراسله من قبل كانت قد انفضّت. وأُعيد احتلال كويسنجق في أوائل نيسان/أبريل، ورواندوز بعد ذلك بأسبوعين، والسليمانية في أواسط أيار/مايو. لهذا يمكن القول إن البيان الرسمي بشأن الحكم الذاتي الكوردي قد حقق أهدافه السياسية مباشرة، إذ تزايد عدد الآغوات الذين بدؤوا يعيدون علاقاتهم مع بغداد.

وما إن احتُلّت السليمانية مرة أخرى حتى جرت محاولة لضم اللواء إلى الدولة العراقية في ظل نظام من الحكم الذاتي المحلي، يرتكز أساساً على العداء القبلي للشيخ محمود. ولكن هؤلاء المعارضين لم يجرؤوا على الحكم من دون حامية بريطانية، فلما انسحبت الحامية البريطانية بعد ذلك بشهر استقالت حكومة السليمانية الجديدة مباشرة وفرّت إلى الخطوط البريطانية. ودخل الشيخ محمود السليمانية مرة أخرى منتصراً في الحادي عشر من تموز/يوليو. أما بغداد، ففي محاولة منها لتجنب المزيد من النزاع، وعدت الشيخ محمود بأنها لن تقوم بأي عمل ضده إذا قبل بنطاق إقليمي محدود لسلطته وكفّ عن جميع الأعمال العدائية.

رفض الشيخ محمود القيود الجديدة، فقُصفت مقراته مرة أخرى في آب/أغسطس وكانون الأول/ديسمبر 1923، وأخيراً دُمّرت مقراته من الجو في أيار/مايو 1924. وفي هذه المرحلة سئم الكثير من تجار السليمانية هذا النزاع، فهجر كثير منهم المدينة إلى مدن أخرى مثل كركوك بغية الاستمرار في تجارتهم. ومن جديد فرّ الشيخ محمود إلى الجبال، ودخلت القوات العراقية والبريطانية المدينة في تموز/يوليو، وتلاها 7.000 من سكانها الذين كانوا قد هجروها مؤقتاً.

أنشأت الحكومة العراقية إدارة رخوة أدارها مؤقتاً المندوب السامي البريطاني. واستمر الشيخ محمود حتى بداية 1927 في إزعاج الحكومة بشن الغارات على المناطق المستقرة، والوقوف في وجه جباية الضرائب من القبائل الجبلية، ونصب الكمائن لقبائل مثل قبيلة الجاف في أثناء هجرتها السنوية عبر الحدود من إيران وإليها. وكان حلفاؤه الرئيسيون في ذلك القبائل التي بقيت مخلصة له، وبشكل خاص الهورامان والهماوند، اللتان ارتبط مصيرهما ارتباطاً وثيقاً بمصير شيوخ برزنجه منذ بداية القرن.

حركات الشيخ محمود الحفيد

بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى أصبح العراق تحت الانتداب أو الاحتلال البريطاني، ولما كانت خريطة العراق الحالية لا تزال في طور التكوين، حاولت تركيا استمالة الشيخ محمود الحفيد (1881 – 1956) إلى جانبها، رغبة منها في إلحاق ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية بالجمهورية التركية الحديثة، وكان سبب التركيز على الشيخ محمود الحفيد المكانة الدينية المرموقة لأسرة الحفيد في صفوف الأكراد. إلا أن الحفيد كانت له تطلعات قومية، فاتصل بالإنكليز ووعدهم بالسيطرة على الحامية التركية التي كانت لا تزال باقية في السليمانية، لقاء منحه امتيازات في إدارة شؤون المدينة، وتشكيل حكومة كردية برئاسته تكون تحت ظل الانتداب البريطاني. ونتيجة لهذا التعهد دخلت القوات البريطانية السليمانية، وعُيّن الشيخ محمود الحفيد حاكماً (حكمداراً) على السليمانية بشرط تعيين ضابط بريطاني مستشاراً له، وبدأ العمل في تشكيل الحكومة الكوردية التي وعد الإنكليز الشيخ محمود الحفيد بها طبقاً لمعاهدة سيفر لعام 1920م، حيث جاء في المادة 64 من معاهدة سيفر ما يلي:

«إذا حدث، خلال سنة من تصديق هذه الاتفاقية، أن تقدم الكورد القاطنون في المنطقة الكوردية التي حددتها المادة (62) إلى عصبة الأمم قائلين إن غالبية الأكراد من سكان هذه المنطقة ينشدون الاستقلال عن تركيا، وفي حالة اعتراف عصبة الأمم بأن هؤلاء الأكراد من السكان أكفاء للعيش في حياة مستقلة وتوصيتها بمنح هذا الاستقلال للأكراد، فإن تركيا تتعهد بقبول هذه التوصية وتتخلى عن كل حق في هذه المنطقة الكوردية. وستكون الإجراءات التفصيلية لتخلي تركيا عن هذه الحقوق موضوعاً لاتفاقية منفصلة تعقد بين كبار الحلفاء وبين تركيا. وإذا ما تم تخلي تركيا عن هذه الحقوق فإن الحلفاء لن يثيروا أي اعتراض ضد قيام أكراد ولاية الموصل بالانضمام الاختياري إلى هذه الدولة الكوردية».

لكن البريطانيين تنكّروا لبنود معاهدة سيفر، مما حدا بالشيخ محمود الحفيد إلى إعلان الثورة على الحكم البريطاني، فسيطر على مدينة السليمانية في 21 أيار/مايو 1919، وطرد القوات البريطانية من المدينة، وتمكن من أسر عدد من الضباط الإنكليز، وأعلن تشكيل دولة كردية، وأعلن نفسه ملكاً عليها، واتخذ علماً خاصاً بدولته الكوردية.

حشد البريطانيون قوة عسكرية كبيرة مدعومة بالطائرات الحربية، وتمكنت من إلحاق الهزيمة بقوات الشيخ محمود الحفيد، واعتُقل الحفيد مع صهره الشيخ محمد غريب، ونُفيا إلى الهند (جزيرة أندامان)، وبقيا فيها منفيين حتى عام 1922. ولكن البريطانيين اضطروا إلى إعادته إلى السليمانية مرة أخرى بسبب الاضطرابات السياسية التي أعقبت نفيه. وبعد رجوعه طرد الحفيد الإنكليز من السليمانية مرة أخرى في 11 تموز/يوليو 1923، ومرة أخرى تمكن البريطانيون، في أثناء حكومة ياسين الهاشمي، من إعادة السليمانية إلى حدود المملكة العراقية الحديثة، التي لم تكن حتى تلك اللحظة تضم ولاية الموصل، إذ ضُمّت ولاية الموصل إلى حدود المملكة العراقية في شباط/فبراير 1925 بناءً على توصية من عصبة الأمم.

أحدث توقيع نوري السعيد باشا، وهو من أصل كردي، معاهدة 30 حزيران/يونيو عام 1930 احتجاجاً واسعاً من قبل الأكراد، وقامت مظاهرات ضد المعاهدة وضد حكومة نوري السعيد، فقام الشيخ محمود الحفيد للمرة الثالثة بتحشيد أتباعه وطرد الإنكليز من منطقة نفوذه، وأضاف هذه المرة مذكرة إلى المندوب السامي البريطاني يطالبه فيها بإنشاء دولة كردية في منطقة كوردستان تمتد من زاخو حتى خانقين. وللمرة الثالثة تمكن الإنكليز وقوات الحكومة العراقية من إلحاق الهزيمة به، فسلّم الشيخ محمود الحفيد نفسه في 13 أيار/مايو 1931، وأُبعد إلى مدينة السماوة، ثم نُقل إلى مدينة الناصرية، وأخيراً إلى قصبة عانة، ثم سمحت له الحكومة بالإقامة في بغداد، وقررت مصادرة كافة أملاكه في السليمانية. ولم تلقَ تلك المعاهدة استنكاراً من الأكراد فقط، بل قوبلت برفض شديد من قطاعات واسعة من الشعب العراقي، بمن فيهم سياسيون كبار، ووُصفت بأنها محاولة من نوري السعيد لوضع العراق تحت احتلال بريطاني أسوأ بكثير من الانتداب. فقد قال ياسين الهاشمي: «لم تضف المعاهدة شيئاً إلى ما كسبه العراق، بل زادت في أغلاله، وعزلته عن الأقطار العربية، وباعدت ما بينه وبين جارتيه الشرقيتين، وصاغت لنا الاستقلال من مواد الاحتلال، ورجائي من أبناء الشعب ألّا يقبلوها». وقال عنها حكمت سليمان: «المعاهدة الجديدة تضمن الاحتلال الأبدي، ومنحت بريطانيا امتيازات دون عوض، أما ذيولها المالية فإنها تكبّد العراق أضراراً جسيمة دون مبرر». وقال عنها رشيد عالي الكيلاني: «إن أقل ما يقال عن هذه المعاهدة أنها استبدلت بالانتداب الوقتي احتلالاً دائماً، وأضافت إلى القيود والأثقال الحالية قيوداً وأثقالاً أشد وطأة».


أجزاء «الشيخ محمود الحفيد» (12 جزءاً):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع (هذا الجزء)
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن
  9. الجزء التاسع
  10. الجزء العاشر
  11. الجزء الحادي عشر
  12. الجزء الثاني عشر

→ الجزء الثالث  |  الجزء الخامس ←