الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الشيخ محمود الحفيد (الجزء الخامس)
من محاضرات «شخصيات كوردية» – 2018
ثورة كردية على عجل بقيادة الشيخ محمود الحفيد عام 1919م
سجّل لنا التاريخ أن الشيخ محمود الحفيد، الكوردي من محافظة السليمانية، مسلم يتقيد بآداب الإسلام، له من الخبرة السياسية والاجتماعية ما وضعه في موضع الصدارة لقيادة أبناء جلدته، وفق ما يقتضيه العرف والعادات والتاريخ والدين. وكان يعرف أن ثورته سيكون لها صدى في دوائر صنع القرار في لندن، باعتبارها أول ثورة كردية ضد المحتل البريطاني.
وقد أرادها الشيخ محمود الحفيد عام 1919، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى فعلياً. ولكن ما أبرز مواقف الشيخ محمود الحفيد السياسية التي ربما كانت السند الذي اتكأ عليه الشيخ الكبير لإنجاز حلم الكورد في دولة، وفي ذهنه أنه لا يقل شأناً عمن سبقوه من الثائرين الكورد، مثل بدرخان باشا وعبيد الله النهري؟ لقد دوّن لنا التاريخ القريب ما يلي:
- برزت الجوانب السياسية في شخصية الشيخ محمود الحفيد عندما كان الأتراك يعيدون تنظيم صفوفهم بعد وصول جماعة الاتحاد والترقي إلى الحكم نهاية عام 1908، وإزاحة السلطان العثماني عبد الحميد عن الحكم.
- اندلاع الحرب بين الروس والعثمانيين قبل الحرب العالمية الأولى، واشتراك الشيخ محمود الحفيد في الحرب ضد الروس وانتصاره عليهم، عزّز مكانته السياسية بين الأكراد ولدى الدول الطامعة في كوردستان.
- دخول الإنكليز إلى المنطقة طرفاً من أطراف الصراع، ومحاربة الشيخ محمود الحفيد لهم في معركة الشعيبة عام 1915، زاد من مكانته السياسية لدى الإنكليز، فأخذوا يتحايلون عليه لكسب تأييده لهم.
- وقوفه لاحقاً مع ثورة العراق الكبرى ضد الإنكليز، ثورة العشرين عام 1920، جعل له مكانة سياسية وعسكرية لدى الشعب الكوردي والعربي في العراق.
كان انتصار الإنكليز وهزيمة الأتراك أمراً لا يختلف عليه أحد حين أعلن الشيخ محمود الحفيد استعداده للتعاون مع الإنكليز، الذين سرعان ما استجابوا لرغبته وعيّنوه حكمداراً. ويبدو أن العلاقة بين الشيخ محمود الحفيد والإنكليز لم تدم طويلاً، إذ انقضت برحيل الميجر نوئيل عن السليمانية، فبدأت المشاكل والخلافات والكراهية تنمو بين الشيخ محمود وجماعته من جهة والإنكليز من جهة أخرى. ومنذ اللحظة الأولى التي حلّ فيها الميجر سون حاكماً سياسياً، بدأ بتحريض الناس والعشائر الكوردية على الشيخ محمود، وحاول استغلال كل مناسبة للحط من قدره والتقليل من مكانته وسمعته، وخاصة عند اجتماعه برؤساء العشائر الكوردية، في محاولة مكشوفة لتطبيق السياسة الإنكليزية «فرّق تسد». وشكّل الميجر سون قوة «الليفي» من الآثوريين وبقايا الجيش العثماني والمتخلفين عنه، وأصبح المسؤول عن قيادتها المستشار العسكري للحكمدارية الميجر مندليس، وهي لعبة مكشوفة ما دامت قوة الليفي تدين بالولاء المطلق للإنكليز ولقائدها المباشر الميجر مندليس. يضاف إلى ذلك اصطحاب الإنكليز عناصر من البلوش والهنود والأفغان وغيرهم بصفة خدم أو طباخين، وكانوا في الإجمال يسيئون التصرف مع الأهالي في السليمانية، مما استفز الشيخ محمود الحفيد وزاد من كراهيته للإنكليز.
لقد قرر الشيخ محمود الحفيد، بعد أن طفح به الكيل من التجاوزات التي ارتكبها الإنكليز بحق أهالي السليمانية، أن يلقّن الميجر سون وأتباعه درساً يضعهم تحت سطوته ويظهر لهم قوته ونفوذه، فاتصل بأحد رؤساء عشائر هورامان (محمود خان دزلي) طالباً منه التوجه برجال عشيرته إلى السليمانية في تظاهرة تحدٍّ. وعلم الميجر سون بذلك عن طريق جواسيسه، فطلب من الشيخ محمود الحفيد أن يعدل عن قراره، لكن الشيخ محمود امتنع وأصرّ على رأيه بحجة أن الزائرين يريدون زيارة قبر الشيخ كاكه أحمد الشيخ، مما جعل الميجر سون يترك السليمانية ويهرب إلى كركوك ليلة 22/5/1919، طالباً من قوات الليفي منع العشائر من دخول السليمانية. وبعد معركة خاطفة مع قوات الليفي استسلمت القوة كلها، وأُسر قائدها الميجر مندليس وعدد آخر من الضباط الإنكليز. أما الميجر سون فبعد وصوله إلى كركوك عُيّن معاوناً لقائد القوات المخصصة للقضاء على تمرد الشيخ محمود الحفيد.
وفي يوم 22/6/1919 بدأت القوات الإنكليزية بمهاجمة مواضع الأكراد في مضيق بازيان، الواقع في منتصف الطريق بين كركوك والسليمانية، فتعثرت في بادئ الأمر. إلا أن تسلل قوة إنكليزية من الفرقة الثامنة عشرة، بدلالة أحد الأكراد (مشير محمد سليمان الهماوندي)، واستقرارها خلف قوات الشيخ محمود الحفيد، هو ما ساعدها على فتح النيران على قوة الشيخ محمود بالأسلحة الرشاشة والهاونات من الخلف، فيما تقدمت المدرعات من الأمام بإسناد مكثف من المدفعية والطائرات. فهرب قسم من مقاتلي الشيخ محمود الأكراد، وقُتل قسم آخر، وأُسر الشيخ محمود الحفيد وأتباعه بعد أن جُرح مساء يوم 22/6/1919م في خندقه، الأمر الذي دعا القوة البريطانية إلى إرساله حياً إلى كركوك لمعالجة جراحه، ثم نقله إلى بغداد هو وبعض رفاقه الأسرى، حيث أُحيلوا إلى المحكمة العرفية بالتهم التالية:
- التمرد على الحكومة البريطانية وسلطة المندوب البريطاني، والتسبب في إزهاق أرواح الكثير من العراقيين.
- إنزال العلم البريطاني من على سارية دائرة الحاكم السياسي البريطاني وتقطيعه، ورفع علم كوردستان بدلاً منه.
المحكمة العرفية تحكم على الشيخ محمود الحفيد بالإعدام
أصدرت المحكمة على الشيخ محمود ورفاقه حكماً بالإعدام، وأُرسل قرار الحكم إلى لندن للموافقة عليه، غير أن الحكومة البريطانية لم تصادق على حكم الإعدام، بل أبدلته بالسجن عشر سنوات والنفي إلى الهند. ونعتقد أن من أهم العوامل التي جعلت بريطانيا تتراجع عن تنفيذ حكم الإعدام بحقه:
- تخوّف الحكومة من إثارة المشاكل والعنف في المنطقة الكوردية (كوردستان).
- أن إعدامه سيولّد الحقد والكراهية لدى الشعب الكوردي تجاه الإنكليز.
- أن إعدامه سيجعل منه رمزاً وطنياً وقومياً، والحكومة البريطانية معروفة بتخوفها الدائم من الرموز الوطنية.
- ربما فكّر الإنكليز في أنه سيأتي يوم يحتاجون فيه إلى الشيخ محمود الحفيد وهو في السجن، فيقبل التعاون معهم، وهذا ما حدث فعلاً.
- حسن المعاملة التي لقيها الأسرى الإنكليز في السليمانية من الأكراد والشيخ محمود الحفيد، وهذه شهامة الكورد المعروفة عنهم.
هكذا اجتهد الشيخ محمود الحفيد في ثورته لإخراج الكورد وكوردستان إلى الوجود. وقد يكون في حكمنا على ما أدّاه الشيخ وعشيرة هورامان بقيادة محمود خان دزلي نوعٌ من القسوة، من حيث عدم فهمهم الطرفَ الآخر ونواياه، إذ كان الصبر والحكمة، كما نعتقد، ضروريين، لأن الطرف البريطاني القوي، وهو من دين آخر، لا يتوانى عن تحديد مسار الحركة الكوردية بالطريقة التي يتصرف بها الخصوم، خصوصاً أن الشيخ محمود الحفيد كان قد تحالف بقوة مع الأتراك المسلمين، ودافع عن مصالحهم في كوردستان.
إن التقييم العام للثورة الكوردية الأولى بعد الحرب قد تناولته الأقلام العربية والكوردية بمنظار جديد، أساسه ما كان يجب أن يكون عليه الشيخ محمود الحفيد من الناحيتين السياسية والعسكرية، وهو ما نعرضه فيما يأتي.
أسباب فشل حركة الشيخ محمود الحفيد المسلحة
1. الجانب السياسي
- أ. افتقار تلك الحركة إلى أي فكر سياسي، واقتصارها على النخوة العشائرية والاندفاع وراء القيم والأعراف والمنطلقات الدينية، إذ لم يكن هناك تنظيم أو حزب سياسي، مهما كان حجمه ومنهجه، يقوم بتوجيه الحركة ويحدد أهدافها ومطالبها.
- ب. ضياع دور المثقفين وسط صخب رؤساء العشائر ورجال الدين والشيوخ وأقارب الشيخ محمود الحفيد الذين كانوا يفرضون آراءهم.
- ج. تصاعد الخلاف بين الميجر سون والشيخ محمود الحفيد نتيجة خلافات شخصية أثّرت على العلاقة بين الشيخ محمود الحفيد قائد الثورة والحكومة البريطانية، لأن الميجر سون كان يكره الشيخ محمود الحفيد لأسباب شخصية. وقد ظهر فعلاً أن دور الميجر سون والتقارير التي كتبها إلى رؤسائه كان لها تأثير كبير على مستقبل الكورد وكوردستان، كما سنرى في معاهدة سيفر عام 1920م.
- د. لم تكن هناك أهداف واضحة مرسومة للحركة الكوردية التي قام بها الشيخ محمود الحفيد، إذ كان لا يعرف بالتحديد ما يريد أن يحققه من أهداف وغايات من أجل الكورد وكوردستان. وأعتقد أن هذا غير صحيح، لأن أهدافه كانت واضحة لمستقبل الكورد وكوردستان ولوجوده في تلك الفترة التي تشكلت فيها الدول بعد تقسيم الإمبراطورية العثمانية حسب اتفاقية سايكس - بيكو، لكن الظروف السياسية لم تساعده ولم تساعد الكورد على الحصول على حقوقهم في تلك الفترة العصيبة.
2. الجانب العسكري
- أ. لم تكن هناك أي استراتيجية عسكرية، ولا حتى أي خطة تعبوية للتحرك العسكري مهما كانت بسيطة، وذلك بسبب انعدام دور الضباط في قيادة قوة الشيخ محمود الحفيد، بل كان كل شيء خاضعاً لسيطرة رؤساء العشائر.
- ب. كان الأجدر بالشيخ محمود الحفيد أن ينسحب بقواته من منطقة مضيق بازيان، ويقاتل الإنكليز بأسلوب حرب العصابات قبل أن تلحق به الهزيمة.
- ج. كان التكتيك القتالي يفرض على الشيخ محمود الحفيد استدراج القوة الإنكليزية إلى تلك المنطقة (منطقة القتل) لإحداث أكبر الخسائر في صفوفها.
- د. كان من المفروض أن يهيّئ مواقع بديلة ومتعاقبة في مضيق طاسلوجة، لضمان الانسحاب إليها في حالة ترك مضيق بازيان (القتال التراجعي والقتال في مناطق مهيأة لغرض التعويق وتأخير الإنكليز).
- هـ. ضعف الخطة الدفاعية التي هيّأها الشيخ محمود الحفيد في مضيق بازيان، إذ دافع على العارضة، بينما كان المفروض أن يدافع أمام العارضة، أو أن يضع قوات تعويق أو كمائن أو قطعات ساترة لإرباك العدو قبل المعركة الرئيسية في بازيان.
- و. عدم تحصين المواقع الدفاعية سبّب خسائر كبيرة للمدافعين نتيجة القصف المدفعي والجوي، وأعتقد أنه اتخذ الموضع الدفاعي على عجل.
- ز. عدم وجود تنظيم عسكري أو سياسي يحل محله بعد وقوعه في الأسر، وهذا ما أدى إلى فشل الحركة الكوردية. ومن المهم في كل الحركات الثورية أن يوجد لها تنظيم في الظل لاستلام القيادة والمسؤولية عند الضرورة وفي الظروف القصوى.
أجزاء «الشيخ محمود الحفيد» (12 جزءاً):