الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

في كتاب «عرب وأكراد» يحاول المؤلف السوري منذر الموصلي تناول المسألة الكوردية، وقد بذل جهداً في سبيل طرحها وفق منظوره الشخصي وموقفه. وقد لفت هذا الكتاب انتباهنا لعدة أسباب:

الأول: أن المؤلف منذر الموصلي مواطن سوري شغل مهام عسكرية وأمنية في بلاده، وينتمي إلى مؤسسة حزب البعث العربي الاشتراكي، وكان ملتزماً بها سياسياً وقومياً وأيديولوجياً. لذا فإن تصدي شخص بعثي سوري لمعالجة المسألة القومية الكوردية أمر جديد في حد ذاته، وجدير بالانتباه والاهتمام، رغم كل نقاط الاختلاف.

الثاني: أن اهتمام أصدقائنا وإخوتنا ورفاقنا من أبناء الشعب العربي بالقضية الكوردية تقدم هائل، وظاهرة إيجابية يجب أن يشجعها الوطنيون والتقدميون الكورد ويواكبوها؛ لأن القضية الكوردية ستجد حلها عن طريق استيعاب الوطنيين العرب لها وتفهمهم إياها، واطلاعهم على تفاصيلها وتطوراتها التاريخية والسياسية. فذلك هو المدخل السليم إلى اتخاذ الموقف الأممي الإنساني الصائب من هذه القضية الكوردية التي طال أمدها. ولا ضير في أن تكون البدايات غير واضحة تماماً، أو أن تشوبها المغالطات والأخطاء «غير المتعمدة»؛ فبالدراسة والنقد وإبداء الملاحظات يمكن تلافي النواقص في المستقبل، من أجل إيجاد حل عادل لهذه القضية في المنطقة الجغرافية لكوردستان.

إن متابعة الوطنيين العرب لقضية الشعب الكوردي الوطنية التحررية، كتابةً ودراسةً وتقييماً، مسألة تحظى باهتمامنا وتقديرنا. وفي سبيل ذلك بادرنا إلى ترجمة أعمال كثيرة عن القضية الكوردية إلى اللغة العربية، ليسهل على الوطنيين والإخوة العرب الاطلاع على تفاصيلها واتخاذ الموقف العادل والديمقراطي منها، حتى يتسنى التوصل إلى تلاحم استراتيجي حقيقي بين الحركتين الثوريتين الكوردية والعربية.

الثالث: وجود بعض الأخطاء التاريخية والتقييمات السياسية في كتاب «عرب وأكراد»، التي لا بد من لفت نظر المؤلف إليها، حتى يتداركها في المستقبل ولا يقع فيها مرة أخرى.

الرابع: أن هناك محاولات «محمومة» من جانب المؤلف لتجاهل الشعب الكوردي في سورية، وقد كان أحد أهدافه من إعداد هذا الكتاب التنكر للوجود القومي للشعب الكوردي في كوردستان سورية. ورغم كل محاولاته لم يستطع تحقيق هذا الهدف، فوقائع التاريخ بادية للعيان، والحقائق الموضوعية صارخة جداً. لذا رأينا من الواجب ومن الأمانة التاريخية التصدي لهذه المحاولة الفجة، ورد حكمه «الجائر» على الوجود التاريخي للشعب الكوردي في كوردستان سورية، وعلى موقفه من تطور هذا الوجود. ونحن ندرك أن المؤلف في هذا الموضوع بالذات ملتزم بموقف حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان حاكماً في سورية والعراق في ذلك الوقت، وبمجمل مواقف السلطات النظرية والتطبيقية، كما يبقى أميناً لمهامه السابقة في مشاريع «التعريب» والتهجير القسري، وإسقاط الجنسية عن أكثر من 150 ألف مواطن كوردي سوري، وتنفيذ الخطوات الأولى في مشروع «الحزام العربي». ولا شك في أن هذا البند يستأثر باهتمامنا البالغ في تعقيبنا هذا.

الخامس: من الواقعي والمنطقي في آن واحد أن نكون جميعاً، كورداً وعرباً، قد توصلنا إلى قناعة ثابتة بأن مدخل الحل في هذه القضية هو المواجهة الشجاعة والعملية والعادلة لمسألة حق الشعوب في تقرير مصيرها، والاعتراف بالشعب الكوردي ووجوده القومي التاريخي على أرضه في منطقته الجغرافية، كوردستان، منذ آلاف السنين، وبحقه في تقرير المصير. وهذا يقع على عاتق الطلائع العربية المثقفة، لكونها من القومية «السائدة». ولا بد كذلك من النضال من أجل الاتحاد الاختياري الأخوي بين الشعبين العربي والكوردي، ومن أجل تلاحمهما وتضامنهما في إطار موحد، وهذه أيضاً مهمتنا، مهمة الطلائع الكوردية المثقفة.

لقد عمل كثير من المثقفين، عرباً وكورداً، في هذا السبيل منذ أكثر من ثلاثة عقود، وما زالوا في الطريق، وسيستمرون. إن طرحنا للقضية الكوردية لا يخرج عن نطاق المبادئ الإنسانية والوطنية والديمقراطية، فنحن نؤمن بأن الحل يكون بالتطبيق الاشتراكي والديمقراطي، وبالتآخي القومي الكوردي العربي، وبالتلاحم النضالي ضد العدو المشترك من إمبريالية وصهيونية ورجعية. ونحن نؤمن بأن قضايانا موحدة لا تتجزأ؛ فالقضية الكوردية قضية عربية، كما أكد ذلك الدكتور جمال الأتاسي، والقضية العربية قضية كوردية أيضاً. ونؤمن بأن أي تقدم يحرزه الوطنيون العرب سينعكس إيجاباً على مسيرة الوطنيين الكورد، والعكس صحيح. ونؤمن بأن القضاء على الصهيونية، وانتصار الشعب الفلسطيني، وتحقيق الوحدة العربية الديمقراطية، انتصار للشعب الكوردي، واقتراب له من حل مسألته الوطنية. نحن نؤمن بهذه المبادئ نظرياً وعملياً، وقد عملنا على تطبيقها في سورية (والقول لمنذر الموصلي) وعلى الساحة اللبنانية، حيث ناضلنا تحت شعار «عروبة لبنان»، وقدمنا الشهداء، وواجهنا مؤامرات الفاشية الانعزالية اللبنانية، وامتزجت دماء المناضلين الكورد بدماء إخوتهم المناضلين العرب اللبنانيين والفلسطينيين.

ومع كل ذلك نجد المؤلف يرفض طرحنا في أكثر من موضع من كتابه، وهذا يدل على أنه لا ينطلق في كل تحليلاته من منطلقات أممية وتقدمية؛ ولو كان الأمر على عكس ذلك لعرض طرحنا نموذجاً، بل لتبناه جملة وتفصيلاً.

إن دعم التقدميين والديمقراطيين العرب لليسار الكوردي عموماً هو الضمانة الأكيدة لصيانة التآخي القومي والتضامن الكفاحي بين الشعبين؛ لأن اليسار الكوردي، دون غيره، هو الحريص على التآخي والتضامن والوحدة والسلام. إن الشوفينية العربية والرجعية الكوردية الانعزالية طرفان يصبان في مجرى واحد، ويعملان ضد مصالح الشعبين الكوردي والعربي، ولا بد لنا جميعاً من تعرية نهجهما وفضحه طرحاً وموقفاً وممارسة.

إن إرادة الوطنيين الكورد والعرب كفيلة بألا يبرز أي تعارض بين المشروع الكوردي، «كمشروع تحرر وطني ووحدة شعب وأرض»، كما يسميه الدكتور جمال الأتاسي في مقدمته الرائعة للكتاب، وبين المطامح العربية التحررية الوحدوية. ولا شك في أن الوطنيين الكورد على تفاهم تام مع التقدميين والديمقراطيين العرب الذين يعترفون، بحكم منطلقاتهم القومية التقدمية والأممية، بحق الشعب الكوردي في تقرير المصير. وهناك قوى وأحزاب ومنظمات وشخصيات عربية اتخذت هذا الموقف الأخوي الصادق النبيل تجاه الشعب الكوردي في سورية، وتجاه المسألة الكوردية عموماً.

السادس: أن اتخاذ الموقف السليم من القضية الكوردية يقتضي طرحها كاملة دون تجزئة. فالاعتراف بوجود الشعب الكوردي في تركيا وإيران والعراق، والتسليم التاريخي بوجود الأرض الوطنية الكوردية، كوردستان، في البلدان الثلاثة، ليس موقفاً «شجاعاً» أو «خارقاً» بقدر ما هو قراءة للواقع والحقيقة. أما القول بذلك مع التنكر لوجود الشعب الكوردي في سورية، واتهام الكورد «المتواجدين» فيها بالتسلل، وتسميتهم مواطنين سوريين «من أصل كوردي»، أو القول إنهم «انصهروا» في «المجتمع الدمشقي» أو الحلبي، فأقل ما يقال فيه إنه رفض للواقع أولاً، وتعامٍ عن الحقائق وقصر نظر ثانياً، ومضيّ في الموقف الشوفيني العنصري المتعصب ثالثاً، ودعوة «مبطنة» إلى «تعريب» الكورد ثم إلى «تبعيتهم»، كما حدث في كوردستان العراق في العهود السابقة.

إن التنكر لوجود شعب كوردي، وشطب أرضه الوطنية، كوردستان التاريخية، وتجاهل تاريخه وحضارته وتقاليده وثقافته، ليس خطأً سياسياً فحسب، بل هو أمر خطير وجريمة كبرى لا يمكن التغاضي عنها أبداً. على أن عكس ذلك أمر لا يستطيع تحمله إلا المناضلون؛ فطرح الوجود الكوردي في سورية، والاعتراف بحقوقه القومية والديمقراطية والسياسية والاجتماعية المشروعة، يكلف غالياً، وهو في حد ذاته «مخاطرة ذهنية وسياسية»، كما يقول الدكتور الأتاسي في مقدمة الكتاب.

إننا لا «نتحامل» على حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي نشأ حزباً وطنياً معادياً للاستعمار وداعياً إلى الوحدة العربية، وحقق منجزات لحركة التحرر العربية، ولا سيما قبل تسلمه السلطة في سورية والعراق. كما نعرف مناضلين بارزين في صفوفه، وإن كان بعضهم قد «خرج منه وخرج عليه» فيما بعد، على حد تعبير الدكتور الأتاسي عن نفسه. وهناك تيارات عديدة من هذا الحزب أعادت النظر في موقفها من مسألة القوميات، ولا سيما المسألة الكوردية.

إنما نريد القول إن حزب البعث، منذ تسلمه السلطة في سورية والعراق، لم يتمكن من وضع الحلول الصائبة للمسألة الكوردية في البلدين. ونعتقد أنه سيبقى عاجزاً عن إيجاد الحل المناسب لها إذا ظل على مواقفه الراهنة، وهذا أمر يتعلق ببنيته الطبقية، ونظرته إلى مسألة التطور والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ومفهومه للاشتراكية.

والموضوع الآخر الذي لا بد من توضيحه في هذه المقالة هو ما تطرق إليه الدكتور جمال الأتاسي في مقدمة الكتاب بوضوح، وعالجه المؤلف في بعض أجزاء الكتاب ولو تلميحاً، وهو قيام بعض قيادات الحركة الكوردية بخدمة الصراع بين العراق وسورية، أو بين العراق وإيران. وقبل كل شيء علينا أن ندرك أن السبب الأساسي لبروز هذه الظاهرة السلبية القاتلة هو عدم حل القضية الكوردية، واستمرار الأنظمة في اغتصاب حقوق الشعب الكوردي وتقسيم وطنه كوردستان واستغلال خيراته، بدعم مباشر وغير مباشر من القوى الإمبريالية العالمية. والسبب الآخر هو ضعف القوى الوطنية والديمقراطية العربية والإيرانية والتركية، وعدم تمكنها من قيادة النضال وتسلم السلطة في تلك البلدان، ووضع الحل السلمي العادل المناسب لهذه القضية. ويأتي بعد ذلك سبب آخر، هو هيمنة القيادات البرجوازية اليمينية الكوردية على مقدرات الحركة الوطنية الكوردية في معظم فصائلها، وهي تحصل أساساً على دعم الأنظمة البرجوازية في هذه البلدان ومساندتها.

إن هذا الموضوع من أهم القضايا الكامنة في صلب أزمة الحركة التحررية الكوردية، إذ يتعلق بفرز الأصدقاء من الأعداء، وبالأسلوب الذي يمكن أن يحقق الحل للقضية الكوردية، وبمسألة «استقلالية القرار السياسي الوطني الكوردي». إن نهج الاعتماد على نظام يضطهد الشعب الكوردي في جزء ما ضد نظام آخر نهج مُدان، وقد أثبتت التجربة والأحداث المتتالية عقمه وخطورته على مصير الحركة الوطنية الكوردية ومستقبلها، فقد جرّ على الشعب الكوردي مآسي وكوارث في الماضي البعيد كما في العصر الحديث. وما زلنا نتذكر ما حلّ بالحركة الوطنية الكوردية في العراق عام 1975 (اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975م)، وما حلّ بعد ذلك بالحركة الكوردية في كل من العراق وإيران.

القضية الكوردية وتشكيل الدولة العراقية العربية الجديدة

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وبموجب اتفاقية سايكس-بيكو (أيار 1916م)، أُعلن في تشرين الثاني 1920م تشكيل دولة بلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا)، وسميت «العراق العربي الجديد». وكانت بلاد ما بين النهرين تشمل ولايتين فقط من ولايات الدولة العثمانية، هما بغداد والبصرة، دون ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) ذات الأغلبية الكوردية، علماً بأن مدينة الموصل نفسها عربية. وكان الحاكم السياسي العام البريطاني السير برسي كوكس قد كلف السيد عبد الرحمن النقيب (الكيلاني) بتشكيل أول وزارة عراقية في 23 آب 1921م تحت سلطة الانتداب البريطاني.

أما ولاية الموصل، كوردستان الجنوبية، ما عدا مدينة الموصل العربية، التي كان الكورد يشكلون الأكثرية الساحقة من سكانها، والتي احتلتها القوات البريطانية في تشرين الأول 1918م بعد احتلال البصرة وبغداد، فقد اشتد حولها الخلاف بين البريطانيين والأتراك. وكان لسكان هذه الولاية رأي يختلف جملة وتفصيلاً عن رأي كلتا الدولتين، بريطانيا وتركيا، وموقفهما. وقد جاء في الفقرة (2) من القرار الذي أصدره مؤتمر باريس في كانون الثاني 1919م ما يلي: «اتفقت دول الحلفاء الكبرى والمحايدة، وللأسباب ذاتها، وخاصة بسبب حكم الأتراك السيئ للشعوب الرازحة تحت حكمهم وأيديهم خلال تاريخهم كله، وبسبب مذبحة الأرمن الرهيبة وغيرهم من الشعوب في الماضي القريب… على فصل أرمينيا وسوريا وميزوبوتاميا وفلسطين وشبه الجزيرة العربية عن الإمبراطورية العثمانية التركية فصلاً تاماً». والمقصود بميزوبوتاميا، أي بلاد ما بين النهرين، ولايتا بغداد والبصرة، أي العراق العربي الحديث.

كما نصت المواد (62، 63، 64) من معاهدة سيفر في 10 آب 1920م على حل القضية الكوردية على مرحلتين:

  1. المرحلة الأولى: إنشاء كيان كوردي مستقل في القسم الشمالي من كوردستان (كوردستان تركيا حالياً، والجزء الكوردي الملحق بسوريا).
  2. المرحلة الثانية: انضمام القسم الجنوبي من كوردستان (شمال العراق) إليه، وهو القسم الذي كان يشكل الجزء الأعظم من ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية)، أي كوردستان العراق الحالية، التي كانت تعرف سابقاً بولاية شهرزور.

يضاف إلى ذلك أن سكان هذه الولاية الكوردية (شهرزور)، أي السليمانية وكركوك، لم يرغبوا في الانضمام إلى تركيا ولا إلى الانتداب البريطاني، أي العراق العربي الحديث؛ فقد قامت حركات كوردية مسلحة وانتفاضات ضد الإمبراطورية العثمانية، شأنهم شأن سائر الشعوب التي كانت تناضل من أجل التحرر، ثم قاوموا الاحتلال والانتداب البريطاني.

وكان موضوع ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية موضع أخذ ورد بين الحلفاء، وأخيراً اعترفت بريطانيا بالكيان الكوردي والشعب الكوردي في هذه الولاية. ففي كانون الأول 1922م أصدر المسؤولون البريطانيون مع الملك فيصل الأول، الذي نُصّب ملكاً على عرش العراق في 23 آب 1921م، بياناً مشتركاً جاء فيه: «إن حكومة صاحبة الجلالة البريطانية وحكومة العراق العربي الجديد تعترفان بحق الشعب الكوردي المقيم داخل حدود العراق الجديد في إقامة حكومة كوردية داخل هذه الحدود، وتأملان أن تصل القوى الكوردية بأسرع وقت ممكن إلى تنسيق في الأعمال حول تشكيل هذه الحكومة الكوردية ومجالات نشاطها، وأن ترسل وفودها ذات الصلاحية لبحث المسائل الاقتصادية والسياسية مع وفدي الحكومتين البريطانية والعراقية».

وسرعان ما أُعلن تشكيل الحكومة الكوردية برئاسة الشيخ محمود الحفيد، إلا أن سياسته لم تكن ترضي المحتلين الإنكليز؛ فقد كان يطالب بولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية كلها، بوصفها حقاً قانونياً أقرته عصبة الأمم هو حق تقرير المصير. ومن ناحية أخرى كان على خلاف شديد مع المستشارين البريطانيين الموجودين في الإدارة الكوردية في كوردستان، لأنه كان يمارس نشاطه الوطني الكوردي المستقل، ويحاول تحجيم دورهم وتقليص صلاحياتهم، والحد من محاولات بريطانيا بسط نفوذها في كوردستان.

وأدى ذلك إلى اشتباكات مسلحة بين فصائل الشيخ محمود الحفيد الثائر والقوات البريطانية. ونظراً لتفوق قوات الاحتلال البريطاني عدداً وعدة، واستخدامها الطائرات، وإصابة الشيخ محمود الحفيد بجراح بالغة في معركة طاسلوجة، تمكن العدو البريطاني من حسم المعركة لصالحه، وأخذ الشيخ محمود الحفيد أسيراً. وأصبحت الصخرة التي قاتل عندها وجُرح بعد ذلك مزاراً يؤمه الكورد في المناسبات، وأخذت حيزاً كبيراً في الملاحم والأغاني الشعبية الكوردية.

وفي اجتماع مجلس عصبة الأمم في 29 تشرين الأول 1924م وُضعت حدود مؤقتة عرفت باسم «خط بروكسل»، وشكلت عصبة الأمم لجنة أممية لدراسة وضع ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية. وعبرت اللجنة في تقريرها لعصبة الأمم عن رأيها لصالح انتداب هذه المؤسسة الدولية عليها مدة (25) عاماً، وبمقتضى ذلك يجب أن تكون للكورد إداراتهم ومحاكمهم وأجهزتهم التعليمية، وأن يُعترف باللغة الكوردية لغةً رسمية. وبعد أن تمكنت بريطانيا من ربط العراق العربي الجديد بالانتداب البريطاني، وأقرت الحكومة المدنية التي صاغتها بريطانيا في العراق هذه الرابطة، ولما كانت ولاية الموصل، ومنها كركوك، غنية بالنفط، جاء دور البدء بالمرحلة الثالثة.

  1. المرحلة الثالثة: تراجعت بريطانيا والحكومة العراقية عن اعترافهما بحق الشعب الكوردي في تشكيل حكومته الكوردية المستقلة، واقترحت بريطانيا إلحاق ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية بالعراق العربي الجديد وأصرت على ذلك، ومارست الضغط على مجلس عصبة الأمم لتحقيقه. وفعلاً صدر القرار في 16 كانون الأول 1925م، واقترحت عصبة الأمم على الحكومة البريطانية وضع الإجراءات اللازمة لمنح السكان الكورد الحكم الذاتي، وفق النظام الذي أوصى به تقرير عصبة الأمم. فأصدر وزير الخارجية البريطاني (تشمبرلن) ووزير المستعمرات (إيمري) بياناً أكدا فيه موافقة بريطانيا على قبول هذه الشروط، أي الحكم الذاتي للكورد في كوردستان الجنوبية، ولاية الموصل، كوردستان العراق.

وفي شباط 1926م أعلن رئيس مجلس الوزراء العراقي السيد عبد المحسن السعدون في البرلمان ببغداد: «ينبغي علينا منح الأكراد حقوقهم، ويجب أن يكون الأشخاص المسؤولون في إدارة كوردستان منهم، وينبغي أن تصبح لغة الأكراد الأم لغة رسمية في كوردستان، وأن يتعلم أطفالهم في المدارس باللغة الكوردية».

إلا أن تلك الوعود والعهود لم تنفذها الحكومة العراقية العربية ولا بريطانيا، واتخذت الإدارة العراقية سياسة الدولة العثمانية، ولا سيما سياسة جمعية الاتحاد والترقي التركية العنصرية في الحريات السياسية والحياة الديمقراطية تجاه القوميات غير التركية. يضاف إلى ذلك أن السلطة تركزت كاملة بأيدي المستشارين والمسؤولين البريطانيين، بدءاً بالجيش وانتهاءً بالأوقاف العامة والشؤون الدينية، فلم يكن الملك ولا مجلس الوزراء قادرين على إصدار قرار لا يوافق عليه المندوب السامي البريطاني في العراق.

فوجد الشعب العراقي، بعربه وكورده وسائر مواطنيه، أنه وإن تخلص من الحكم العثماني فإنه يُحكم الآن من دولة استعمارية هي بريطانيا، وأن أعوانها من العراقيين هم الأدوات الطبيعية التي تنفذ ما تريده منهم.

وهنا قامت ثورات وانتفاضات وحركات مسلحة في كثير من مناطق العراق، ومنها كوردستان العراق. وبموجب القاعدة الاستعمارية القائمة على تفتيت قوى الجماهير، ومواجهة وحدة موقف الشعب العراقي الرافض للهيمنة الاستعمارية والمطالب بالحريات السياسية والحياة الديمقراطية، جزّأت الإدارة البريطانية هذه الثورات والتحركات الشعبية؛ فوصفت بعضها بأنها حركات كوردية موجهة ضد العراق العربي والعرب، ووصفت بعضها الآخر بأنها شيعية شعوبية، وحاولت كسب العرب السنة على أساس أن الحكم القائم هو حكمهم، وهي سياسة «فرّق تسد» البريطانية.

ومع الأسف الشديد انطلت هذه الخطة الخبيثة على كثير من الأحزاب السياسية والشخصيات العراقية، فسايروا سياسة السلطة في هذا المجال، بل دخل بعضهم في مزايدات معها، حتى إن بعضهم كان يعدّ الشعب الكوردي في العراق مجرد نازحين يجب إبعادهم إلى خارج الحدود إذا دعت الضرورة، بحجة أن ذلك إجراء وقائي تمليه المصلحة العراقية. يضاف إلى ذلك تأييدهم للسلطة العربية الحاكمة (الدكتاتورية) في اتهامها الحركة والثورة الكوردية المطالبة بحقوقها المشروعة ضمن الإطار العراقي، تارة بالتبعية للسوفيت وتارة بالعمالة للإمبريالية العالمية، وصياغة الإدانات لها بحسب الظروف والأجواء العامة. نعم، لقد عدّ بعض هؤلاء إبعاد ما يقارب ثلث سكان العراق، القاطنين في تلك الأرض (المنطقة الجغرافية لكوردستان) منذ فجر التاريخ السحيق، عن ديارهم وأرضهم مجرد إبعاد لنازحين أو متسللين بطريقة غير مشروعة. فهل هذا منطق القيادة التي تقود بلداً ودولة وحكمتها؟ ولم يعِ أبعاد هذه السياسة الاستعمارية والعنصرية ويفهمها إلا بعض الأحزاب اليسارية وقليل من الشخصيات الوطنية في العراق (يمكن مراجعة كتابنا «كوردستان: جغرافيتها وتاريخها منذ القدم»). ومع الأسف ظلت هذه السياسة متبعة في العراق إلى يوم سقوطه واحتلاله، وهي تنذر بانقسام الشعب العراقي إذا لم تتدارك الأمرَ الأحزابُ الوطنية والشخصيات المثقفة والوطنية بشعورها تجاه وطنها العراق؛ فالتقسيم قادم إلى العراق بسبب هؤلاء القادة، لقلة وعيهم السياسي وضعف شعورهم الوطني بوحدة العراق للجميع.

القضية الكوردية بعد ثورة 14 تموز 1958م

عندما جاءت ثورة 14 تموز 1958م تنفس الكورد الصعداء، واستقبلوها بترحاب وتأييد كاملين، أملاً في أن تضع الثورة حلولاً لمعضلات العراق، وفي مقدمتها القضية الكوردية. وقد نصت المادة الثالثة من الدستور المؤقت على أن «العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن». إلا أنه لم تنقضِ سنة على الثورة حتى دخلت في إشكاليات ومشاكل، وبدأت سلسلة من الصراعات: أولاً صراع شيوعي قومي، وثانياً صراع وحدوي اتحادي، وثالثاً صراع ناصري قاسمي، ورابعاً صراع سوفيتي أمريكي، بسبب سياسة الزعيم عبد الكريم قاسم الملتوية تجاه المعارضين من القوميين العرب والكورد والتركمان.

ولكي يأخذ الزعيم عبد الكريم قاسم زمام المبادرة في إنهاء الصراعات أو تجميدها لصالحه، انتهج نهج أسلافه، فزج بقوات عسكرية في كوردستان، وألقت الطائرات الحربية بأوامر منه أطناناً من القنابل على الكورد الآمنين في كوردستان العراق، زاعماً أنه بهذا النهج العنيف، حين يضرب الكورد والثورة الكوردية، سينهي الصراعات والحركات والثورات والانتفاضات الكوردية التي تواجهه في كوردستان، وأنه سيجمّد، ولو لفترة معينة على الأقل، الصراعات الأخرى، وفي مقدمتها مسألة الوحدة العربية مع الجمهورية العربية المتحدة (مصر).

وذهب الزعيم عبد الكريم قاسم، وجاء حزب البعث العربي الاشتراكي، فأحرق الأخضر واليابس، وأقام المجازر في بغداد وكبريات مدن العراق، وضرب الكورد واليسار، وحكم البلاد بالحديد والنار، مما أدى إلى انقلاب عبد السلام عارف عليه. وكان عبد السلام عارف يحسب نفسه فتى العروبة والوحدة ويتظاهر بذلك، فتراجع عن الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة، متحججاً بأن الحركات الكوردية ومطالبها القومية المشروعة حجر عثرة في سبيل قيام الوحدة العربية، ونفخ هو أيضاً في نار القضية الكوردية بدلاً من حلها.

وتسلم الحكم بعده أخوه عبد الرحمن عارف، فلم يستطع أن يحل المسألة الكوردية، إذ كان بين مطرقة المزايدات القومية وسندان الصراع على الحكم. ثم جاء البعث إلى الحكم مرة أخرى في 17-30 تموز 1968م، يحمل في فكره عنصرية متطرفة ودكتاتورية الحزب القائد.

وإذا كانت الحكومات السابقة قد دأبت على تسخين الجبهة الكوردية وإشعال النار فيها، مع تلطيف الجبهات الأخرى أو تجميدها أو تجميد بعضها لفترات، فإن نظام حزب البعث اتخذ مساراً مختلفاً ومنهجاً غير نهج أسلافه؛ فهادن الكورد بإصدار بيان 11 آذار 1970م، الذي تضمن اعترافاً كاملاً بالحكم الذاتي لكوردستان العراق، وركز على الجبهات الأخرى ليتفرغ للتصفيات داخل حزب البعث ولتمزيق الأحزاب والقوى السياسية الأخرى. وخلال أربع سنوات، وبعد أن تم له ما أراد وخطط، جاء دور الجبهة الكوردية: فواجهها عسكرياً بكل ما أوتي من قوة، وداخلياً بزج عشرات الآلاف من المواطنين الكورد في غياهب السجون وإعدام الآلاف، وسياسياً بتقديم مختلف التنازلات لشاه إيران محمد رضا بهلوي بموجب اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975م، كي ينسق معه لضرب الحركة والثورة الكوردية وتشديد الخناق عليها، فأعلنت قيادة الحركة الكوردية آنذاك تخليها عن الثورة وألقت السلاح.

وكانت لحزب الاتحاد الوطني الكوردستاني المبادرة فوراً إلى رفع راية الثورة والنضال الكوردي، وإرساء أسس نضالية تربط العرب والكورد والأقليات، وتحديد الثوابت الوطنية والإقليمية، ومنها:

  1. الارتباط الجدلي بين الديمقراطية للعراق والحقوق القومية للشعب الكوردي داخل الإطار العراقي.
  2. وحدة نضال العرب والكورد والتركمان والآثوريين وسائر الشعب العراقي من أجل الديمقراطية.
  3. إذا دعت الضرورة إلى إقامة علاقات مع دول الجوار، فلا يمكن أن تكون على حساب المصالح العليا للشعب العراقي واستقلال البلاد، كما لا يمكن أن تكون على حساب مصالح الشعب الكوردي في تلك الدول، أو أن تلحق الضرر بحركته المناضلة من أجل حقوقه القومية والديمقراطية.

أجزاء «المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ» (12 جزءاً):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن
  9. الجزء التاسع
  10. الجزء العاشر
  11. الجزء الحادي عشر
  12. الجزء الثاني عشر

الجزء الثاني ←