الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

الدول التي تتقاسم كوردستان والعلاقة معها

منذ تشكيل الدولة العراقية في 23/8/1921م وإلى الآن لا يزال التنسيق جارياً والتعاون مستمراً بين الدول التي تتقاسم كوردستان حول ما يسمى «مخاطر الأكراد» على تلك الدول. ومن ذلك المعاهدة العراقية البريطانية التركية الموقعة بين الأطراف الثلاثة في 5 حزيران 1926م، التي خُصصت ثماني مواد من فصلها الثاني للتعاون الأمني ضد الحركات المسلحة في كل من العراق وتركيا، وجاء في المادة (12) منها: «تتخلى السلطات التركية والعراقية عن جميع العلاقات التي تتسم بطابع دبلوماسي أو رسمي مع الزعماء والشيوخ الأكراد، أو مع أفراد العشائر الآخرين من مواطني الكورد في أراضيهم الأصلية كوردستان في الدولة الأخرى، والقائمين حالياً على أرض الدولة الأخرى، ولن نقبل بوجود أية منظمات أو دعاية أو اجتماعات كوردية ضمن إطار الشريط الحدودي (المنطقة الجغرافية لكوردستان) تكون موجهة ضد دولة من الدولتين». وكان حضور بريطانيا وتوقيعها على تلك الاتفاقيات بصفتها الدولة المنتدبة على العراق العربي الجديد والوصية عليه.

وفي 22 نيسان 1926م عُقدت في طهران معاهدة الصداقة والتعاون بين إيران وتركيا، ونص البندان الخامس والسادس منها على أن يلتزم الطرفان المتعاقدان بعدم السماح لأية منظمات أو مجموعات بالنشاط على أراضيهما إذا كان نشاطها قد يمس الطرف الآخر وسلامته، والمقصود الشعب الكوردي. وجاء في المعاهدة: «لأجل ضمان هدوء السكان الأكراد في المناطق الكوردية الحدودية (كوردستان) وأمنهم، سوف يتخذ الطرفان المتعاقدان جميع الإجراءات الضرورية لوضع حدّ نهائي للأعمال والحركات الثورية الكوردية التي يمكن أن تلحق الضرر بسلامة الدولتين، والتي تمارسها العشائر الكوردية في الأراضي المتاخمة للحدود».

وفي شهر آذار 1929م تم التفاهم، في اجتماع عمل مشترك بين ممثلين عن الحكومة الإيرانية الفارسية والحكومة العراقية العربية وبحضور ضباط سياسيين بريطانيين، على التنسيق والتعاون بين الأطراف الثلاثة في المجالات الأمنية، سواء في منطقة كوردستان أو في مناطق الأهوار. وكان لكل من السفير البريطاني في طهران والمندوب السامي البريطاني في العراق دوره في هذا المجال، على ما يقول الكاتب البريطاني لونكريك، علماً بأنه لم تكن آنذاك علاقة دبلوماسية بين الدولتين، فإيران اعترفت بالحكومة العراقية في نيسان 1929م.

وتوالت الاتفاقات والأحلاف بين الدول الثلاث، العراق وإيران وتركيا، ومنها حلف سعد آباد عام 1937 وحلف بغداد عام 1955 المشهوران، اللذان خصصا جانباً من جوانبهما لمواجهة التطلعات والثورات والحقوق القومية الكوردية في الدول الثلاث. ثم جاءت اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975م بين إيران (الشاه محمد رضا بهلوي) والنظام العراقي (صدام حسين، نائب رئيس مجلس قيادة الثورة العراقي)، وتنص جميع بنودها على مواجهة الحركة والثورة القومية الكوردية بموقف واحد بين البلدين، والتعاون العسكري والأمني بينهما لضربها ومحاولة سحقها. وهناك اتفاقيات أخرى عقدتها الحكومة العراقية (حكومة البعث) مع تركيا أيضاً، تسمح كلتا الدولتين بموجبها بدخول قوات إحداهما أراضي الأخرى لمسافة معينة (بحدود 15-20 كم) لملاحقة عناصر الحركة والثورة الكوردية في البلدين.

وبعد انسحاب الإدارة المركزية العراقية في 7 تشرين الأول 1991م من محافظات السليمانية وكركوك وأربيل ودهوك، أجريت الانتخابات العامة في كوردستان العراق في 19 أيار 1992م، فقام المجلس الوطني لكوردستان العراق (البرلمان) وتشكلت حكومة محلية (إقليمية). وإثر ذلك اتفقت الدول الثلاث، تركيا وإيران وسوريا، على عقد اجتماع بين وزراء خارجيتها كل ثلاثة أشهر، في إحدى العواصم الثلاث في كل مرة، وجدول أعماله فقط متابعة الأوضاع في كوردستان العراق، والاتفاق على تحجيم تلك الإدارة المحلية الكوردية، وإبراز مخاطر تشكيلها على وحدة العراق واستقلاله، وكأن تقسيم العراق مشروع قيد التنفيذ. والكل يعرف، ومنهم الدول الثلاث، أنه ليس هناك مشروع لإقامة دولة كوردية في كوردستان العراق، لا كوردياً ولا إقليمياً ولا دولياً، وإنما هي فزاعة ومقالة تطلق هنا وهناك من منطلقات مختلفة ولأغراض خاصة تتعلق بوحدة العراق واستقلاله. ومما يلفت الانتباه أنه منذ بدء الاقتتال بين الأطراف الكوردية في كوردستان العراق تخلت الدول الثلاث عن عقد اجتماعاتها تلك، إذ لم تعد هناك تلك المخاطر المزعومة.

وفي تلك البقعة الجغرافية المحدودة، كوردستان العراق، التي تقع داخل العراق وتحدها إيران وتركيا وسوريا، ولا تلتقي حدود دولة أخرى بالعراق من خلالها، وحيث تواصل الحكومة العراقية العربية حملاتها العسكرية بأسلحتها الفتاكة، وتجد التعاون من هذه الدولة أو تلك أو التنسيق الكامل معها لملاحقة الحركة الثورية الكوردية المطالبة بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي في تقرير المصير، تضطر الحركة الثورية الكوردية إلى البحث عن علاقة مع إحدى الدول المجاورة. وليس ذلك خياراً، وإنما هو أمر مفروض وواقع الحياة، وضرورة للدفاع عن النفس في وجه الإبادة الجماعية للشعب الكوردي؛ فالإدارة العراقية العربية لم تغتصب الحقوق القومية للكورد والحقوق الديمقراطية لكل العراقيين فحسب، بل عملت على إبادة هذا الشعب الآمن المستقر على أرضه ووطنه الأصلي منذ آلاف السنين، بسبب مطالبته بحقوقه المشروعة في الحياة أسوة بغيره من شعوب الأرض. فهنا لا بد من البحث عن ملجأ، وعن تسهيلات لمعالجة الجرحى والمرضى، وإيواء المعوقين والمسنين، والاتصال بالعالم الخارجي. ولهذه العلاقة بكل تأكيد ثمنها، ولكن المهم ألا يكون الثمن على حساب الثوابت الوطنية واستقلالية القرار.

ولقد عانى الشعب الكوردي الأمرّين نتيجة موقفه هذا، ومع ذلك واصل النضال، ولم يستكن ولم يضعف ولم يتراجع أمام التهديدات مرة والإغراءات مرة أخرى. وكان الكورد يؤكدون دوماً مبدأ عدم التدخل في شؤونهم، ولذلك لم يتدخلوا هم أيضاً في شؤون الآخرين، وقد تكون علاقة الأحزاب الكوردية مع تركيا في حينها خير مثال على هذا الموقف.

ويريد الجانب الكوردي إقامة علاقة طيبة وودية مع الجارة تركيا، فهناك مصالح مشتركة كثيرة بين الشعبين العراقي والتركي، إلا أن تركيا تخلق المبررات وتفتعل الأزمات للتدخل في شؤون الكورد الداخلية، وتعمل على تأجيج الخلافات والصراع بين الأحزاب الكوردية العراقية، فتقدم المساعدة لبعضها ضد بعضها الآخر، بهدف تحويل كوردستان العراق في النهاية إلى محمية تركية والنيل من العراق، مستغلة الظروف غير المستقرة في العراق.

ماذا يريد الكورد في كوردستان العراق؟

ألحقت كوردستان الجنوبية بالدولة الجديدة، العراق العربي، بقرار بريطاني ودون رضا الشعب الكوردي، وتراجعت هذه الدولة عن وعودها وعهودها الدولية تجاه حقوق الشعب الكوردي فيها، واستخدمت الحكومات العراقية المتعاقبة مختلف الوسائل اللاإنسانية، بل أبشعها، تجاه هؤلاء المواطنين من الشعب الكوردي. ورغم كل ذلك، وفي كل الظروف وأحلكها، لم ترفع الحركة والثورة الكوردية خلال هذه الفترة شعاراً معادياً للعراق دولةً وكياناً، انطلاقاً من الواقعية السياسية، بل كان لها شرف الكفاح في سبيل تحرير العراق العربي الجديد من الاستعمار البريطاني، واتخاذ مختلف أشكال النضال من أجل الديمقراطية لكل العراق، والدفاع عنها مع الفصائل الوطنية الأخرى من الجماهير العراقية.

دخلت الحركة والثورة الكوردية في الحوار والتفاوض مع الحكومات العراقية المتعاقبة، التي كانت تتراجع عن مواصلة الحوار والتفاوض وعن الالتزام بتنفيذ الاتفاقيات والعهود والوعود، والتي لجأت دوماً إلى لغة السلاح والقوة بدلاً من لغة الحوار والتفاوض والتفاهم، وإلى الحل العسكري بدلاً من الحل السلمي، بهدف إبادة الشعب الكوردي لغةً وأدباً وفناً وتاريخاً وإنساناً وأرضاً. وقد تكون مأساة حلبجة وعمليات الأنفال سيئة الصيت، التي ذهب ضحيتها أكثر من (182.000) مواطن كوردي، وتهجير أهالي أكثر من (4500) قرية كوردية في كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) وتدمير قراهم، وإسكانهم قسراً في مجمعات سكنية بعد حرق قراهم وأرضهم وتدميرها، ليكونوا تحت سيطرة عناصر الأمن الحكومي، أوضح دليل على ذلك.

ومنذ مجيء حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة جرت معه ثلاث مفاوضات: أولاها سنة 1970م مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني، والثانية مع الاتحاد الوطني الكوردستاني أواخر عام 1983، والثالثة مع الجبهة الكوردستانية عام 1991م. وفي كل مرة كانت السلطة العراقية الحاكمة هي التي تعرقل سير الحوار والتفاوض مع ممثلي الشعب الكوردي، وتسد الطريق عليهم عند الوصول إلى اتفاق كامل فيه صالح العراق.

إن الحوار والتفاوض الذي بدأ سنة 1983م واستمر أكثر من عام لم يؤدِّ إلى نتيجة إيجابية، رغم توقيع الطرفين على خمسة اتفاقات تفصيلية، فقد توقفت المفاوضات نتيجة الضغط التركي على الحكومة العراقية في بغداد، على حد قول شخصيات ومسؤولين حكوميين وكورد. كما أن المعلومات التي انكشفت فيما بعد تشير إلى أن حصول العراق على الدعم الخارجي من جهات عديدة في حربه مع إيران هو الذي جعل الحكومة العراقية في بغداد مستغنية عن تقوية الجبهة الداخلية والاتفاق مع الاتحاد الوطني الكوردستاني.

أما حوار عام 1991 وتفاوضه فلم يُكتب لهما النجاح، لتراجع وفد الحكومة العراقية عن وعود قطعتها القيادة العراقية على نفسها في أول الأمر، وإصراره على فصل الأرض عن السكان، وتمسكه بمبدأ الحزب القائد، ومسائل أخرى مهمة لم تستطع الجبهة الكوردستانية أن توافق عليها، أو أن تقدم تنازلات أكثر مما قدمت.

وقد أكدت الجبهة الكوردستانية، ولا تزال تؤكد:

  1. أن المسألة الكوردية تُحل في العراق لا خارجه.
  2. أن الحوار والتفاوض أسلوب حضاري لحل جميع المشاكل.
  3. أن الدولة العثمانية والاحتلال البريطاني والحكومات العراقية المتعاقبة لم تستطع خلال أكثر من قرن إنهاء الحركة الثورية الكوردية، بل كانت جذورها تقوى وجذوتها تشتد كلما ووجهت بالعنف والإرهاب. وفي الوقت نفسه فإن الحركة الثورية الكوردية غير قادرة على الوصول بقواتها إلى مشارف بغداد وإسقاط النظام في العاصمة، ولكنها تمكنت بالمقابل، بقدر ما دمرت الحكومة العراقية منطقة كوردستان، من إضعاف تلك الحكومات المتعاقبة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وإلحاق أضرار بالغة بها وإنهاكها. فقد زعم المسؤولون في بغداد أنهم قضوا باتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975م على كل التطلعات الكوردية، إلا أنه بعد أقل من عام واحد على توقيعها انتشرت فصائل الأنصار في كوردستان حاملين أسلحتهم المتواضعة، دفاعاً عن قضيتهم المشروعة وحقوقهم الكوردية في بلدهم العراق أسوة بإخوانهم فيه. واضطرت الحكومة العراقية إلى نشر مئات الألوف من المسلحين والقوات لحماية الطرق، ووضع ربايا على بعض المرتفعات، وصرف مئات الملايين من الدولارات سنوياً، دون أن يحدّ ذلك من نشاط حركات القوات الكوردية (البيشمركة) وثوراتها أو يضعفه، بل زاد حجم البيشمركة والمفارز الكوردية يوماً بعد يوم، وازدادت فعالياتهم.
  4. أن صراع الكورد مع السلطة المركزية للحكومات العراقية المتعاقبة ليس صراعاً على الحكم، بل على أسلوب الحكم؛ فالكورد لا يتطلعون إلى حكم العراق، بل يتطلعون ويناضلون من أجل حقوقهم القومية الكوردية والوطنية داخل العراق.
  5. أن القضية الكوردية في العراق مرتبطة في الأصل بالمسألة الديمقراطية، إلا أن السلطة في العراق تريد في مفاوضاتها المتعددة مع الجانب الكوردي الفصل بين المسألتين: أ. وكأن الكورد غير عراقيين في هذا العراق، أو أنهم من الدرجة الثالثة. ب. وبالتالي ليس من حقهم أن يكونوا معنيين بقضية الديمقراطية في العراق.

إن الحوار والتفاوض هو الصيغة المثلى والعملية لحل القضية الكوردية في العراق، ولكنه بحاجة قبل كل شيء إلى توفير الأجواء، وتهيئة الأرضية، واتخاذ خطوات مشجعة على مستوى العراق ككل فيما يتعلق بالحريات السياسية والتحولات الديمقراطية.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى كوردستان؛ فالحكومات العراقية المتعاقبة، رغم كل الظروف التي مرت بها، لم تتحرك حتى الآن نحو هذه المجالات، ولا تزال تردد مفاهيمها المغلقة، وتواصل سياستها السابقة تجاه الكورد، ولا سيما سياسة التهجير والتغيير الديمغرافي لكوردستان والإبادة الجماعية للشعب الكوردي في المنطقة الكوردية، وخاصة في عهد النظام السابق.

فقد كانت عشرات العائلات الكوردية تُهجَّر قسراً كل يوم من كركوك والمناطق التابعة لها إدارياً (قبل احتلال العراق عام 2003). وكان أمام الكوردي في كركوك ثلاثة خيارات فقط: إما الإقرار الرسمي بتغيير قوميته من الكوردية إلى العربية، وفي هذه الحالة يحق له البقاء في مكانه ضمن محافظة كركوك؛ وإما أن يُنقل إلى الجنوب ويأخذ معه أمتعته؛ وإذا اختار المواطن الكوردي في كركوك الانتقال إلى إقليم كوردستان فإنه يُجرَّد من كل أمتعته وأمواله، وتُصادر ممتلكاته في كركوك. وصدرت كذلك قرارات جائرة أخرى بفصل بعض الأجزاء والمناطق الكوردية عن كركوك وعن محافظات منطقة الحكم الذاتي (كوردستان العراق)، وضمها إلى المحافظات المجاورة التي بقيت تحت سيطرة السلطة العراقية المركزية (يمكن مراجعة كتابنا «تعريب كركوك»، الجزء العاشر)، وإسكان الفلاحين العرب القادمين من الجنوب فيها بعد التهجير القسري للمواطنين الكورد من أراضيهم وأرض آبائهم وأجدادهم، وتوزيع هذه الأراضي على العرب القادمين إليها من جنوب العراق أو وسطه.

الفيدرالية للشعب الكوردي

تدل تجارب الكورد في العراق خلال عقود من السنين، وتجارب الدول التي تتعايش فيها أكثر من قومية، على أن النظام الفيدرالي هو أفضل الأشكال الملائمة للتعايش والانسجام بين تلك القوميات.

والفيدرالية في حد ذاتها تعني التوحيد لا التقسيم، إذ إن العلاقة المتكافئة في الدولة الواحدة تقضي على أسباب الانفصال والتفكك. وإن الذي يهدد كيان الدولة ذات القوميات المتعددة أو الأديان المختلفة هو استبداد طرف بالأطراف الأخرى، والحكم الدكتاتوري، وفرض أيديولوجية معينة. فمفهوم الحكم الذاتي في القانون العراقي لا يعد الوسيلة القانونية المناسبة لحل القضية الكوردية، بسبب إصرار الحكومة المركزية على احتكار جميع الصلاحيات؛ ولم يعد مقبولاً أن تقتصر كل الصلاحيات وهيئات الحكم على نفر قليل أو فئة قليلة استأثرت بالسلطة واستولت عليها بالقوة، لأن ذلك يخالف أبسط مبادئ العدل والمساواة.

ومن هنا أصدر المجلس الوطني الكوردستاني (البرلمان) بإجماع الآراء في 4/10/1992م قراراً باختيار الفيدرالية نمطاً لتنظيم العلاقة بين إقليم كوردستان والدولة العراقية (المركز). وهذا يتطلب أن يكون النظام العراقي نظاماً اتحادياً، على غرار كثير من دول العالم التي اختارت هذا النمط من الحكم، إذ من الضروري أن تكون للكورد، إلى جانب حقوقهم القومية الكوردية التي يحددها هذا النمط (الفيدرالية)، مشاركة في قرارات السلطة المركزية. وستكون هذه خطوة مهمة نحو تحقيق الديمقراطية وترسيخها لصالح المجتمع العراقي كله، ولصالح الكورد أيضاً.

وأخيراً لا بد من الإشارة إلى الأحداث المؤسفة التي شهدتها المنطقة الكوردية سابقاً، ونتمنى ألا تعود، إذ بدأ القتال بين الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني يوم 1 أيار 1994م، واشتد هذا القتال واحتدم، ولا سيما عند التدخلات العسكرية المباشرة من حكومة العراق أو من دول الجوار، وخفّ وهدأ في بعض الأحيان، ولم تنجح الوساطات الكوردية والعراقية والإقليمية والدولية في إنهاء حالة القتال وإعادة الأوضاع إلى طبيعتها في كوردستان العراق.

وقد بادر السيد جلال الطالباني، بمناسبة العام الجديد وشهر رمضان المبارك، إلى توجيه رسالة خطية إلى السيد مسعود البارزاني يدعوه فيها إلى الدخول في حوار وتفاوض مباشر وجاد على مستوى المكتب السياسي للحزبين، لحل المشاكل القائمة والخروج من الأزمة التي تهدد التجربة الكوردية الديمقراطية في إقليم كوردستان. وكان رد السيد مسعود البارزاني إيجابياً، وانتهى الخلاف بينهما، وندعو الله عز وجل ألا يتكرر ذلك أبداً بين أبناء الشعب الكوردي الواحد.

فكرة الدولة الكوردية عند الكورد وقضية الهوية الكوردية

الكورد جماعة قومية وحدتها عوامل الجغرافيا والعرق والدين، ومزقها التاريخ والمصالح الدولية. وقد خلق الوجود الكوردي مشكلة كبيرة مست أمن الدول الأربع التي يعيش فيها الكورد بشكل رئيسي واستقرارها، نتيجة عجز أنظمتها عن إيجاد آليات سياسية لاستيعاب الشعب الكوردي ودمجه في مجتمعاتها الوطنية، فتحولت تلك المشكلة الكوردية إلى أزمة هوية حقيقية ظلت تلك الدول الأربع تعانيها منذ استقلالها إلى اليوم. ونتناول ذلك في محورين:

  1. التطلع المبكر إلى الدولة الكوردية المستقلة.
  2. التعاطي مع الواقع الكوردي الحقيقي.

أولاً: التطلع المبكر إلى الدولة الكوردية المستقلة

من المفيد القول إن نهاية الحرب العالمية الأولى شكلت المنطلق الحقيقي لنمو الشعور الكوردي المطالب بالحقوق القومية الكوردية، إذ أخذت آمال الكورد في بناء دولتهم الموحدة في كوردستان تتصاعد إثر إعلان الرئيس الأميركي وودرو ويلسون عام 1918 مبادئه الأربعة عشر حول حق تقرير المصير لأبناء الأقليات الموجودة في الدولة العثمانية (الكورد، الأرمن، الآثوريون). وجاءت معاهدة سيفر في 10 آب 1920 لتؤكد دور الحلفاء في ضمان حق الشعب الكوردي في التمتع بالحكم الذاتي، تمهيداً لإقامة دولته الكوردية المستقلة بعد سنة واحدة من إبلاغه عصبة الأمم برغبته تلك. إلا أن الواضح من سياق الأحداث التي مرت بها القضية الكوردية فيما بعد أن تلك الاتفاقات والمبادئ لم تكن أكثر من ستار يخفي حقيقة المآرب السياسية للدول الكبرى في المنطقة؛ فقد استُثمرت القضية الكوردية وغيرها من قضايا القوميات بذكاء لإعادة تركيب الشرق الأوسط بما يتوافق مع مرامي القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، لتقطيع أوصال الدولة العثمانية المتهالكة.

وقد أثبتت أحداث المنطقة اللاحقة أن لغة المصالح تعلو على الثوابت الأخلاقية، وأن أي تعارض بينهما سيُحسم قطعاً لحساب مصالح القوى المهيمنة، حتى وإن دفعت الشعوب المستضعفة ثمن ذلك، وهو ما حصل مع الشعب الكوردي وغيره من شعوب المنطقة؛ إذ ضُرب بمبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون الأربعة عشر حول حق الشعوب المضطهدة في تقرير مصيرها عرض الحائط، واستُبدل بها حق الدول المستعمِرة في إخضاع الشعوب المستعمَرة لهيمنتها ونفوذها، وفق نظام الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم عام 1919.

وتمكنت تركيا الكمالية، بنفوذها المتعاظم وتفاهمها مع بريطانيا وفرنسا، من استبدال معاهدة سيفر (10 آب 1920) بمعاهدة لوزان (24 تموز 1923)، التي لم تأتِ على أي ذكر للكورد وحقوقهم القومية. وهكذا كانت نتائج الحرب العالمية الأولى كارثية على حقوق الكورد وتطلعاتهم القومية، فوجد الشعب الكوردي نفسه، بعد حين من التطلع والترقب، مشتتاً بين دول حديثة التشكيل وحدود مصطنعة، وفي واقع اجتماعي وسياسي حتّم عليه الاندماج القسري في مشاريع وطنية مستحدثة، سعت منذ البدء إلى قضم تطلعاته القومية والسياسية، ووأد أي نزوع إلى بلورة هويته القومية الكوردية، عبر أساليب الإقصاء والإلغاء ومصادرة الحقوق القومية والحريات، والدمج الإجباري للشعب الكوردي في إطار مجتمعات لم يألف العيش معها في ظل كيان سياسي واحد.

حدث هذا بشكل استفزازي حين جحد مصطفى كمال أتاتورك جهود القوات والقطعات العسكرية الكوردية ودورها في تحرير تركيا الحديثة عام 1922، وتمادى في تبني كل ما من شأنه أن يمحو الهوية الكوردية وثوابتها في اللغة والعادات والرموز الثقافية الأخرى، مثلما ورد في المادة (88) من الدستور التركي التي أقرت بأن جميع سكان تركيا أتراك أياً كانت ديانتهم أو قوميتهم، وأن الكورد في تركيا هم «أتراك الجبل».


أجزاء «المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ» (12 جزءاً):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن
  9. الجزء التاسع
  10. الجزء العاشر
  11. الجزء الحادي عشر
  12. الجزء الثاني عشر

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←