الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ (الجزء السادس)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
ما جاء في كتاب الروسي بونداريفسكي «الغرب ضد العالم الإسلامي»
في كتاب صدرت ترجمته العربية عن دار التقدم في موسكو عام 1985 لمؤلفه بونداريفسكي، بعنوان «الغرب ضد العالم الإسلامي، من الحملات الصليبية حتى أيامنا هذه»، يورد المؤلف الروسي في سياق أبحاثه التاريخية صفحات عن كوردستان والشعب الكوردي وحركته الوطنية، تحتاج بعض المعلومات التاريخية والسياسية فيها إلى تصحيح؛ إذ يجد القارئ للوهلة الأولى موقفاً من المؤلف لا يتسم بالعدل تجاه تاريخ الشعب الكوردي، ويتناقض مع كل التقييمات والأبحاث والمؤلفات العديدة الصادرة عن مؤسسات النشر السوفيتية، بأقلام كتاب وعلماء بارزين في الاتحاد السوفيتي، من أمثال: أ. س. آفيتيان، وجليلي جليل، والدكتور م. س. لازارييف، وف. ف. مينورسكي، وأ. ن. خالفين، وأشيريان، وهسرتيان، وغيرهم.
إن ما يلاحظ في هذا الكتاب عن الكورد هو تجاهل قضية الشعب الكوردي التحررية وحقه في تقرير المصير، وطرح نضاله القديم والمعاصر عاملاً سلبياً يتعارض مع حركة الثورة المحلية والعالمية. كما جاء تناول المؤلف لقضايا الكورد التاريخية في إطار سياسي بحت، في مجرى «إرضاء» الأنظمة الغاصبة لكوردستان، وبذلك طوّع الموضوعية والتحليل العلمي لمصلحة تكتيكية.
وهذا ما يتعارض مع مبدأ التحليل العلمي والموضوعية في سرد وقائع التاريخ، ولا سيما حين يتعلق الأمر بشعب مثل الشعب الكوردي، تعرض تاريخه للتشويه والتزوير من جانب بعض الكتاب والمؤرخين البرجوازيين في الغرب، وكذلك من جانب الأنظمة الشوفينية والدكتاتورية والرجعية في الشرق الأوسط. وما يحز في النفس وقوع كاتب سوفيتي في هذا الخطأ، في حين أن الكتاب والمؤرخين السوفيت هم أول من بادر إلى طرح قضايا الشعب الكوردي بروح أممية إنسانية وأسلوب علمي موضوعي.
إن اعتراضنا على ما ورد عن الكورد لا يقلل من قيمة الكتاب التاريخية والسياسية، ولا ينقص من مكانة المؤلف العلمية والأكاديمية. إننا نبدي ملاحظاتنا من موقع النضال المشترك، وفي سبيل إزالة العراقيل أمام طرح الحقائق، والدفاع عن شعبنا الكوردي المناضل من أجل حقه في الحياة الحرة الكريمة، أسوة بغيره من الشعوب التي يتعايش معها في أجواء التضامن والتآخي والسلام.
أولاً: يبدأ المؤلف بذكر الكورد اعتباراً من عهد صلاح الدين الأيوبي، أي منذ القرن الثاني عشر، فيذكر في سرده لذلك العهد: «وعندما اتحد مسلمو سوريا وفلسطين ومصر والعراق الغربي ولبنان تحت قيادة المؤسس الفعلي لسلالة الأيوبيين، القائد العسكري الموهوب صلاح الدين الأيوبي، استطاعوا أن يسحقوا في 3 و4 تموز سنة 1187 قوات الصليبيين، ويحرروا القدس وفلسطين وقسماً كبيراً من سوريا ولبنان» (ص 6).
وفي بحثه للحروب الصليبية وحملاتها الثماني المتتالية تجنب المؤلف ذكر الكورد، أو أصل صلاح الدين الأيوبي، أو دور المقاتلين الكورد في تلك الحروب وفي النهضة الثقافية والعلمية آنذاك، علماً بأن تلك المرحلة، وما شهدته من بطولات الجماهير الكوردية المتضامنة مع الجماهير العربية، تعد بحق أحد المفاخر التاريخية التي يعتز بها الشعب الكوردي، وينطلق منها في تعزيز أسس التآخي القومي الكوردي العربي ضد العدو المشترك وبنائها. وهذه الحقائق تتجاهلها الآن التيارات الشوفينية المتعصبة، وتحاول طمس تلك الصفحات الناصعة من التاريخ الكوردي.
ثانياً: في مرحلة السيطرة العثمانية التركية يطرح المؤلف مرة أخرى «سلبيات إقطاعيي كوردستان العراق»، وقيامهم بدور «الأداة» المخربة ضد داود باشا والي بغداد، بدفع من الأجنبي الإيراني. ثم يربط المؤلف بين ما حدث آنذاك، أي قبل نحو 150 سنة، وما يحدث الآن، فالتاريخ يعيد نفسه، ولكن تقوم هذه المرة بدور «الأجنبي» الإمبريالية الأمريكية، وبدور «الأداة المخربة» الحركة الكوردية في العراق. كل ذلك دون أن يذكر المؤلف معاناة الشعب الكوردي آنذاك، وتعرض كوردستان للتقسيم من جانب إيران وأسياد داود باشا والي بغداد، العثمانيين الأتراك، كما لا يذكر شيئاً عن حرمان الشعب الكوردي في العراق من حقوقه، ونضاله من أجل التحرر والسلام، والمواقف الشوفينية للحكومات العراقية المتعاقبة. يقول المؤلف في هذا الصدد:
«آنذاك، أي في فترة 1817-1831، أقدم المستعمرون البريطانيون على عمل إجرامي، فقد أثاروا نزاعاً بين داود باشا وإقطاعيي كوردستان العراق، وأمّنوا لهؤلاء مساندة حاكم إيران فتح علي شاه» (ص 128).
والحقيقة أن داود باشا والي بغداد كان آخر الحكام المماليك، وقد توترت في عهده العلاقات بينه وبين محمود باشا بابان (إمارة بابان) في السليمانية، فاستعان محمود باشا بابان الكوردي بإيران التي دعمته بجيش صغير، وعاد إلى السليمانية. وبعد أن تقوّى داود باشا والي بغداد، وبدأ الطاعون يفتك بالجيش الإيراني المرابط في كوردستان، عقد الطرفان الإيراني والمملوكي اتفاقاً بينهما يقضي باستبدال حاكم إمارة بابان محمود باشا بابان بابن عمه. ونلاحظ هنا مدى تعاون الإيرانيين والعثمانيين ضد الكورد لتأكيد سلطة الدولتين في بلادهم. وكان الصراع بين الجانبين يدور أحياناً حول تقسيم كوردستان، ومحاولة كل منهما الحصول على أكبر حصة منها، إلى أن توصل الطرفان إلى عقد معاهدة «صلح أرضروم» عام 1823، التي أقرت الحدود القديمة بين الدولتين، أي حدود معاهدة السلطان مراد الرابع المعروفة لعام 1639.
ثالثاً: في بحث دور المستعمرين الألمان في الشرق الأوسط خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومحاولاتهم تجاه شعب كوردستان، يؤكد المؤلف أن المصالح المختصة (مصالح المخابرات والتجسس) الهتلرية عمدت إلى رسم الخطط للاستيلاء على العالم الإسلامي بعد تحقيق خطة بربروسا (خطة هتلر لاحتلال الاتحاد السوفيتي) أولاً، ثم العالم الإسلامي ثانياً، وإلى إقامة صلات مع قادة الصهاينة، مثل أنور السادات، ومع بعض زعماء الحركات الانفصالية الإقطاعية في العراق وفي كوردستان إيران (ص 13). ويذهب المؤلف إلى أبعد من ذلك، فيطرح رأياً غريباً لم يذكره أي مؤرخ حتى الآن، إذ يقول إن ألمانيا الهتلرية كانت لديها خطة لإقامة دولة كوردية مستقلة، ويستند في ذلك إلى مذكرات فريتس غروبا، السفير الألماني في بغداد في الأربعينيات من القرن الماضي، المنشورة عام 1967 بعنوان «شعوب وبلدان الشرق»، حيث يعترف غروبا «بأن وضع خطة للدفاع عن كوردستان العراق دون اقتحام محتمل من جانب القوات المسلحة البريطانية لم يكن سوى ستار للنوايا الحقيقية لرئيس أركان الجيش العراقي الفريق الركن بكر صدقي، فقد تبين، وهو الكوردي من حيث القومية، أنه كان يفكر في تأسيس دولة كوردستان مستقلة، تتألف من الأراضي الكوردية التي تشكل أجزاء من تركيا وإيران والعراق… وذلك كان السبب الحقيقي للجولات السرية التي قام بها العقيد في الأركان الألمانية هينس في المناطق والمعابر الجبلية في كوردستان العراق وإيران. إن هذه الواقعة العسكرية السياسية، التي لم يرد ذكرها في تقارير غروبا، والتي بقيت بالتالي غير معروفة تقريباً في الأوساط العلمية، تتسم بأهمية كبرى، ذلك أن وضع الفريق الركن بكر صدقي والعقيد الألماني هينس، بمساهمة غروبا النشيطة، لخطة تأسيس كوردستان المستقلة قد جرى في الوقت الذي كانت فيه الدبلوماسية البريطانية تعمل بجهد على إنشاء دول من كتل من بلدان الشرقين الأدنى والأوسط، كانت تنوي أن تستغلها سواء ضد دول المحور (محور برلين-روما-طوكيو) أو ضد الاتحاد السوفيتي» (ص 218-219). ويعدّ المؤلف ذلك العمل من جانب ألمانيا خطة استفزازية للعالم الإسلامي.
ونعتقد أن المؤلف جانب الحقيقة كثيراً، وحاول جاهداً أن يثبت «نظريته» بأن ألمانيا الهتلرية كانت تهدف إلى إقامة دولة كوردية مستقلة. ولو كان هذا الادعاء صحيحاً لنفذ الألمان تلك الخطة، وقد كان بإمكانهم ذلك لو أرادوه. ولكن الاهتمام الألماني بالشرق، وبالأخص بالإمبراطورية العثمانية، واضح ومدوّن في كتب التاريخ، وهكذا الأمر بالنسبة إلى كوردستان؛ فثرواتها الطبيعية وموقعها الاستراتيجي كانا يجلبان إليها اهتمام الدول الكبرى، وقد أدى ذلك إلى أن تولي هذه الدول، ولا سيما ألمانيا وبريطانيا وروسيا، انتباهاً كبيراً لتثبيت مواقعها في كوردستان ضمن الدولة العثمانية. وكان من الطبيعي أن يزداد اهتمام الألمان بالكورد بالتوازي مع ازدياد نفوذهم في الإمبراطورية العثمانية. فالعسكري الألماني المعروف المارشال هيلموت فون مولتكه (1800-1891) استعان به الباب العالي خلال الفترة من عام 1835 حتى عام 1839 لتنظيم الجيش العثماني وفق أساليب عصرية، واضطر، بصفته مفتشاً في جيش حافظ باشا، إلى خوض معارك ضد الكورد المنتفضين في وجه السلطة العثمانية آنذاك. ورغم أن المارشال الألماني مولتكه سجل لاحقاً في مذكراته بعض الانطباعات عن الشعب الكوردي، وما لاقاه من ظلم العثمانيين، فإنه حاول إعطاء تبريرات معينة لتصرفات السلطات العثمانية في تعاملها مع الثوار الكورد ومع السكان الكورد الآمنين. لقد وضع الألمان دراسات عن كوردستان، وقام ضباط ألمان بالتجوال في المناطق الكوردية، ونشروا بحوثاً عن وضعها الاستراتيجي، مولين دراسة طرق المواصلات فيها جانباً من اهتمامهم، ولا سيما الطرق المؤدية إلى مناطق الحدود الروسية؛ فقد وضع «فيلهلم باخمان» مثلاً تقريراً عن الطرق الممتدة بين مدينتي الموصل ووان. ولم تكن تلك البحوث والدراسات من أجل تشكيل دولة كوردستان المستقلة كما يدعي المؤلف، بل من أجل الإحاطة بروسيا وتطويقها.
لقد كان اهتمام الألمان بالكورد وببلادهم كوردستان قبيل الحرب جزءاً من سياستهم العامة تجاه الإمبراطورية العثمانية، التي كانت تستهدف تحويل كل أصقاعها، بما فيها تركيا نفسها، إلى مستعمرة ألمانية. ومن هذا المنطلق وقف المسؤولون الألمان بحماس ضد خطط الدول الغربية الأخرى التي كانت تستهدف تقسيم ممتلكات «الرجل المريض»، بما فيها المناطق الكوردية، وقد أكدوا ذلك بكل صراحة في العديد من وثائقهم الرسمية، ومن خلال اتصالاتهم المباشرة بالأوساط الحاكمة في الدول الأوروبية الأخرى. وكان همّ الألمان وتفكيرهم إبعاد الشعب الكوردي عن روسيا، وتثبيت ولائه للسلطة العثمانية بأي ثمن، بسبب قرب الكورد من الحدود الروسية. ويؤكد هذا التقييم الباحث السوفيتي ي. ب. أفيريانوف في كتابه «الكورد في حروب روسيا مع إيران وتركيا خلال القرن التاسع عشر» (تفليس، 1900).
رابعاً: في بحثه عن سوريا والثورة السورية ضد الاستعمار الفرنسي، يتحاشى المؤلف ذكر بعض الوقائع التاريخية، ولا سيما ما يتعلق بمحاولات الاستعمار الفرنسي جرّ بعض الطوائف والفئات السورية إلى مواقع معادية للخط الوطني، كما يتجاهل الدور الوطني للكورد السوريين في الثورة السورية، وتضحياتهم الجسيمة من أجل استقلال وطنهم سوريا، وقيامهم بالانتفاضات في منطقة الجزيرة وجبل الأكراد ودمشق، ورفضهم المطلق لفكرة الانفصال عن سوريا، واتحادهم الاختياري مع إخوانهم العرب.
خامساً: في تناوله لتطورات الأحداث في إيران، يتناول المؤلف قيام «جمهورية أذربيجان الديمقراطية المستقلة في كانون الأول سنة 1945، وكذلك تدميرها وسحق القوى الديمقراطية فيها» (ص 292)، دون أي ذكر لقيام جمهورية مهاباد الكوردية في 22 كانون الثاني سنة 1946، وتشكيل حكومة وطنية كوردية ذات نظام جمهوري برئاسة قاضي محمد، زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني، حيث استمر الحكم الوطني الكوردي فيها نحو سنة. وقد حققت جمهورية مهاباد الكوردية إنجازات ثقافية مهمة، ووزعت الأرض على الفلاحين، وطبقت الإدارة الذاتية، وسارت في طريق التحرر القومي، بحيث تحولت الدولتان، كوردستان (مهاباد) وجمهورية أذربيجان، إلى مركز ثوري مهم، ولا سيما بعد عقد معاهدة بين الحكومتين للصداقة والوحدة في 23 نيسان سنة 1946. وقد قُضي على جمهورية مهاباد الكوردية الفتية، وأُعدم قاضي محمد وإخوانه، وجرت مواجهة عسكرية وصدامات مسلحة بين القوات المدافعة عن الجمهورية وبين الجيش الإيراني والخبراء الأمريكان، وقام السفير الأمريكي ج. ألن بزيارة جبهة القتال في كوردستان بصحبة رزم آرا رئيس أركان الجيش الإيراني، وكانت النتيجة أن ذُبح في كوردستان وأذربيجان ما يزيد على 15000 مواطن كوردي ديمقراطي ووطني.
فلماذا يتجاهل المؤلف هذه الوقائع التاريخية؟
ولدى بحث المؤلف الأوضاع السياسية في العراق يحاول جاهداً أن يحقق غايته في طرح كل ما هو سلبي في مسيرة الحركة التحررية الوطنية الكوردية، ويتطوع للدفاع عن مواقف الحكومات العراقية البرجوازية المتعاقبة، على حساب اضطهاد الشعب الكوردي وحرمانه، إذ يقول: «وفي أوائل السبعينيات نظمت المصالح المختصة الإسرائيلية، بإذن من شاه إيران، توريد الأسلحة بانتظام عبر كوردستان الإيرانية إلى كوردستان العراقية، بغية استثارة النزاعات بين الأكراد وحكومة الجمهورية العراقية، الأمر الذي عقد الوضع السياسي الداخلي في العراق، وصعّب على العراق تقديم المساعدة للبلدان العربية المجاورة في صد العدوان الإسرائيلي، وكل هذا كان يتطابق آنذاك مع مصالح الأوساط الحاكمة في الولايات المتحدة أيضاً» (ص 383).
إن الموضوعية والتحليل العلمي يتطلبان ألا يكون الطرح أحادي الجانب. نحن نتفق مع المؤلف في شأن محاولات إسرائيل والإمبريالية الأمريكية استغلال قيادة الحركة الكوردية في العراق آنذاك، كما أننا، من موقعنا الوطني التقدمي، ندين تلك العلاقات والصلات المشبوهة ونحاربها، وسنقف في المستقبل ضدها إذا تكررت. ولكن ألم يكن جديراً بالمؤلف أن يدخل، ولو قليلاً، في سرد الأسباب التي دفعت القيادة الكوردية آنذاك إلى الانزلاق إلى تلك المواقف، وفي مقدمتها الموقف الشوفيني المتعصب للحكومة العراقية، وعدم اعترافها بالحقوق القومية للشعب الكوردي؟ ولماذا لا يكون إنكار النظام العراقي للحقوق القومية للشعب الكوردي، وعدم حله للمسألة القومية الكوردية بالأسلوب السلمي الديمقراطي، هو الدافع إلى الاقتتال وانشغال الجيش العراقي، تهرباً من جانب النظام العراقي من المساهمة في قضايا العرب الوطنية، ولا سيما قضية فلسطين؟
وفي كراس «تقييم تجربة الحزب الشيوعي للسنوات 1968-1979»، الذي يحلل فيه الحزب الشيوعي العراقي طبيعة السلطة آنذاك، والذي أقره المؤتمر الرابع للحزب سنة 1985، جاء ما يلي:
«وخلال الحوار الثلاثي في 1973 بصدد مشروع الحكم الذاتي للشعب الكوردي، برزت بشدة نزعة البعث العربي الاشتراكي المعادية للديمقراطية، وطبيعته الشوفينية التعصبية التي تتنكر لحق الأمم في تقرير مصيرها وحقها في إدارة شؤونها بنفسها، وحرمان الأقليات القومية من حقوقها الإدارية والثقافية. إن الذهنية الشوفينية في الأساس ترى أن القوميات القاطنة في الدول العربية المعاصرة منذ أجيال إنما هي جاليات غريبة يجب أن تستعرب، وألا تتطور لتكوين كيانها القومي، بل يجب أن تُصهر قسراً لتندمج بالقومية العربية. وقد ترك هذا الموقف أثره في العديد من نصوص قانون الحكم الذاتي، حيث ربط القانون محافظات كوردستان بوزارة الداخلية في بغداد مباشرة، متخطياً أجهزة الحكم الذاتي الفوقانية، ومقلصاً صلاحياتها إلى أدنى حد، واجتزأ بقرار “مجلس قيادة الثورة” وحدات كوردستانية بكاملها وفصلها عن منطقة الحكم الذاتي، لخلخلة المنطقة الكوردية وعرقلة التطور القومي لإقليم كوردستان، وكوّن المجلسين التنفيذي والتشريعي في منطقة الحكم الذاتي من عناصر غالبيتها من منتمي حزب البعث في كوردستان…».
إن المسألة القومية للشعب الكوردي ستبقى قائمة ما لم تبادر قوى الثورة والتقدم إلى وضع الحلول السلمية الديمقراطية لها، وهذه مهمة تقع على عاتق الوطنيين والديمقراطيين الكورد والعرب والإيرانيين والأتراك.
لقد عملت الأنظمة الحاكمة والغاصبة لكوردستان، الدكتاتورية والشوفينية والرجعية، المتحالفة مع الإمبريالية العالمية والصهيونية، على إبقاء هذه المسألة دون حل، حتى تبقى مصدر استنزاف لطاقات شعوبنا، وحتى تُصرف الجهود إلى غير محلها، وتسود نظرية الاستعمار «فرّق تسد»، وحتى يتسنى للدوائر المعادية وأجهزتها التجسسية النفاذ لاستغلال هذه المسألة، تارة عن طريق التيارات اليمينية والرجعية الكوردية، وتارة أخرى عن طريق الأنظمة الشوفينية. إن الطريق السليم لوضع الحلول النهائية هو التسليم بمبدأ حق تقرير المصير للشعب الكوردي في مختلف أجزاء كوردستان، وإقامة النظم الوطنية الديمقراطية في البلدان التي تقتسم كوردستان، والاتحاد الاختياري المبني على الإخاء والمساواة بين الشعب الكوردي والشعوب العربية والتركية والإيرانية.
وأخيراً لا بد من القول إن نشر هذه المغالطات حول القضية الكوردية من جانب كاتب سوفيتي يأتي في وقت تشتد فيه وتتصاعد المواجهة الأيديولوجية والسياسية بين القوى الوطنية والتقدمية الكوردية من جهة، والقوى الرجعية واليمينية الكوردية من جهة أخرى، حول مسار حركة التحرر الوطني الكوردية ومستقبلها وآفاقها، وحول فرز أصدقاء الشعب الكوردي من أعدائه. كما يأتي في وقت يدور فيه الجدل والنقاش الواسع حول مواقف دول المنظومة الاشتراكية، وطليعتها الاتحاد السوفيتي، من المسألة الوطنية للشعب الكوردي، حيث يلقي اليمين الكوردي، مدعوماً من أوساط الاشتراكية الدولية، ظلالاً من الشكوك على الموقف السوفيتي، ويحمّله المسؤولية عن بقاء المسألة الكوردية دون حل. إن ما يتضمنه هذا الكتاب في هذا الموضوع سيسهم دون شك في دعم حجج تلك الجهات المعادية للصداقة الكوردية السوفيتية، وسيؤثر سلباً في نضال اليسار الكوردي وصراعه مع اليمين والجهات المعادية الأخرى. لذا نأمل أن يعاد النظر بموضوعية فيما طُرح في هذا الكتاب مما يتعلق بالشعب الكوردي ومسألته الوطنية وقضية تحرره القومي.
أجزاء «المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ» (12 جزءاً):