الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ (الجزء الرابع)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

الوجود التاريخي للشعب الكوردي في كوردستان سورية

يحاول المؤلف منذر الموصلي في كتابه «عرب وأكراد» بشتى الوسائل «شطب» أي دليل تاريخي على الوجود الكوردي في سورية، ويزيل بإصرار مقصود موقع المنطقة الكوردية من خارطة كوردستان. وفي محاولته هذه يقوم بتأويل المصادر التاريخية وتزويرها كما يشاء، من أجل تثبيت «نظريته» الهادفة إلى التنكر للوجود الكوردي في سورية. فلماذا هذا الحقد، وما سببه، تجاه شعب أصيل موجود في منطقته الجغرافية، كوردستان، منذ آلاف السنين؟ (لمزيد من المعلومات يمكن مراجعة كتابنا «كوردستان: جغرافيتها وتاريخها»).

فهو يذكر أن الكورد يعيشون في بلادهم الأصلية كوردستان، وفي بلاد أخرى استوطنوها بعد هجرات عديدة، ومنها سورية (ص 59). ويصر على أن وجود الكورد في شمال سورية في العصر الحديث إنما بدأ عام 1926 على وجه التحديد، بعد هروبهم من اضطهاد النظام التركي، ويتساءل فوراً: هل يبرر ذلك امتداد كوردستان إلى الجزيرة السورية؟ (ص 83).

ويستمر المؤلف في «خياله الخصب»، فيورد أن العلامة مينورسكي يقول بوجود الكورد في ولاية حلب، وهم أقل من العرب (يقصد عفرين وعين العرب) (ص 88)، ويتابع: «طبعاً لم يتطرق مينورسكي إلى وضع الأكراد في محافظة الحسكة، كما نلاحظ ذلك، لسبب بسيط هو أنه لم يكن هناك أكراد في هذه المحافظة آنذاك» (ص 88). ويصل المؤلف إلى كورد دمشق، فيقول إنه، أي مينورسكي، «لم يشر أيضاً إلى أكراد دمشق، شأنه في ذلك شأن غيره من الباحثين، لأنهم اندمجوا في المجتمع الدمشقي» (كيف ولماذا؟ لا ندري) (ص 89).

ويحاول المؤلف تأويل معلومات العالم المؤرخ شاكر خصباك، فيقول: «إن شاكر خصباك يتحدث بصراحة عن وجود أكراد خارج كوردستان، وخاصة في سورية». لاحظوا قول المؤلف! أي إن مناطقهم جزء من الوطن العربي السوري لا جزء من كوردستان، «وهذا ما يجب أن يستوعبه جيداً صلاح بدر الدين وبعض إخوانه أكراد سورية» (ص 90). ويسرد المؤلف «حكايات» لا تمت بصلة إلى التاريخ والواقع، تقوم على تغيير نص معاهدة تاريخية دولية مثل معاهدة سيفر (10 آب 1920) (ص 91)، وكذلك على تغيير حدود الدولة الدوستكية التي كانت المنطقة الكوردية في الجزيرة جزءاً منها (ص 206).

ويصر المؤلف، على طريقة «إذا لم تصدق فاذهب واعمل إحصاءً للأكراد في سورية»، على أن عدد كورد سورية (500 ألف)، ما عدا كورد دمشق الذين انصهروا!

ويتكرم علينا المؤلف باعترافه بوجود مجموعات كوردية تعيش على شكل جيوب عشائرية في المدن والقرى السورية، وبأن هؤلاء مواطنون من أصل كوردي، وأن تلك المجموعات لجأت إلى سورية، وتسللت إليها من أجل الانتفاع بقانون الإصلاح الزراعي، وخاصة في عهد الوحدة السورية المصرية؟! (ص 457). وبشأن عشائر «الملّي» الكوردية يقول المؤلف إنها كوردية ولا كوردية، وعربية ولا عربية (ص 459)؛ إذن ماذا تكون هذه العشائر؟ إن المؤلف «يعطي بسخاء» ويكتب بالتفصيل عن كورد لبنان، الذين هم طبعاً أقلية كوردية لا تتعدى 100 ألف تسكن في بلد عربي، أما عن كورد سورية، البالغ عددهم نحو مليون ونصف المليون، فيتحفظ ويمتنع عن الدخول في التفاصيل (18 صفحة عن كورد سورية، و12 صفحة عن كورد لبنان) (ص 475).

وتوضيحاً منا للحقائق التاريخية، وإنصافاً للواقع، واعترافاً بما هو قائم، لا بد من تصحيح الأخطاء الواردة في كتاب السيد منذر الموصلي، الذي يحمل عنواناً «استفزازياً» بما فيه من تنكر للوجود الكوردي في سورية، وتردد في رؤية منطقة جغرافية اسمها كوردستان. فنحن لا ندعي التخصص في التاريخ والجغرافيا، ولكننا نعرف شعبنا الكوردي على الأقل، كما نعرف شعبنا السوري، تاريخاً وحضارة ومعاناة.

وقبل كل شيء لا بد من التنويه بأن التنكر لوجود المنطقة الكوردية في سورية، ولوجود شعب كوردي يعيش عليها، لا يستند إلى أي سند تاريخي؛ فالجزيرة موطن الكورد منذ القدم، وكذلك عين العرب (كوباني) وجبل الأكراد (منطقة عفرين). وقد أصبحت المناطق الكوردية الآنفة الذكر جزءاً من سورية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، بموجب اتفاقيات ومعاهدات دولية، منها معاهدة سايكس-بيكو عام 1916، وغيرها من الاتفاقيات الثنائية بين سوريا من جهة وفرنسا وتركيا من جهة ثانية، وكذلك بروتوكولات رسم الحدود الدولية بين سورية وكل من تركيا والعراق. ويقول الدكتور فيليب حتي في تعريفه لولاية سورية في العهد الروماني: «غير أن ولاية سورية الرومانية كانت تمتد من الفرات إلى مصر، وكانت هذه حدود سورية كما وصفها الجغرافيون العرب، وظلت تعتبر كذلك حتى نهاية الدور العثماني والوحدة الطبيعية لهذه المنطقة».

ورغم كل الغزوات والصراعات والحروب الطاحنة التي كانت المنطقة الكوردية في سورية مسرحاً لها، ولا سيما منطقة الجزيرة الكوردية، ظل الشعب الكوردي على أرضه، غارساً جذوره في أعماقها، محافظاً على لغته وتقاليده، متعايشاً مع غيره من الشعوب والقوميات التي مرت على هذه المنطقة، مهد الحضارات، وبشكل خاص الشعب العربي الصديق، فامتزجت حضارة الشعبين وثقافتاهما، كما تضامنا معاً أمام العدو المشترك منذ فجر التاريخ حتى الآن.

إن عشائر «الملّي» التي تنتمي إلى الشعب الكوردي، والتي يشكك المؤلف في تاريخها، ما هي إلا عشائر كوردية صرف، سكنت سهل «ويران شهر» منذ القرن السابع عشر على الأقل، واشتهرت في عهد زعيمها إبراهيم باشا الملّي، الذي أسس إمارة الملّي، وامتدت إمارته حتى مشارف الفرات وجبل سنجار، أي منطقة الجزيرة الكوردية المعروفة، وصولاً إلى مشارف ديار بكر الكوردية. وقد نسج علاقات مع الأسرة الخديوية في مصر (الخديوي إسماعيل)، الذي توسط لدى السلطان لصالح إبراهيم باشا الملّي من أجل منحه «الباشوية». وانضم إلى لوائه (إمارة الملّي) عدد من العشائر العربية بين الحسكة والرقة ودير الزور، مثل البكارة والجبور والعدوان، وقد أدى إبراهيم باشا الملّي دوراً مهماً في تلك المرحلة من تاريخ المنطقة.

أما الدولة الدوستكية الكوردية، التي أسسها الأمير باد بن دوستك (982-1086م)، فقد شملت منطقة الجزيرة الكوردية أيضاً، على عكس ما يدعيه المؤلف. فقد شمل حكمها كافة الأراضي الواقعة في الولايات الكوردية: ديار بكر، وماردين، وسيرت، وبدليس، وقسماً من ولاية موش، إضافة إلى قضاء أرجيش التابع لولاية وان، وأجزاء من ولاية العزيز، وخربوت، وحصن زياد، وولاية أورفا (الرها)، وقسماً من منطقة الجزيرة في كوردستان سورية، إلى منطقة رأس العين حتى نهر دجلة، حيث تقع الآن مدن الدرباسية وعامودا والقامشلي وديريك. وكانت لهذه الدولة الدوستكية الكوردية عملتها الخاصة وأجهزتها وقوانينها، كما تبين ذلك الدراسات التاريخية.

وأما ما ذكره البروفيسور ف. ف. مينورسكي عن الكورد، فقد أساء المؤلف فهم الحقائق فيه، إذ يقول مينورسكي: «وفي الجنوب يسيطر الأكراد على مناطق واسعة إلى نهاية سهول ما بين النهرين، وفي الغرب حدودهم نهر الفرات» (ص 15)، ويضيف: «وهناك مستعمرات كوردية متفرقة في سورية حوالي جبال دمشق، وفيها محلات كوردية» (ص 18).

هذا إضافة إلى قوله بوجود الكورد في ولاية حلب، وهم أقل من العرب، ويقدر مينورسكي عدد قرى الكورد آنذاك في منطقة حلب بـ(1000) قرية، استناداً إلى المعلومات التي قدمها القنصل تسيمومان (يقصد عفرين وعين العرب). ومن جهة أخرى فقد جانب المؤلف الحقيقة، وأراد القفز عليها، حين قال: «ولم يشر، أي مينورسكي، أيضاً إلى أكراد دمشق، شأنه في ذلك شأن غيره من الباحثين، لأنهم اندمجوا في المجتمع الدمشقي، وربما انصهروا أيضاً كما هو معلوم… ولولا ذلك ربما كنا نسمع العجب، وأن دمشق جزء من كوردستان، لماذا؟ لأن فيها جمهرة كوردية، وما وجه الغرابة إذا كانوا يحثون الأكراد فيما مضى على سكنى الموصل، عسى أن تضم إلى كوردستان في استفتاء سكاني توارد في خواطر البعض» (ص 89).

نعتقد أنه لا حاجة إلى الرد على هذه التهم الرخيصة المفعمة بالشوفينية والعنصرية والكره. فهل الكورد هم القومية السائدة في كل من العراق وسورية حتى يقوموا بدمج العناصر القومية الأخرى في بوتقة القومية الكوردية؟ أم أن أساليب الدمج والتعريب والتمثّل ومحاولاتها قد ظهرت لدى الفئات الشوفينية العنصرية من القومية السائدة تجاه القومية المغلوبة على أمرها، وبشكل خاص لدى بعض أوساط حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في البلدين، سوريا والعراق، وكانت وما زالت موضع إدانة واستنكار من الوطنيين والتقدميين والديمقراطيين من أبناء الشعب العربي الصديق في البلدين؟

وعن الوجود الكوردي التاريخي يقول العالم باسيل نيكيتين مؤكداً ذلك: «ويعيش قسم كبير من الأكراد في سهل الجزيرة، خصوصاً على الضفة الشرقية من الفرات» (ص 28). كما يعدّ الدكتور «هيلموت كريستوف» في مؤلفه كورد طوروس الجنوبي، الذين يرتادون بادية سورية وما بين النهرين، النموذج الأصيل للكورد، وجميع الفروع الأخرى مشتقة منه، ذلك أن طبائع هذا النموذج قد تكونت فقط بتأثير صراعه مع الطبيعة ومع الأعداء (ص 52 من كتاب «الأكراد» لباسيل نيكيتين).

ويؤكد الدكتور م. لازارييف أن عدد الكورد اليوم يزيد على خمسة وثلاثين مليوناً، وأنهم يشكلون أكبر أقلية عرقية في بلدان الشرق الأوسط، وأن الكورد السوريين يشكلون 12-14% من سكان سورية.

وبعد سرد تاريخي طويل مليء بالحجج والأدلة الموضوعية العلمية، يرى الدكتور جليلي جليل أن نشوب الحرب العالمية الأولى (1914-1918) لم يؤدِّ إلى حل المسألة الكوردية، بل كانت نتيجة الحرب إضافة تعقيدات جديدة إليها، وبسبب مواقف الدول الإمبريالية والشوفينية المعادية لحقوق الشعوب، ولا سيما الكورد، تحولت كوردستان من جزأين إلى أربعة أجزاء.

ولم تكن المنطقة الكوردية في سورية، ولا سيما منطقة الجزيرة الكوردية، جزءاً إدارياً من سورية إلا مؤخراً؛ فقد كان القسم الشرقي من سورية الحالية، أي قضاء دير الزور وقضاء الجزيرة، تابعاً لولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (العراق حالياً) (ص 78). ويؤكد المصدر نفسه: «في 30 تشرين الثاني 1936 جرت الانتخابات في البرلمان السوري الجديد، فأحرزت الكتلة الوطنية النصر في الانتخابات، وانتخب زعيم هذا الحزب هاشم الأتاسي رئيساً لسورية. وكانت اللاذقية وجبل الدروز والجزيرة قد ضمت إلى كيان الجمهورية السورية بوصفها محافظات ذات حكم ذاتي» (ص 97).

ويقول المؤلف منذر الموصلي إن معاهدة سيفر (10 آب 1920) لا تعترف بالوجود الكوردي في سورية، وللدلالة على عدم صحة ما يدعيه نورد البند 64 من هذه المعاهدة:

«البند 64: ستحضر لجنة مركزها بالقسطنطينية، مؤلفة من ثلاثة أعضاء يمثل كل واحد منهم إحدى الحكومات الثلاث: الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، وذلك خلال ستة أشهر من تاريخ تنفيذ معاهدة الاستقلال الذاتي هذا، بشأن المناطق التي يقيم فيها العنصر الكوردي، الكائنة شرقي الفرات، وقبل الحد الجنوبي لأرمينيا، كما يمكن تحديدها فيما بعد، ويجري الحد التركي مع سوريا والعراق طبقاً للوصف المبين في النصين الثاني والثالث من الفقرة الثانية من البند رقم 27…» (ص 68).

وفيما يتعلق بالوجود الكوردي في سورية، نورد أمثلة أخرى على هذا الوجود التاريخي، وعلى عدم صحة الحكم على الكورد السوريين بأنهم «مهاجرون» و«متسللون». ففي إحصاء للاجئين إلى سورية عام 1925 لم يرد أي ذكر للكورد: «كان تعداد اللاجئين الذين استوطنوا البلاد السورية في كانون الثاني 1925 هو: 89000 أرمني، 4000 كلداني، 1800 يعقوبي، 900 يوناني أرثوذكسي، 250 كاثوليكي سوري» (ص 177).

ويؤكد المصدر السابق وجود أغلبية كوردية في منطقة الجزيرة الكوردية منذ عام 1937، فالتقرير السنوي لهذا العام يعطي الأرقام التالية عن توزيع السكان في الجزيرة الكوردية: «42000 من العرب المسلمين، 88000 من الأكراد، 31000 مسيحي، 2000 يزيدي (وهم من الأكراد)، 1000 يهودي، 1000 شركسي… وأغلب الأكراد من سكان القرى…» (ص 312).

وفي تقرير لعصبة الأمم قدّرت اللجنة الأممية، التي جاءت عام 1925 للتحقيق في النزاع بين بريطانيا وتركيا على ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، مجموع الكورد في ذلك الوقت بأكثر من مليونين في تركيا، وأكثر من مليون في إيران، وسبعمائة ألف في العراق، وأكثر من أربعمائة ألف في سورية وغيرها (ص 8).

إن هذه الإحصائية تعود إلى أكثر من 70 عاماً، ومع ذلك فإن منذر الموصلي يتنكر لوجودنا، ويعطي أرقاماً عن نفوس الكورد في الوقت الراهن لا تختلف كثيراً عما كانت عليه قبل أكثر من سبعين سنة؟!

وهناك العديد من الكتاب والمؤرخين المنصفين، ومنهم عرب سوريون، لم يتهموا الكورد بالتسلل والهجرة؛ فالدكتور شفيق صلاح يؤكد، في باب الهجرة الخارجية إلى سورية، عدم وجود هجرة كوردية، إذ يقول: «وبالنسبة لسورية فمن المعروف أنها استقبلت ثلاث موجات متتالية من السكان المهاجرين إليها منذ بداية القرن الحالي، وهي: هجرة الأرمن، وهجرة الشركس، وهجرة العرب» (ص 26 من كتاب الدكتور شفيق صلاح «دراسة وتخطيط القوى العامة في الجمهورية العربية السورية»).

ويعترف منذر الموصلي، مؤكداً ما ذهب إليه المؤرخون، بمسألة الهجرة العربية السامية إلى شمال سورية، إذ يقول: «وهذه الشعوب السامية، نسبة إلى سام بن نوح، ومنها الشعب العربي على ما يدّعون، والذي نزحت بعض قبائله شمالاً باتجاه جنوب سورية، وبعض الأقسام الجنوبية لبلاد ما بين النهرين، وكانت آخر موجات تلك الهجرات التاريخية خروج العرب المسلمين في القرن السابع الميلادي من الجزيرة العربية إلى البلدان المجاورة» (ص 99)، وهي هجرات جاءت بسبب الفتوحات الإسلامية لتلك المناطق الكوردية.

ويفنّد آراء منذر الموصلي ومواقفه كتّاب آخرون، ومنهم من استشهد بهم سهواً على ما يبدو، مثل السيد أحمد وصفي زكريا، الذي يقول في هذا الصدد قبل أكثر من نصف قرن:

«الأكراد يكثر وجودهم في شمال بلاد الشام، على مقربة من الحدود التركية الحالية، كالذين في شمال نهر عفرين في الجبل المسمى جبل الكرد، والذين في كفرجنة شمال العمق، وفي أقضية أعزاز والباب وجرابلس، والأقضية التي في الشمال الشرقي من لواء الجزيرة الفراتية، وكل هؤلاء أكراد أقحاح لم تتصل إليهم العربية بشيء. أما في بلاد الشام المتوسطة فعدد الأكراد قليل، وليس لهم بقعة يؤلفون فيها كتلة مجتمعة إلا في جبل الأكراد (جبل الأكراد هو منطقة عفرين حالياً - المؤلف)، وبين جسر الشغور واللاذقية، وفي حي الأكراد من أرباض دمشق، وفي قرى الوعر (بين حمص وحماة). إن مجيء الأكراد إلى بلاد الشام المتوسطة قديم، وربما كان أول من أتى بهم عامل حمص شبل الدولة نصر بن مرداس سنة 424هـ…» (ص 466 من كتاب أحمد وصفي زكريا «جولة أثرية في بعض البلاد الشامية»).

وانظر إلى المغالطة التاريخية في تعليق المؤلف بين القوسين، فالصحيح أن السيد أحمد وصفي زكريا يقصد جبل الأكراد الذي فيه قلعة الحصن، أي قلعة الأكراد القريبة من تلكلخ في حمص.

إن السيد أحمد وصفي زكريا يعترف بالوجود التاريخي القديم لكورد الشمال، ويلمح إلى أنهم يعيشون في مناطقهم، وأنهم أكراد أقحاح، أما كورد بلاد الشام المتوسطة فواضح أنهم مهاجرون منذ القدم، ويشكلون أقلية في تلك المناطق.

1. حول عدد الكورد في كوردستان

يذكر المؤلف السيد أحمد وصفي زكريا عدد الكورد في ذلك الوقت على النحو التالي: تركيا مليونان ونصف، إيران مليونان، العراق قرابة المليونين، سورية نصف مليون. ورداً على ما يذكره المؤلف لا نواجهه بأرقام الإحصاءات التي أوردها مؤرخون وباحثون كورد، لأن هؤلاء منحازون في رأيه، وإنما نورد فقط ما أورده الدكتور لازارييف، المؤرخ والعالم الأكاديمي السوفيتي، في إحدى المجلات عام 1983:

«ويقدر عدد الأكراد اليوم بحوالي خمسة وثلاثين إلى أربعين مليون نسمة، يسكن أكثر من 85% منهم كوردستان، وإن الأكراد يشكلون أكبر أقلية عرقية في بلدان الشرق الأدنى المقتسمة لكوردستان، حيث يشكلون أكثر من 23% من مجموع السكان في تركيا، و18% في إيران، و20% في العراق، و12% في سورية. وتكفي هذه الإحصائيات وحدها لإدراك مدى أهمية القضية الكوردية وجديتها».

إن إحصاء الكورد بشكل دقيق صعب، بل مستحيل، بسبب مواقف الحكومات والأنظمة الشوفينية المتعصبة المتجاهلة للوجود القومي الكوردي. وهناك إحصاءات كوردية توصل الرقم إلى (35-45) مليوناً، موزعين بين 25 مليوناً في تركيا، و14 مليوناً في إيران، وستة ملايين في العراق، ومليون ونصف المليون تقريباً في سورية، والبقية موزعون بين الاتحاد السوفيتي ولبنان وأفغانستان. ولكن ليست لدينا الأدلة العلمية لإثبات هذا الرقم وذلك التوزع، ونبقى واثقين بمعلومات العلماء والمؤرخين السوفيت والأوروبيين الموثقة في مصادرهم.

وضمن هذا النهج يتطرق المؤلف أحمد وصفي زكريا إلى جغرافية كوردستان، وينفي أن تكون لكوردستان شطآن أو خلجان. والحقيقة أننا لسنا مختصين بالجغرافيا حتى نرد عليه، والشعب الكوردي عندما يقرر مصيره سيعرف عند ذاك أين تنتهي حدود كوردستان الجغرافية وأين تبدأ حدود الآخرين، ويجب عليه أن يتخذ الموقف السليم والأمين والكريم.

ويذهب المؤلف إلى تناول «النشيد القومي الكوردي»، ويعدّ إحدى قصائد شاعر كوردستان إيران «هزار» النشيد القومي. ولتصحيح معلوماته فإن النشيد القومي المتعارف عليه هو «أي رقيب»، وليس ما أورده المؤلف. وحتى لو كانت تلك القصيدة التي أشار إليها نشيداً قومياً، فهي قصيدة رائعة تتغنى بأمجاد الشعب الكوردي ومآثره ومناطقه الجميلة، بما فيها بترول كوردستان، وليس كما يدعي من أن تلك القصيدة هي التي دمرت جمهورية مهاباد. فهل المطالبة بحق تقرير المصير حق باطل للشعب الكوردي، ومشروع في الوقت نفسه لشعوب أخرى غير الكورد؟


أجزاء «المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ» (12 جزءاً):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع (هذا الجزء)
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن
  9. الجزء التاسع
  10. الجزء العاشر
  11. الجزء الحادي عشر
  12. الجزء الثاني عشر

→ الجزء الثالث  |  الجزء الخامس ←