الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ (الجزء الثامن)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

الكورد واحتلال العراق: الصيد الثمين

كان للكورد دور رئيس في احتلال العراق، من خلال قوات البيشمركة الكوردية، ومن خلال التعاون الوثيق مع الأمريكان قبل سقوط بغداد في 9 نيسان 2003. ولم تشارك قوات البيشمركة الكوردية في الأيام الأولى للحرب الأميركية على العراق التي بدأت في 20 آذار 2003، ولم تكن الجبهة الشمالية العراقية في مجملها ساحة للقتال كما كان الحال في الجبهة الجنوبية، خاصة بعد أن رفض البرلمان التركي السماح للقوات الأميركية بالعبور إلى العراق من أراضيه. إلا أن المقاتلين الكورد (البيشمركة) قاموا، برفقة وحدات من القوات الأميركية، بالضغط العسكري على القوات العراقية في مدينة الموصل الشمالية في أواخر أيام الحرب عشية احتلال بغداد، كما قدموا قبل ذلك دعماً لوجستياً للقوات الأميركية، ولا سيما لبعض طواقم القوات الخاصة الأميركية وعناصر الاستخبارات التي تسللت إلى تلك المنطقة الكوردية لتمهيد البيئة والمساعدة في عملية غزو العراق.

وبعد احتلال بغداد وسقوط نظام الحكم في 9/4/2003م وحل الجيش العراقي، يمكن القول إنه بات مؤكداً أن الكورد قد تخلصوا من تهديد عسكري تنظمه دولة مركزية (العراق)، ظل مرافقاً لمسيرة عملهم المسلح منذ نشأة الدولة العراقية الحديثة مع الغزو البريطاني عام 1921م حتى انهيارها مع الغزو الأميركي في 9 نيسان 2003م. لكن يمكن القول في الوقت نفسه إن توقف العمل المسلح الذي تشهده المناطق الكوردية حالياً لا يمكن الجزم بأنه سيكون أبدياً، لسبب بسيط هو أن حلم الدولة الكوردية المستقلة الموحدة لم يتحقق للشعب الكوردي بعد، لأنه يعتمد على المصالح الدولية في المنطقة.

لكن الحقيقة الساطعة أنه لا توجد أي دولة، باستثناء العراق المحتل طبعاً، يشارك فيها الكورد في الحكم؛ فهم يشاركون في حكم العراق مع إخوانهم العرب، ونسبتهم 20 في المئة من سكان العراق. فرئيس الدولة العراقية جلال الطالباني كوردي، ووزير الخارجية هوشيار زيباري كوردي، ونائب رئيس الوزراء برهم صالح أو روز نوري شاويس، وكلاهما كوردي، ورئيس أركان الجيش كوردي، وهناك مئات من الوظائف الحساسة في مؤسسات الدولة والحكومة يشغلها مواطنون كورد، فضلاً عن عشرات البرلمانيين الكورد في مجلس النواب العراقي في المنطقة الخضراء ببغداد. ولكن صلاحيات هؤلاء مقيدة في الوقت الحاضر بسبب سيطرة حزب الدعوة (في حينها) على جميع القرارات الرئيسة والمهمة.

وهذا أمر معروف للجميع وموثّق، ويشارك هناك أيضاً شخصيات من مختلف القوميات والأديان والطوائف. لكن المشكلة أن القيادات العربية أو الدينية المسيطرة على مركز القرار في بغداد لا تؤمن حتى الآن بالحقوق القومية للكورد، ولا تتحمل وجودهم في المناصب المذكورة أعلاه، وتتعامل مع العراقيين الآخرين وكأنهم أعداء وخصوم لها، وتحاول بكل السبل أن تحمّلهم جميعاً مسؤولية فشلها في إدارة الدولة. وبعد أن ربطت نفسها بشكل مصيري بأمريكا، صارت، بعد غزو العراق، تتحكم بمصائر ثمانية وعشرين مليون عراقي ومستقبلهم وحياتهم، ويتحدث هؤلاء دائماً عن حقوق تاريخية، كلٌّ بحسب قوميته وطائفته. ودائماً يتهم الإخوة العرب الكورد بأن لهم علاقة بإسرائيل، أو بأنهم إسرائيل ثانية في المنطقة، وهذا غير صحيح، ولو كان صحيحاً لشكّل الاستعمار الدولة الكوردية منذ فترة طويلة، لأن الاستعمار هو السبب في عدم تشكيل الدولة الكوردية في حينها، كسائر الدول العربية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى. علماً بأنه كان للوكالة اليهودية، قبل إنشاء الكيان الصهيوني عام 1948م، مندوب في بغداد، وهي تحت حكم ملك عربي وغالبية عربية، يعمل تحت غطاء العمل الصحفي، واسمه «روفين شيلوا»، ونائبه «أفرايم»، وهما يهوديان، وكانت غايتهما الحد من التهديد العسكري العراقي المحتمل للدولة الصهيونية، ومساعدة يهود العراق على الفرار إلى الكيان الصهيوني (إسرائيل)، وأطلق على عملية التدريب هذه اسم «خارفا در أي السجادة».

كركوك والفيتو التركي: زئير الأسد

يطالب كورد العراق بإلحاق مدينة كركوك، ذات الأغلبية الكوردية والتاريخ الكوردي والغنية بالنفط، بإقليم كوردستان (للمعلومات يمكن مراجعة كتابنا «كركوك: تاريخها وجغرافيتها»)، إلا أن التركمان والعرب في المدينة يعارضون هذه الخطوة. ويبلغ عدد سكان كركوك نحو مليون نسمة، بغالبية كوردية وخليط من التركمان والعرب، مع أقلية كلدوآشورية. وتنص المادة 140 من الدستور العراقي الحالي، الذي وُضع بعد احتلال العراق، على تطبيع الأوضاع في كركوك، ثم إجراء استفتاء لتحديد مصيرها، وهو ما تعارضه تركيا بشدة، لخشيتها من أن يؤدي إلحاق كركوك ذات الأغلبية الكوردية بالإقليم الكوردي إلى تقوية النزعة الاستقلالية لدى الكورد، بعد حصولهم على الموارد النفطية الكبيرة في كركوك.

وحثت تركيا مراراً حكومة بغداد وقوات الاحتلال الأمريكي في العراق على القيام بحملة صارمة ضد عدد يقدر بنحو 4000 مسلح ينتمون إلى حزب العمال الكوردستاني، يستخدمون كوردستان العراق نقطة انطلاق لشن هجمات على أهداف داخل تركيا. وقالت أنقرة إنها «تحتفظ، وفقاً للقانون الدولي، بحق إرسال قوات تركية إلى كوردستان العراق للتعامل مع المتمردين الأكراد الأتراك» من حزب العمال الكوردستاني (PKK).

شد وجذب بين مسعود البارزاني ورجب طيب أردوغان

غضبت تركيا بوجه خاص في الأيام الأخيرة بسبب تصريحات رئيس إقليم كوردستان مسعود البارزاني، التي هدد فيها تركيا بالتدخل في شؤونها الداخلية، في قضية ديار بكر (أكبر مدينة كوردية في شرق الأناضول، كوردستان الشمالية، في منطقة تقطنها أغلبية كوردية جنوب شرقي تركيا) وعدد من المدن الكوردية الأخرى في تركيا، وذلك إذا تدخلت أنقرة في قضية مدينة كركوك العراقية ذات الأغلبية الكوردية. ونقلت الصحف التركية عن مسعود البارزاني قوله: «إذا تدخلت تركيا في كركوك لدعم بضعة آلاف من التركمان فيها، فإننا سنتحرك لمساندة 30 مليون كوردي في تركيا».

وجدد السيد مسعود البارزاني يوم الثلاثاء 10 نيسان تهديده قائلاً: «أقولها بكل صراحة: لا يمكننا أن نقبل من أية جهة التدخل في مسألة كركوك، ذات الأغلبية الكوردية والكوردية تاريخياً وجغرافياً، لأن أي تدخل فيها سيؤدي إلى تعقيد الأمور لا إلى حل المشكلة». وأضاف: «نحن سندافع عن قضيتنا الكوردية العادلة ولن نركع». وانتقد البارزاني الموقف التركي من مسألة كركوك قائلاً إن «مسألة كركوك مسألة عراقية لا يحق لأي دولة أجنبية التدخل فيها»، وإن «هذا الموضوع يجب معالجته وفق المادة 140 من الدستور»، الذي وضعه مجلس الحكم المنحل برئاسة بول بريمر آنذاك. وجدد البارزاني تمسكه بتصريحاته قائلاً: «نحن لا نقبل التهديدات من أحد، وكما لا نتدخل في شؤون الآخرين فعلى الآخرين أيضاً ألا يتدخلوا في شؤوننا».

ولم تقف تركيا ساكنة أمام تصريحات السيد مسعود البارزاني، فقد وجه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بدوره تحذيراً شديد اللهجة إلى البارزاني وإلى كورد العراق من الثمن الباهظ الذي قد يدفعونه عقب هذه التصريحات، وقال: «هناك شمال عراقي محاذٍ لتركيا يرتكب خطأً جسيماً في طريقة تصرفه، وهذا قد يرتب عليهم ثمناً باهظاً. مسعود البارزاني تخطى الحدود، وأنصحهم بألا يتفوهوا بكلام لا يستطيعون تحمل عواقبه، وأن يدركوا حجمهم، لأنهم قد يُسحقون جراء هذا الكلام». وأضاف أردوغان: «لقد اجتاز مسعود البارزاني بهذا الكلام كل حدوده مرة أخرى، وعليه ألا يثير غضب تركيا بتهديداته». ومن هذا الكلام نرى الغطرسة التركية وغرور الأتراك وتدخلهم في الشؤون الداخلية لبلد مستقل. وحذّر كورشاد توزمن، وزير الدولة التركي لشؤون التجارة الخارجية، الإدارة الكوردية في كوردستان العراق من مغبة اختبار قوة إرادة أنقرة، مؤكداً أن تركيا مدت يد العون لكثير من الدول التي كانت بحاجة إلى ذلك، وخصوصاً الكورد في كوردستان العراق، وقال: «قد تحوّل تركيا يد الصداقة التي تبسطها نحو الجميع إلى قوة ضاربة موجعة لمن يستحقونها». هذه هي العقلية التركية، وهذا غرور الأتراك بقوتهم، وهم لا يعترفون بالقوانين الدولية وحقوق الشعوب والدول المستقلة.

محاولات جلال الطالباني للتهدئة بين أردوغان ومسعود البارزاني

لإخماد الأزمة السياسية المشتعلة بين تركيا والعراق المحتل، واحتواء التصعيد السياسي المتبادل، رفض الرئيس العراقي جلال الطالباني تصريحات مسعود البارزاني، وأبدى في اتصال هاتفي بأردوغان «أسفه العميق إزاء هذه التصريحات»، مؤكداً أنها لن تؤثر في العلاقات التركية العراقية. كما اقترح الطالباني على رئيس الوزراء التركي إرسال لجنة تركية محايدة للتحقيق فيما إذا كان هناك زحف كوردي نحو مدينة كركوك ذات الأغلبية الكوردية.

حقيقة تاريخ محافظة كركوك الكوردية وجغرافيتها

(راجع كتابنا «كركوك: تاريخها وجغرافيتها منذ القدم»).

من الناحية الجغرافية (يمكن مراجعة موسوعة «الأكراد: حقائق ووقائع عبر التاريخ»، الفصل التاسع والعشرين، الجزء العاشر، تاريخ كركوك) تربط مدينة كركوك بين نواحي محافظتي ديالى وصلاح الدين وأقضيتهما والقرى والقصبات الشمالية. ومن الناحية السكانية يسكن هذه المدينة التركمان والعرب والكورد، وتمثل نموذجاً للتمازج والاختلاط بين هذه القوميات المتآخية. ودينياً يعيش فيها المسلمون والمسيحيون، وسكنها اليهود منذ أن وصلوا إليها في زمن الآشوريين (خلال القرنين السادس والخامس قبل الميلاد) حتى ستينيات القرن العشرين، بعد موجات هجرة اليهود العراقيين التي بدأت منذ عام 1947، واستمرت خلال الخمسينيات والستينيات. ومن آثار هذا الاختلاط السكاني في كركوك معرفة غالبية سكانها لغة الآخر، فتجد العربي والكوردي والتركماني يتفاهمون بهذه اللغات الثلاث، ويتبادلون المفاهيم المعرفية والثقافية والحضارية. وبعيداً عن الأزمات التي يصنعها السياسيون من جميع الأطراف، فإن حياة الجميع في كركوك تتسم بالمودة والتكامل والتفاعل الإيجابي على جميع الصعد. هذا ما كان في السابق، ولكن الحكومات العراقية المتعاقبة، وخاصة الحكومة السابقة، حاولت بكل جهدها تعريب كركوك، وتهجير سكانها الأصليين الكورد منها، وإسكان العرب القادمين من الجنوب والوسط في أماكنهم (راجع الجزء العاشر، فصل تعريب كركوك، من الموسوعة لمزيد من المعلومات).

النفط في كركوك الكوردية: محل التنافس

ظهر في مدينة كركوك عنصر رئيسي أسهم في خلق الأزمات وإثارة الحساسيات، وهو اكتشاف النفط بكميات كبيرة في حقولها. وقد اتخذ صراع السياسيين على هذه المدينة أشكالاً متعددة، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة:

أ. تخوف الحكومات العراقية المركزية المتعاقبة، بعد تأسيس الدولة العراقية وتتويج الملك في 23 آب 1921م، وتحديداً بعد اكتشاف النفط وازدياد أهميته في السوق العالمية، من خروج هذه الثروة النفطية من سيطرتها، فتفقد بذلك مورداً مهماً من مصادر تمويل الدولة العراقية العربية الجديدة. ولأن المناطق الكوردية في كوردستان العراق، ومنها كركوك التي اكتُشف فيها النفط، بقيت في حالة من القلق وعدم الاستقرار، فقد رافق هذا التخوف حكومات بغداد المتعاقبة، خاصة بعد انتهاء الحكم الملكي في 14 تموز 1958، وصعود الزعيم الركن عبد الكريم قاسم إلى السلطة، والحكومات التي جاءت من بعده: الحكم العارفي عام 1963، وحكم حزب البعث عام 1968. وسيطر على هذه الحكومات العراقية المتعاقبة هاجس ضرورة عدم التفريط في الثروة النفطية المتوفرة في مدينة كركوك ذات الأغلبية الكوردية.

ب. وبقيت تركيا تلوّح من بعيد، ولم تترك مناسبة إلا وأعلنت عن وجودها على نقطة التماس، بذريعة الدفاع عن التركمان الموجودين في مدينة كركوك، والخشية من تعرضهم لأي نوع من الاضطهاد من القوى والأطراف الأخرى. ولم تتردد أنقرة في التلويح بالسيطرة على ما تطلق عليه «ولاية الموصل» ذات الأغلبية الكوردية، التي تمتد، استناداً إلى الاتفاقيات الدولية التي قُسّمت بموجبها المنطقة (كوردستان) بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، لتشمل مدينة كركوك. وتحاول تركيا استغلال مسألة الدفاع عن التركمان في كركوك لتحقيق هدفين رئيسيين:

أولاً: استمرار الضغط على كورد العراق، لكي لا يكون هناك أي متنفس يستثمره كورد تركيا، الذين تطلق عليهم الحكومات التركية تسمية «أتراك الجبال»، ولا تسمح لهم حتى باستخدام اللغة الكوردية.

ثانياً: الضغط باتجاه استمرار ضخ نفط كركوك عبر الأراضي التركية وصولاً إلى ميناء جيهان، بما يحقق موارد مالية للخزينة التركية، ويُبقي السيف التركي مسلطاً على القرار الاقتصادي العراقي، فإذا جاءت أية ضغوط أو تحركات لا تنسجم مع الرغبات التركية سارعت أنقرة إلى استخدام ورقة تسويق النفط عبر أراضيها.

ج. القوى السياسية الكوردية التي تحرص على ضم كركوك، الكوردية تاريخياً وذات الأغلبية الكوردية رغم إجراءات التعريب والتهجير القسري فيها. فقد صعّدت القوى السياسية الكوردية حملاتها ودعواتها لضم كركوك مع ازدياد أهمية الثروة النفطية، ومن يتابع الخطاب السياسي للزعماء الكورد خلال العقود الماضية يجده زاخراً بالوعود للكورد العراقيين، من خلال رسم صورة للرفاهية والتنمية، وهذا لن يحصل من دون موارد اقتصادية. ولأن هذه المناطق الكوردية لا تمتلك مصادر لمثل هذه الموارد، فإن نفط مدينة كركوك كفيل بتحقيق ذلك، وهذا حق مشروع ضمن الدستور العراقي. ويتجسد هذا الطرح الكثيف، والضخ الإعلامي والسياسي، في إصرار القوى الكوردية على تطبيق الفيدرالية التي تحقق مطالبهم الأساسية الخاصة بالثروات في كوردستان واستخدامها، وفق ما جاء في الدستور الذي أُعد وصيغ في العراق، وجرى الاستفتاء عليه في الخامس عشر من تشرين الأول 2005.

ومن يدقق في خطاب القادة الكورد ويحلله، سواء من الحزب الديمقراطي الكوردستاني بزعامة مسعود البارزاني أو الاتحاد الوطني الكوردستاني بزعامة جلال الطالباني في حينها، يجد أن مرتكزات هذا الخطاب لا تنفك عن المطالبة بمدينة كركوك ذات الأغلبية الكوردية، التي تقول الشعارات المنقوشة على الجبال إنها قلب كوردستان، رغم بعدها الجغرافي بعض الشيء. وأعتقد أنه إذا طُبقت المادة (140) وجرى التطبيع والاستفتاء فيها فستكون الكلمة لنتائجهما. ولا يتحدث هذا الخطاب عن عناصر ثقافية وحضارية ومرتكزات من هذا القبيل، بل يميل إلى رسم الخريطة المستقبلية استناداً إلى الثروة النفطية في مدينة كركوك، مما يؤكد، في رأي البعض، أن الفيدرالية المطروحة في العراق فيدرالية قوية لشعب يطالب بحقوقه المشروعة.

التحالف الكوردي السني في العراق: إشكالية الممكن والمستحيل

في ظل ما يحدث في العراق المحتل من عدوان أميركي مستمر على أهله، من قتل واعتقال وتعذيب وتهجير وإشعال لنار الفتنة الداخلية، وفي ظل ما يقوم به الشيعة في العراق ضد السنة من تهجير وقتل واضطهاد، هل يمكن أن يتحد الكورد والسنة في وجه الأمريكان والصهاينة، وفي وجه الشيعة الذين تمكنوا من العراق بعد احتلاله من قبل التحالف الأمريكي البريطاني؟

طرح محللون منذ احتلال الأمريكان للعراق بعض السيناريوهات المتوقعة لمستقبله، وتراوحت بين الفيدرالية والحرب الأهلية، وبالطبع كان للسنة والكورد موقفهم من هذين السيناريوهين. فأميركا تهدف إلى تحقيق الفيدرالية في العراق في إطار تحقيق مصالحها، وترسيخ سيطرتها على الثروة والسلطة، والشيعة يريدون الفيدرالية ليتمكنوا من السيطرة على العراق وحكمه، والكورد يريدونها ليحققوا استقلالاً أكبر، إن لم يتمكنوا من الاستقلال التام لشعبهم الكوردي الذي تعرض للإقصاء والتهميش والتهجير والإبادة الجماعية. وكلا السيناريوهين سيئ، ويدفع العراقيين، وعلماء السنة ومفكريهم بالتحديد، إلى البحث عن استراتيجية واضحة وبعيدة المدى لتحرير العراق من الاحتلال والحفاظ على وحدته.

ويرى محللون أن من الصعب أن يحدث اتحاد كامل وشامل بين الكورد والسنة، لأن للكورد أهدافهم الخاصة، كما أنهم ما زالوا يشعرون بأنهم اضطُهدوا خلال تاريخ العراق، ويحمّلون السنة بعض المسؤولية عن ذلك. إلا أنه ليس من المستحيل أن تجتمع إرادة الكورد والسنة في بعض المواقف، خاصة أن غالبية الكورد العراقيين مسلمون سنة؛ ففي آذار 2006 اتحد السنة والكورد في موقفهم من ترشيح إبراهيم الجعفري رئيساً للحكومة العراقية الموالية للاحتلال، حين اصطدمت مفاوضات تشكيل الحكومة آنذاك برفض كتلتين بارزتين تمثلان العرب السنة والكورد ترشيح الجعفري لرئاسة هذه الحكومة، فيما جدد الائتلاف الشيعي تمسكه به. وصرح محمود عثمان، عضو البرلمان العراقي عن قائمة التحالف الكوردستاني آنذاك، بأن الكورد والسنة يؤكدون أن إبراهيم الجعفري غير مناسب، ولا يستطيعون تشكيل مجلس وزراء بالاشتراك معه لكونه غير حيادي (شيعي متعصب).

إذن من الممكن أن يشكل الكورد والسنة في العراق ضغطاً سياسياً موحداً تجاه العديد من المواقف أو القوانين التي تهدف أميركا إلى تمريرها عبر أذنابها في العراق. قد لا يكون ذلك اتحاداً سياسياً شاملاً دائماً، ولكن من المؤكد أن الوضع السياسي العراقي الحالي يمهد لحالات توافق مشتركة بين الكورد والسنة، وهو ما يعد صفعة شديدة في وجه الأمريكان والشيعة.

ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الكورد يجب أن يشاركوا في صنع القرار السياسي في بلادهم، سواء في العراق المحتل أو في إيران أو سوريا أو تركيا، ولذا يجب على الحكومات أن تحتوي الكورد بذكاء سياسي واجتماعي، لأنهم أصحاب حق في مطالبتهم بحقوقهم القومية الكوردية المشروعة، وأن تدرك هذه الدول أن سياسة تهميش الكورد أو اضطهادهم ليست في صالحها، ولا في صالح الشعوب التي تسعى إلى رفع مستوى معيشتها وتحقيق التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ويؤكد الملف حقيقة تاريخية واضحة، هي أنه لم يجرِ في العراق أي تمييز بين الشعبين العربي والكوردي، بل إن الموالين للنظام الملكي العراقي من الكورد وصلوا إلى أعلى المراتب الرسمية (رؤساء ووزراء ومديرين)، في حين تمتع الكورد المعارضون لهذا النظام بمراكز قيادية في الأحزاب العراقية المعارضة للملكية، وكانوا يعملون ضمن الحركة الوطنية العراقية ككل. كما أن العراق هو الدولة الوحيدة بين دول المنطقة التي اعترفت بالوجود الكوردي، وأن الدساتير والتشريعات العراقية تعترف جميعها بحقوق الشعب الكوردي، ولكن الحكومات العراقية المتعاقبة، مع الأسف، كانت لا تطبق ذلك.


أجزاء «المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ» (12 جزءاً):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن (هذا الجزء)
  9. الجزء التاسع
  10. الجزء العاشر
  11. الجزء الحادي عشر
  12. الجزء الثاني عشر

→ الجزء السابع  |  الجزء التاسع ←