الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ (الجزء الثاني عشر)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
بدأ عبد الكريم قاسم بممارسة سياسة عقلانية إزاء المجتمع العراقي في بداية حكمه. وخلال هذه الفترة التقى به وفد من الكورد الفيلية مهنئاً بمناسبة الأول من ربيع الآخر 1378هـ (14/10/1958م)، وأثناء الحديث أشار عبد الكريم قاسم إلى حقيقة مهمة، ربما لم يكن يعرفها كثيرون حينذاك، إذ قال عن موطن الكورد وجغرافية منطقتهم في العراق: «إن المناطق التي تبدأ من الضفاف الشرقية لنهر دجلة هي موطن الكورد الفيلية منذ القدم». وكان لهذا القول السليم وقع حسن على مسامع الكورد الفيلية والكورد جميعاً، وهو يعبر عن مضامين جيدة لصالحهم، ولهذا أيضاً حظي قائد ثورة 14 تموز 1958 الزعيم عبد الكريم قاسم بحب الكورد الفيلية والكورد جميعاً وتأييدهم. ومع أنهم وقفوا بحزم ضد حربه على الشعب الكوردي، بوصفهم جزءاً من هذا الشعب، وضد سياساته الاستبدادية الفردية، وناضلوا من أجل الديمقراطية للعراق، وتعرضوا بسبب ذلك للمضايقات والاعتقال والتعذيب، فقد هبّوا دفاعاً عن الثورة وعن عبد الكريم قاسم بالذات حين قامت المجموعات القومية والبعثية بانقلابها في الثامن من شباط 1963، الذي أدى إلى إسقاط عبد الكريم قاسم واغتياله مع كثير من رفاق دربه؛ إذ تحول «حي الأكراد» في بغداد إلى قلعة نضالية مسلحة ضد حكم الانقلابيين البعثيين. ولهذا السبب أيضاً تعرض الحي لهجوم كاسح وتخريب واسع من قوات الانقلابيين، وتعرض الكورد الفيلية للاعتقال والسجن والتشريد والقتل على أيدي البعثيين والقوميين العرب الذين استولوا على السلطة وحكموا العراق بالحديد والنار، كما أُجبر كثير منهم على ترك البلاد والهجرة إلى إيران، ومنها إلى بلدان أخرى. وها هو الشعب في عراق ما بعد نظام حزب البعث وصدام حسين ما يزال يعاني من جراء تلك السياسات الفردية التي مارسها عبد الكريم قاسم، ومن جراء الانقلاب الدموي في 8 شباط 1963م الذي أنهى الجمهورية الأولى، إضافة إلى السياسات الصبيانية وضعف الوعي السياسي والديمقراطي لدى القوى السياسية العراقية المختلفة حينذاك.
وقد برزت الإشكالية الكبرى إزاء الكورد الفيلية في فترة حكم نظام البعث، إذ عاد هذا النظام إلى التعامل معهم على أساس الجنسية (أ) و(ب)، والتمييز بين من اعتُبروا من التبعية العثمانية (أ) ومن اعتُبروا من تبعية أجنبية (ب)، سواء أكانت فارسية أم أفغانية أم هندية أم غيرها؛ فمن له تبعية عثمانية يُعدّ عراقياً أصيلاً، ومن له تبعيات أخرى، وخاصة التبعية الفارسية، يُعدّ أجنبياً أو غير عراقي. وكان النظام الملكي قد وضع بذلك قاعدة وسابقة خطيرة للتمييز بين العراقيين، أي بين من هم من التبعية العثمانية بوصفهم مواطنين من الدرجة الأولى، ومن هم من تبعيات أخرى، وخاصة الإيرانية الفارسية، بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية، رغم عراقيتهم المؤكدة. ومع ذلك لم يمارس النظام الملكي إسقاط الجنسية عن العراقيين بسبب كونهم من الجنسية (أ) أو من الجنسية (ب)، ولكنه مارس إسقاط الجنسية العراقية لأسباب سياسية مجحفة. وكان وضع مثل هذه الصيغة في قانون الجنسية العراقية الأول رقم 42 لسنة 1924 يعد من حيث المبدأ تمييزاً شوفينياً وطائفياً مسيئاً لوحدة المواطنة وحقوقها، وبذلك أرسى النظام الملكي وسلطات الانتداب البريطاني الأساس المادي للتعامل التمييزي غير الإنساني مع العراقيين من كورد وعرب حين اعتُبروا من التبعية الإيرانية أو غيرها. ولم يعمد الحكم الملكي إلى تغيير بنود هذا القانون أو تعديلها بما يساعد على إزالة هذا الحيف والتمييز غير العقلاني إزاء مجموعة كبيرة من العراقيات والعراقيين، بل أجرى بعض التعديلات التي أباحت الحكم بإسقاط الجنسية العراقية عن السياسيين، ولا سيما الشيوعيين، وأعطته «الشرعية القانونية»، بوصفهم «حملة مبادئ هدامة ويخدمون جهات أجنبية»!
أما الجماعات القومية والبعثية التي انتزعت الحكم في انقلاب 8 شباط 1963، ثم النظم الحاكمة التالية ذات الطبيعة الفكرية والسياسية المماثلة، فقد بدأت بإصدار القوانين والقرارات والتعليمات الكثيرة المحددة لصيغ التعامل مع الجنسية وحق المواطنة العراقية، بما أسهم في تشديد هذه المشكلة، وفي ممارسة التمييز الصارخ، وإنزال أفظع الإجحاف بحق المواطنين العراقيين. فبعد انقلاب الثامن من شباط 1963 صدر قانون الجنسية رقم 43 لسنة 1963، ثم صدر القانون رقم 206 لسنة 1964 بعد انقلاب القوميين على حكم البعث. وبعد مجيء البعث ثانية إلى السلطة في السابع عشر من تموز 1968م صدرت مجموعة قرارات عن مجلس قيادة الثورة ابتداءً من عام 1968. وفي عام 1980 صدرت مجموعة من القرارات، منها القراران رقم 180 و200، ثم القرار الخاص بإسقاط الجنسية العراقية رقم 666 لسنة 1980م، إضافة إلى قرارات أخرى بصدد الجنسية في العام نفسه، وهو العام الذي شن فيه النظام العراقي الحرب على إيران (1980). وبعد ذلك صدر القانون رقم 46 لسنة 1990، وأخيراً صدر قرار مجلس قيادة الثورة رقم 199 لسنة 2001 بشأن الجنسية العراقية. ويمكن للمتتبع أن يؤكد أن جميع هذه التشريعات والتعديلات القانونية والقرارات الخاصة بالجنسية العراقية استهدفت تحقيق النتائج التالية:
- تكريس الفكر الشوفيني المتعصب في الحياة الفكرية والسياسية العراقية، وهو نهج مناهض لكل العراقيين من غير العرب، ولا سيما الكورد، ومنهم على نحو خاص الكورد الفيلية، وكذلك للعراقيين من أصل فارسي إيراني يعود إلى مئات السنين.
- تكريس الفكر الطائفي المناهض للمذهب الشيعي (من أصول فارسية)، إذ إن الذين اعتُبروا أجانب في قانون الجنسية الأول (رقم 42 لسنة 1924) هم الجماعات الشيعية التي رفضت استحصال التبعية العثمانية أو لم تفكر فيها أصلاً، وهي مجموعات الكورد الفيلية، وهم في أغلبيتهم شيعة المذهب وعراقيو الأصل، وكذلك المجموعات ذات الأصل الفارسي الإيراني، والعرب الشيعة الذين لم يفكروا أصلاً في التبعية العثمانية لأسباب مذهبية، أو بسبب الإهمال وعدم الاهتمام، أو عدم معرفة أهمية الجنسية في الحياة اليومية للمواطن العراقي.
- إدخال الجانب الأيديولوجي والسياسي في التشريع العراقي لقضية قانونية في الأساس، من خلال وضع حق الاعتراف بعراقية المولود في العراق من أب مولود في العراق، أي صاحب الولادة المضاعفة، أو عدم الاعتراف بها، بيد وزير الداخلية، فاعتُبر أجنبياً وهو عراقي أصلاً، في حين يفترض حسم هذا الموضوع من خلال دوائر الجنسية أولاً، ثم عبر القضاء ثانياً.
- استخدام سلاح الجنسية العراقية سياسياً للتخلص من عدد كبير من العراقيين الذين اعتُبروا مناهضين للنظام أساساً، ثم اعتُبروا عملاء أو طابوراً خامساً لإيران في العراق. وأدى هذا الموقف السياسي إلى إنزال أشد الأضرار بعدد كبير من العراقيين، وهم الكورد الفيليون، الذين هُجّروا قسراً إلى إيران بعد سحب جنسيتهم العراقية، ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة، وتعريضهم لحياة قاسية في الغربة، ولاحتمالات الموت في دروب التهجير القسري إلى إيران.
- وكانت هذه السياسة محاولة جديدة لتغيير الطابع القومي والطائفي لمناطق معينة من العراق؛ إذ يُفترض ألا ننسى أن عدد النساء والرجال الذين سُفّروا، أو لقوا حتفهم جراء سياسات التهجير القسري لمن اعتُبروا من التبعية الإيرانية، أو اعتُقلوا لهذا السبب، كان كبيراً جداً، واقترب من نصف مليون كوردي. ولو استمر وجود هؤلاء في العراق وبقوا على قيد الحياة لأسهموا في إغناء الشعب العراقي بولادات كوردية جديدة، وهو الأمر الآخر الذي أراد النظام العراقي البعثي السابق التخلص منه. وعلينا ألا ننسى ربط هذه الإجراءات التعسفية بعمليات الأنفال العسكرية سيئة الصيت، وتغييب عشرات الآلاف من أبناء الشعب الكوردي، إضافة إلى عمليات التغيير الديموغرافي لمناطق كوردستانية عراقية معينة، ومنها كركوك ذات الأغلبية الكوردية، على سبيل المثال لا الحصر.
- وإذا كان الفكر الذي استند إليه نظام الحكم السابق في العراق في إصدار تلك التشريعات فكراً شوفينياً عنصرياً بشعاً، فإن ممارسات نظام الحكم البعثي السابق في تطبيقها كانت أكثر بشاعة إزاء الشعب العراقي، ولا سيما إزاء الجماعات التي شملتها تلك التشريعات (الكورد الفيلية).
- وكانت لهذه التشريعات والممارسات السياسية والأمنية عواقب وخيمة على الوحدة الوطنية في العراق، تناولناها سابقاً في الموقف من الشعب الكوردي، ومنه الكورد الفيلية، ومن جماعات كبيرة من عرب الجنوب والوسط، وسنتناولها هنا بالارتباط مع قانون الجنسية العراقية.
أشرنا إلى أن النظام الملكي في العراق أصدر قانون الجنسية العراقية الأول عام 1924، أي أثناء التحضير لإصدار القانون الأساسي العراقي (الدستور)، الذي أُقر عام 1925، لأول مرة بعد قيام الدولة الملكية العراقية في 23 آب 1921. وكان المفروض في المشرع العراقي أن يستند في وضعه للقانون إلى عدد من الحقائق المهمة التي تميز بها الوضع في العراق حينذاك، ومنها:
- أ. خلاص العراق من هيمنة عثمانية دامت قرابة أربعة قرون، كانت شبيهة بالقرون الوسطى في أوروبا أو أسوأ منها بكثير، واقترنت بجملة من إجراءات الاضطهاد، وتحمّل الكثير من الآلام والعذابات، وعمّقت الفجوة بين القوميات المختلفة، وبين أتباع الأديان والمذاهب في العراق.
- ب. وكان العراق في فترات مختلفة، قبل هذه القرون الأربعة وأثناءها، ساحة للصراع السياسي والطائفي غير العقلاني بين الدولة العثمانية التركية والدولة الفارسية الصفوية، مما أدى إلى نشوء خنادق متباينة مضرة بوحدة العراق الجديد، كانت بحاجة إلى ردمها لا إلى تعميقها.
- ج. وفي ضوء هذا الواقع وُجد في العراق من كان ينتمي إلى الدولة العثمانية، ومن كان ينتسب إلى الدولة الفارسية الصفوية من الناحية المذهبية، وكان ذلك يترك تأثيره في ولاءات الناس بقدر معين، ولا سيما أن الروح الوطنية القائمة على قواعد وأسس مشتركة كانت ما تزال غير متوفرة، وهو ما تجلى في التقرير الذي كتبه الملك فيصل الأول قبل وفاته عن واقع العراق حينذاك، إذ كتب يقول: «إن البلاد العراقية من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية والدينية، فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، منقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى، غير مجلوبين لحسيات أو أغراض شخصية أو طائفية أو متطرفة، يداومون على سياسة العدل والموازنة والقوة معاً، على جانب كبير من الاحترام لتقاليد الأهالي، لا ينقادون إلى تأثيرات رجعية، أو إلى أفكار متطرفة تستوجب رد الفعل».
- د. وكان العراق حينذاك يتكون في بنيته السكانية القومية من عرب وكورد وتركمان وآثوريين وكلدان ويهود وفرس، رغم أن ولاية الموصل، ومنها كوردستان الجنوبية، لم تكن قد أُلحقت بعد بالعراق عند وضع قانون الجنسية لعام 1924م، كما كانت بنيته الدينية والطائفية متعددة أيضاً؛ فإلى جانب أتباع الدين الإسلامي وُجد أتباع الدين المسيحي، والدين اليهودي، والدين المندائي الصابئي، والدين الإيزيدي، والدين الشبكي، والدين الكاكائي، والمذاهب السنية والشيعية، على سبيل المثال لا الحصر.
- هـ. وكان العراق حينذاك تحت الهيمنة البريطانية، التي كانت تنظر إليه بوصفه مستعمرة يُراد لها أن تبقى تحت الاحتلال البريطاني وخاضعة للتاج البريطاني. وكان لا بد من وضع دستور مدني ديمقراطي بسبب مطالبة مجلس عصبة الأمم بذلك، ولكن بريطانيا كانت تريد أن تترك في الدستور ثغرات تساعد على استمرار وجودها من خلال مبدأ «فرّق تسد»، بعد أن عرفت العراقيين جيداً في انتفاضتي 1918 في النجف و1919 في السليمانية، وثورة 1920 في العراق عموماً.
- و. وكان المحدد العام للمشرع تلك المادة التي تضمنتها معاهدة لوزان (1923م)، التي وُقّعت بين الدولة التركية الحديثة والحلفاء، والتي نصت على ما يلي: «الرعايا المقيمون عادة في إقليم منسلخ عن تركيا بموجب هذه المعاهدة يصبحون من رعايا الدولة التي تنتقل إليها تلك الأرض وفق الشروط التي يضعها قانونها المحلي». وهذا النص العام لا غبار عليه، إذ يقرر واقع حال، على أن تتحدد القواعد لاحقاً وفق القانون المحلي.
وفي ضوء هذه الحقائق، ما الذي كان مطلوباً من المشرع العراقي لكي يبدأ بتكوين النسيج الوطني المشترك المطلوب لتعزيز وحدة العراق شعباً وأرضاً؟ إن الإجابة عن هذا السؤال سهلة للغاية، وكانت ستكون سليمة تماماً لو عمد المشرع إلى تثبيت نص أساسي واحد لا غير: لكل الأشخاص، نساءً ورجالاً، الذين عاشوا في المنطقة (ولايات الموصل وبغداد والبصرة) التي أصبحت جزءاً من العراق العربي الجديد الملكي، الحق الطبيعي في حيازة الجنسية العراقية. ولم تكن هناك أي حاجة إلى وضع نص يساعد على نشوء حالة التمييز بين العراقيين.
لكن المشرع العراقي، ومن ورائه سلطات الانتداب البريطاني، اختار نصاً أوجد الانقسام في المجتمع العراقي ثم كرّسه، وكان يسعى إليه، كما يبدو، بوعي مشوه بعيد عن الإحساس بالمسؤولية إزاء مستقبل العلاقات في المجتمع العراقي؛ إذ نصت المادة الثالثة من القانون رقم 42 لسنة 1924 على ما يلي:
«المادة الثالثة: كل من كان في اليوم السادس من آب 1924 من الجنسية العثمانية وساكناً في العراق عادة تزول عنه الجنسية العثمانية، ويعد حائزاً على الجنسية العراقية من التاريخ المذكور».
فماذا كان يعني ذلك؟ كان يعني محاولة المشرع تجاوز ثلاث جماعات من سكان العراق العربي الجديد الملكي، هي:
- الجماعة الأولى: التي لم تحصل على الجنسية العثمانية، وبقيت دون جنسية لأي سبب كان.
- والجماعة الثانية: التي كانت تحمل الجنسية الفارسية الإيرانية، ولكنها تقيم في العراق منذ عقود أو حتى قرون، أو التي كانت لا تحمل أي جنسية، ولكنها معروفة بأنها إيرانية.
- والجماعة الثالثة: التي كانت تضم العرب والكورد الفيلية بشكل خاص، والتي مُنحت الجنسية الإيرانية للتخلص من الخدمة العسكرية، سواء في الدولة العثمانية أو في الدولة العراقية لاحقاً، أو بسبب الشعور بالانتماء المذهبي إلى سكان فارس، دون أن تقدّر أهمية الجنسية العراقية.
والسؤال الذي يفترض الإجابة عنه هو: لِمَ انتهج المشرع العراقي هذا السبيل؟
يفترض أن ننطلق في التحليل والإجابة عن هذا السؤال من الظروف التي صدر فيها هذا القانون والفترة التي صدر فيها. وعليه يمكن الإشارة في الإجابة، بصورة اجتهادية، إلى الأفكار التالية، التي يمكن أن نجد اتفاقاً على أغلبها بين الباحثين في موضوعات الجنسية العراقية:
- كانت حياة الغالبية العظمى من سكان العراق، من العرب والكورد بشكل خاص، مرتبطة بحياة القبائل الرحّل وشبه المستقرة، وكذلك العوائل الفلاحية، وكانت أغلب هذه العوائل تتنقل على الحدود العراقية الإيرانية، والعراقية السعودية، والعراقية السورية، والعراقية التركية. وكان ذلك يُلاحظ بشكل خاص بالنسبة إلى القبائل الكوردية الفيلية، وكذلك بالنسبة إلى مجموعات من العوائل العربية والفارسية التي كانت ترتبط بعلاقات مذهبية، وأواصر قربى نتيجة الزواج بنساء إيرانيات، والزيارات المتبادلة، والإقامة الطويلة، سواء في إيران أو في العراق، ولا سيما في مدن العتبات المقدسة. وكان المشرع العراقي يدرك هذه الحقيقة، ويريد التخلص من هذه المجموعة من خلال التمييز في الجنسية أولاً، وحرمان مجموعات غير قليلة منها من الجنسية العراقية ثانياً.
- ولم يكن العراقيون في عهد الهيمنة العثمانية يحملون بالضرورة جنسية معينة؛ فالغالبية العظمى منهم تعتنق الإسلام ديناً، وتعتقد أن هذا كافٍ للبقاء في إطار الرعية، إذ إن مبدأ المواطنة لم يكن واضحاً في تلك المرحلة من تطور المجتمع، ولذلك لم تجد فائدة في اكتساب الجنسية العراقية فلم تطالب بها. ولكن مجموعات من العوائل طلبت الجنسية الإيرانية ومُنحت إياها فعلاً، تخلصاً من قانون التجنيد الإجباري بعد صدوره في العراق الملكي، أو حتى قبل ذلك في ظل الدولة العثمانية، للخلاص من تجنيدها القاسي المعروف الذي كان يستمر 25 عاماً، إذ نص القانون العثماني على أن «على كل عثماني أن يقوم بالخدمة، مسلماً أو غير مسلم، على أن يكون قد بلغ 21 عاماً من العمر، ومدة الجندية 25 عاماً، منها 3 سنوات نظامية، و5 احتياطية، و12 رديفة، و5 مستحفظة، هذا في الجيش البري، أما البحري فمدتها 20 سنة بإسقاط مدة المستحفظة منها». ويبدو مفيداً أن نشير إلى أن المقصودين بهذه الإجراءات هم في الغالب الأعم، بل حصراً، الجماعات المسلمة التي تدين بالمذهب الشيعي، وهو ما خلق فيما بعد حساسية خاصة لدى العراقيين إزاء نظام الحكم عموماً بسبب تصرفاته اللاحقة. وكان المشرع يريد التخلص من هؤلاء أيضاً حين رفض منحهم الجنسية العراقية، إذ يمكن عندها ترحيلهم من العراق متى أرادت السلطة التنفيذية ذلك.
- وكانت بريطانيا تريد ذلك أيضاً، بسبب موقف ثوار ثورة العشرين (1920) من سلطات الاحتلال البريطانية؛ فقد بدأت الثورة في وسط العراق ثم في جنوبه، ولا سيما في المدن ذات العتبات المقدسة وبين علماء الدين الشيعة، ولكنها شملت بعد ذلك أوساطاً كثيرة من الشعب العراقي، ولم يتخلف أتباع المذهب السني عن المشاركة فيها. وكان الحكام العراقيون، وكذلك دائرة الانتداب البريطاني، يريدون تلقين ثوار ثورة العشرين درساً قاسياً من خلال عزلهم عملياً عن السلطة، وجعل وجودهم في العراق قلقاً ومحكوماً بموقف السلطة، إضافة إلى إمكانية إبعادهم عن العراق العربي الجديد بحجة كونهم من التبعية الإيرانية. وكان هذا الأمر في الواقع سيفاً مسلطاً باستمرار على رقاب هؤلاء الناس، ومنهم الكورد الفيلية.
لقد تعرض الكورد الفيلية لتمييز شديد، ولحقت بهم إساءات كبيرة منذ تأسيس الدولة العراقية العربية الجديدة في 23 آب 1921م حتى الوقت الحاضر، كما عانوا أيضاً في فترة الحكم العثماني. وقد حصلت أكثر تلك الإساءات والتجاوزات على حقوق الإنسان وحقوق القوميات في فترة حكم النظام العراقي في زمن حزب البعث، الذي أُسقط في التاسع من نيسان 2003 على أيدي قوات التحالف الأمريكي البريطاني. فقد مارست طغمة نظام البعث الصدامي السابق، وهي في الحكم، ثلاث موجات متتالية من عمليات التهجير، شملت عدداً كبيراً جداً من الكورد الفيلية، لا في بغداد فحسب، بل في المدن التي عاشوا فيها منذ أجيال. وكانت الموجة الأولى بعد انقلاب الثامن من شباط 1963، حين زُجّ بأعداد غفيرة منهم في السجون والمعتقلات، وعُذّبوا أشد تعذيب. وكان الاضطهاد مضاعفاً بسبب كونهم كورداً أولاً، وأعضاء في الحزب الديمقراطي الكوردستاني ثانياً، إضافة إلى كونهم من معتنقي المذهب الشيعي ثالثاً، وهي الإشكالية الأخيرة التي أجّجها النظام العراقي بشكل متعمد.
أما الموجة الثانية فقد اقترنت بالضربات الموجعة التي وُجّهت إلى حركة الشعب الكوردي التحررية في كوردستان العراق بعد عقد اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975، والتآمر الرجعي الإقليمي والدولي ضد هذه الحركة الكوردية الوطنية الشعبية، وانتكاسة المقاومة المسلحة والثورة الكوردية؛ إذ قامت سلطات حكم البعث، وكان أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية ورئيساً لمجلس قيادة الثورة، باعتقال عدد كبير من الكورد الفيلية وتهجيرهم إلى إيران، وفق الحجة القديمة بكونهم من التبعية الإيرانية.
واقترنت الموجة الثالثة بتهيئة النظام العراقي للحرب ضد إيران، أي في عامي 1979 و1980، حين أصدر في عام 1980 ثلاثة قرارات متتالية عن مجلس قيادة الثورة، الذي كان وما يزال يقوده صدام حسين منذ عام 1979. وتضمن القرار الأول، رقم 180، عدداً من المسائل الخطرة المصممة بطريقة تمس مباشرة الكورد الفيلية، نساءً ورجالاً، في العراق، وهي:
- استمرار اعتبار عدد كبير من العراقيين القاطنين في العراق منذ أجيال عدة أجانب، وبالتالي الطلب منهم تقديم طلبات لاستحصال الجنسية العراقية في فترة نفاذ هذا القانون، التي حُددت بستة أشهر. وكانت هذه الصياغة بمثابة الفخ لاصطياد العراقيين الكورد الفيليين ممن يتعذر على أجهزة الأمن الوصول إليهم لاعتقالهم وترحيلهم.
- النص، في شروط الموافقة على منح الجنسية العراقية، على ما يلي: «أن لا يكون في وجوده في العراق ضرر على أمن وسلامة الجمهورية العراقية». وكان هذا يعني أن جميع الكورد الفيلية الذين يعتبرون أجانب ومن التبعية الإيرانية يشكلون خطراً على الجمهورية العراقية، لأنهم سيتحولون في لحظة ما إلى طابور خامس للدولة الإيرانية. وكان هذا الحكم المسبق تجاوزاً شرساً وعنصرياً مقيتاً على وطنية الكورد الفيلية، وعلى دورهم الوطني في النضال على امتداد تاريخ العراق الحديث.
- منح وزير الداخلية، لا دائرة الجنسية أولاً والقضاء العراقي في حالة الخلاف مع المواطن ثانياً، الحق في منح الجنسية العراقية أو منعها، وهذا تجاوز خطير على القانون الدولي.
- كما تضمن القرار منح وزير الداخلية الحق في أن يقبل اكتساب المرأة الأجنبية الجنسية العراقية أو يمنعه، والمقصود هنا حقاً النساء الكورديات الفيليات قبل غيرهن، ثم ورد في الفقرة (أ) من المادة الخامسة ما يلي بشأن النساء «الأجنبيات»: «لا يسمح للمرأة الأجنبية المتزوجة من عراقي، مضى على إقامتها في العراق مدة خمس سنوات، الاستمرار في إقامتها فيه، وعليها خلال مدة ستة أشهر من تاريخ نفاذ هذا القرار أن تعلن عن رغبتها باكتساب جنسية زوجها العراقي أو مغادرتها العراق». ولكن قرار الموافقة كان منوطاً بوزارة الداخلية، ولهذا كان هذا النص هو الآخر مصيدة للنساء الكورديات الفيليات.
ورغم قسوة تلك الموجات التهجيرية والاضطهادية وآلامها، التي تعرض لها الكورد الفيلية، نساءً ورجالاً، على امتداد الرقعة الجغرافية العراقية، وكذلك عدد كبير من العرب العراقيين في مناطق الوسط والجنوب، ومنها بغداد، وبعض المدن الكوردستانية التي وُجد فيها كورد فيليون أيضاً، فإن أبشع تلك الموجات اقترنت بصدور القرار رقم 666 في 7/5/1980، الذي نص على ما يلي:
- «تسقط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة».
- «على وزير الداخلية أن يأمر بإبعاد كل من أسقطت عنه الجنسية العراقية بموجب الفقرة (1) ما لم يقتنع، بناءً على أسباب كافية، بأن بقاءه في العراق أمر تستدعيه ضرورة قضائية أو قانونية أو حفظ حقوق الغير الموثقة رسمياً».
ووفق هذا القرار أصبح كل الكورد الفيلية موضع شك في وطنيتهم من قبل النظام العراقي البعثي، الذي ابتعد كلياً عن الحس الوطني السياسي والأخلاقي. وفي ضوء ذلك تعرض مئات الألوف من الكورد الفيلية لجريمة التهجير القسري إلى خارج الحدود، وهم الذين ينتشرون اليوم في إيران وأوروبا وأمريكا وأستراليا وغيرها من بلدان العالم، إضافة إلى أعداد كبيرة منهم تعيش في إقليم كوردستان بعيداً عن الجناة في بغداد. وهم الذين فقدوا وطنهم وممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة، وداس النظام العراقي البعثي على حقوقهم المشروعة بكل شراسة وخسة. وهم الذين فقدوا من جراء تلك العمليات، إضافة إلى الاعتقال والتعذيب والتهجير القسري، عدداً كبيراً من أقاربهم الذين حصدهم الموت على أيدي جلاوزة النظام العراقي البعثي. ولم يميز النظام العراقي البعثي الصدامي في عملياته تلك بين النساء والرجال والشيوخ والأطفال والمرضى، إذ اعتبرهم جميعاً مشاريع خيانة ينبغي التخلص منها. وما يزال عدد المفقودين المغيبين من بنات الكورد الفيلية وأبنائهم على يد النظام العراقي كبيراً جداً، ويتطلب إدامة المطالبة بمعرفة مصيرهم، وإقامة الدعوى على النظام العراقي البعثي السابق لمقاضاته دولياً على تلك الجرائم البشعة التي ارتكبت بحقهم، ويُفترض تشكيل لجنة في كوردستان العراق وفي الخارج لتعمل من أجل ذلك. وعلينا أن نشير هنا إلى أن الشبيبة الكوردية الفيلية كانت الأكثر تعرضاً للاعتقال والقتل، لاعتقاد النظام العراقي البعثي السابق بأنهم مشاركون في القوات الإيرانية في الحرب العراقية الإيرانية، وهو بدوره تشكيك شائن بوطنية الكورد الفيلية، الذين كانوا دوماً حريصين على وطنيتهم العراقية وقوميتهم الكوردية.
وتعرض الكورد الفيلية لموجة رابعة من موجات الاضطهاد والتهجير القسري، اقترنت بحملات الأنفال الدموية ضد الشعب الكوردي في كوردستان العراق، والتي شملت بدورها هذه المجموعة السكانية الكوردية العراقية أيضاً.
أجزاء «المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ» (12 جزءاً):