الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ (الجزء السابع)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
الأمل الكوردي 1992-2003
توفرت للكورد، منذ تأسيس الدولة العراقية في 23 آب 1921، فرص لتعزيز الذات الكوردية، كما توفرت للحكومات العراقية المتتالية فرص لوقف النزيف الدموي مع الكورد، وحفظ الأموال والممتلكات، دون الحاجة إلى انتظار الحلول المقنّعة من الشرق أو الغرب.
العروبة في العراق حقيقة، والقومية الكوردية حقيقة. وبفضل سماحة دين الإسلام فإن الطرفين العربي والكوردي لا يحملان في العمق روح التعصب والانتقام، وكان كل ما يحتاجه أصحاب الرشد في القرار السياسي هو الحوار، وتكرار الحوار، للوصول إلى مغزى قول الله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. ومدينة كركوك، مهما تشبث الطرفان بتاريخها القديم والحديث، عراقية كوردية، ولا يستطيع أحد أن ينقلها إلى أوروبا. وبذلك يصبح تطبيق الفيدرالية في كوردستان العراق، ضمن العراق الواحد، حقاً مشروعاً، وهو حق الكورد في تقرير المصير. إن صدور قرار مجلس الأمن الدولي 688، الذي وفّر الحماية للشعب الكوردي من هجمات حكومة بغداد، قد أتاح تشكيل أحزاب كوردية عديدة، وأسهم في نشر قوات غربية من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا على أراضي الدولتين العراقية والتركية لحماية البلاد.
وظهرت شكوك تركية من احتمال إقامة دولة كوردية مستقلة في كوردستان العراق تجذب إليها كورد تركيا، حتى وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي. وحدثت نزاعات مسلحة كوردية كوردية نظراً لتباين مصالح الحزبين الكورديين الرئيسيين، الاتحاد الوطني الكوردستاني والديمقراطي الكوردستاني، وكان ذلك مثار قلق تركيا العلمانية، التي اشتكت مراراً من وجود «قوات المطرقة» ومن معاونتها لحزب العمال الكوردستاني (PKK) الكوردي التركي.
إن ضعف الدولة العراقية بعد حرب الكويت عام 1991 قد أعطى المبرر لواشنطن ولندن وباريس لأن يعوّضوا الكورد ما خسروه في معاهدة سيفر (10 آب 1920)، وأصبح من حق الكورد هذه المرة الانفصال عن العراق وإيران دون تركيا عام 1994، وقاد ذلك إلى نزاع كوردي جديد في كوردستان العراق لتقاسم النفوذ والموارد في المنطقة.
إن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط واسعة ومتشعبة، وإن عدم السماح للكورد الأتراك بالانفصال قد هيأ لعمليات تركية واسعة ضد حزب العمال الكوردستاني (PKK) في كوردستان العراق، مقابل أن تكون تركيا حارساً لمصالح واشنطن في منطقة الشرق الأوسط، أي أن تقاتل بالنيابة عنها.
إن غزو الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا للعراق عام 2003 لم يحل مشكلة الحكم في العراق، بل عقّدها الأجنبي بصورة يصعب معها حتى القول: تعالوا إلى كلمة سواء، نحتكم إلى القرآن الكريم والدين الإسلامي.
الكورد: تاريخ الصراعات والمؤامرات
شكّل الكورد، قديماً وحديثاً، مصدراً للاضطرابات السياسية في بلدانهم والبلاد المجاورة، ربما نتيجة لسياسة التهميش والإقصاء والتهجير القسري والإبادة الجماعية التي تعرضوا لها منذ القدم من عدد من الدول، بل لمحاربة دول أخرى وجودهم بشكل مستمر. وبعد احتلال العراق في 9 نيسان 2003 تصاعد دورهم السياسي، خاصة أن رئيس العراق السابق جلال الطالباني كوردي، ووزير خارجيته هوشيار زيباري كوردي، والعديد من القيادات الرسمية كوردية، مما يشكل عنصراً يمكن أن يُستثمر لإقامة الديمقراطية والمساواة في العراق الجديد.
ترى لماذا كان الكورد مصدراً للقلق والاضطراب السياسي في بلدانهم؟ هل هم متمردون بطبيعتهم أم أنهم مجني عليهم؟ هذا الملف يخترق عالم الكورد، ويحاول أن يقدم رؤية متوازنة من خلال الكشف عن طبيعة الكورد بقراءة تاريخهم، والوصول إلى حقائق عن وزنهم السكاني وتمركزهم الجغرافي، ودورهم في احتلال العراق، وحقيقة الموقف في كركوك وما يفجّره من استفزاز للأسد التركي. ويتعرض الملف في نهاية المطاف لاستشراف مستقبل العلاقة بين السنة والكورد، وهل يمكن قيام تحالف بينهما يشكل عاملاً من عوامل انتصار سنة العراق على الشيعة والأميركان والصهاينة؟
قراءة في تاريخ الكورد
«الأكراد» مصطلح يستخدم للتعبير عن الشعب الكوردي، الذي يعدّ نفسه بشكل عام الشعب الأصلي لمنطقة كوردية يشار إليها في كثير من الأحيان باسم كوردستان، وهي تشكل أجزاء متجاورة من العراق وتركيا وإيران وسوريا.
ويتألف الكورد من طبقتين من الشعوب، بحسب ما ذكره المؤرخ الكوردي محمد أمين زكي (1880-1948) في كتابه «خلاصة تاريخ الكرد وكردستان». فالطبقة الأولى هي التي كانت تقطن كوردستان منذ فجر التاريخ، وأطلق عليها المؤرخ «شعوب جبال زاكروس»، وهي شعوب «لولو، كوتي، كورتي، جوتي، جودي، كاساي، سوباري، خالدي، ميتاني، هوري، نايري»، وهي الأصل القديم جداً للشعب الكوردي. والطبقة الثانية هي طبقة الشعوب الهندو-أوروبية التي هاجرت إلى كوردستان في القرن العاشر قبل الميلاد، واستوطنت المنطقة الجغرافية لكوردستان مع شعوبها الأصلية الكوردية (شعوب جبال زاكروس)، وهم «الميديون والكاردوخيون» الكورد، وامتزجت بتلك الشعوب الأصلية ليشكلوا معاً الأمة الكوردية.
وقد يكون هناك نوع من الإجماع بين المستشرقين والمؤرخين والجغرافيين على أن المنطقة الجبلية الواقعة في شمال الشرق الأوسط، بمحاذاة جبال زاكروس وجبال طوروس، هي المنطقة التي سكنتها الأمة الكوردية منذ القدم. ويطلق الكورد تسمية كوردستان على هذه المنطقة الجغرافية، وهي عبارة عن أجزاء من كوردستان العراق وشمال غرب إيران وشمال شرق سوريا وجنوب شرق تركيا، ويوجد الكورد، إضافة إلى هذه المناطق، بأعداد قليلة في جنوب غرب أرمينيا وبعض مناطق أذربيجان ولبنان.
ويعدّ الشعب الكوردي إحدى أكبر القوميات التي لا تملك وطناً أو كياناً سياسياً موحداً معترفاً به عالمياً. ولم تشكل كوردستان في يوم من الأيام بلداً مستقلاً ذا حدود سياسية معينة، على الرغم من أن الشعب الكوردي المتجانس عرقياً يسكنها. وقد ظهرت كلمة «كوردستان» مصطلحاً جغرافياً أول مرة في القرن الثاني عشر الميلادي في عهد السلاجقة الأتراك، عندما فصل السلطان السلجوقي سنجر القسم الغربي من إقليم الجبال الكوردية، وجعله ولاية تحت حكم قريبه سليمان شاه، وأطلق عليه اسم كوردستان. وكانت هذه الولاية الكوردية تشتمل على الأراضي الممتدة بين أذربيجان ولورستان (مناطق سنه، ودينور، وهمدان، وكرمنشاه… إلخ)، إضافة إلى المناطق الواقعة غرب جبال زاكروس، مثل شهرزور وكويسنجق.
وتتوزع كوردستان بصورة رئيسية في ثلاث دول هي العراق وإيران وتركيا، مع قسم صغير يقع في سوريا، فيما يوجد عدد من الكورد في بعض الدول التي نشأت على أنقاض الاتحاد السوفيتي السابق.
وتختلف التقديرات بشأن عدد الكورد، وقد قدّرته بعض المصادر بما يتراوح بين 25 و40 مليوناً، موزعين بنسبة 46% في تركيا، و31% في إيران، و20% في العراق، و5% في أرمينيا وسوريا.
شتات الكورد
بدأ تفتت الكورد بعد انتصار الدولة العثمانية (تركيا) على الدولة الصفوية (إيران) في معركة جالديران عام 1514م، وبتوقيع اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916م، الخاصة بتقسيم ممتلكات الدولة العثمانية بين الحلفاء بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، تأكد تفتيت الكيان الكوردي بين تلك الدول السالف ذكرها. ولم يملك الكورد أن يفعلوا شيئاً أمام هذا التقسيم سوى الثورات المتتالية على الدول التي تضم أجزاء كبيرة من كوردستان، وهي تركيا وإيران والعراق. ولم تنجح في احتواء هذا المد الثوري الكوردي سوى إيران، في عهد آية الله الخميني، باستعمال مزيج من القوة وفكرة التضامن الإسلامي، بينما ظلت ثورات الكورد تتوالى على تركيا، منذ ثورة عبد الرحمن بابان عام 1788 حتى ثورة حزب العمال الكوردستاني التي ظهرت في الثمانينيات وما تزال مستمرة، والتي تقابلها الحكومة التركية بكل وسائل العنف.
كورد كوردستان العراق
تعد إشكالية كورد العراق الأكثر جدلاً وتعقيداً في القضية الكوردية، لكونها نشأت مع بدايات إقامة المملكة العراقية عقب الحرب العالمية الأولى في 23 آب 1921م. ويتركز الكورد في العراق في المنطقة الشمالية والشمالية الشرقية (كوردستان العراق)، ويشكلون الأكثرية في ثلاث محافظات من أصل 18 محافظة، كما أن لهم وجوداً أقل وغير محدد بشكل رسمي في محافظات أخرى، أهمها التأميم (كركوك) وديالى وبغداد ونينوى.
وعندما أكملت بريطانيا احتلال العراق عام 1918 عمدت إلى تقسيم الولايات إلى محافظات، أو «ألوية» كما كانت تسمى في حينها، فقُسمت ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية إلى أربع محافظات هي: الموصل وأربيل والسليمانية وكركوك، ثم أضيفت إليها محافظة دهوك عام 1970. وفي الوقت الذي ضمت فيه كل من أربيل والسليمانية ودهوك الغالبية العظمى من الكورد، ضمت كل من الموصل وكركوك أكبر نسبة من الكورد مقارنة بباقي المكونات الأخرى. وحدثت أول مواجهة مسلحة بين الكورد والإدارة البريطانية عام 1919 بقيادة الشيخ محمود الحفيد، واستمرت هذه المواجهات لفترات متقطعة منذ ذلك التاريخ حتى عام 1946 لأسباب متعددة؛ فبعد رفض الكورد للإدارة البريطانية تحولوا إلى رفض انتشار الإدارة العراقية الملكية وبناء المخافر في المناطق الكوردية الحدودية النائية. وقُمعت كل هذه الحركات والثورات الكوردية على أيدي القوات البريطانية، ثم الجيش العراقي بعد تأسيسه في 6 كانون الثاني 1921م.
وكانت الأسباب التي شجعت هذه الحركات والثورات الكوردية متباينة ما بين عشائرية ودينية وقومية؛ فقد كانت في البداية عشائرية بحتة، وتحولت في الثلاثينيات والأربعينيات إلى قومية كوردية بعد أن تأسست أحزاب سياسية كوردية مثل حزب هيوا (1939) وحزب رزكاري (1945) والحزب الديمقراطي الكوردستاني (1946). علماً بأن غالبية المثقفين والمتعلمين الكورد كانوا فاعلين في الحركة الوطنية العراقية آنذاك، إذ انضم كثير منهم إلى الأحزاب السياسية العراقية السرية التي أنشئت في تلك الفترة، مثل الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي، ووصلوا إلى مراكز قيادية فيها.
وفي بداية العهد الملكي اتهمت السلطات العراقية بريطانيا بتحريض الكورد وتشجيعهم على عدم الاندماج في الدولة العراقية الجديدة، ولم يكن ذلك حباً بالكورد أو إيماناً بمطالبهم، ولكن بريطانيا أرادت من وراء ذلك إجبار الحكومة العراقية على توقيع معاهدة طويلة الأمد معها عام 1922م، في الوقت الذي كانت فيه الحكومة العراقية تطمح إلى الحصول على الاستقلال. بل أكثر من ذلك، فقد هددت بريطانيا الحكومة العراقية بأن الامتناع عن توقيع هذه المعاهدة ومعاداة بريطانيا لا يعنيان امتناع الكورد عن الانضمام إلى الدولة العراقية فحسب، بل سيؤديان إلى خسارة ولاية الموصل القديمة (كوردستان الجنوبية) بأكملها لصالح تركيا التي ظلت تطالب بها. وهكذا اضطرت الحكومة العراقية إلى القبول بمعاهدة 1922 مقابل دعم بريطانيا لمطالب العراق بولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق). وبالفعل تحقق للعراق ذلك، فقد أنهيت مشكلة ولاية الموصل الكوردية لصالح العراق بعد توقيع المعاهدة العراقية البريطانية عام 1922، وأُلحقت المحافظات الكوردية (أربيل، السليمانية، دهوك، كركوك) بالدولة العراقية العربية الجديدة.
وبعد أن استقرت الدولة العراقية العربية ظهر ما يثبت أنها كانت الوحيدة من بين الدول التي يسكنها الكورد التي تعترف بالوجود الكوردي، ولم تمنع الكورد من استخدام لغتهم، ولا من حقهم في التمسك بهويتهم القومية الكوردية، في حين أن تركيا وإيران، بل حتى الاتحاد السوفيتي، كانت قد أنكرت على الكورد كل شيء يثبت هويتهم الكوردية المتميزة، بل منعتهم حتى من ارتداء أزيائهم القومية الكوردية التقليدية.
وهكذا يمكن القول إنه لم يجرِ في العراق تمييز بين العرب والكورد مثلما جرى في تركيا وإيران، بل إن الموالين للنظام الملكي العراقي من الكورد وصلوا إلى أعلى المراتب الرسمية (رؤساء وزراء ووزراء ومديرين عامين)، في حين تمتع الكورد المعارضون لهذا النظام بمراكز قيادية في الأحزاب العراقية المعارضة للملكية، وكانوا يعملون، كما ذكرنا، ضمن الحركة الوطنية العراقية ككل.
وبعد سقوط الملكية في العراق وإقامة الجمهورية في 14 تموز 1958 فُتحت للكورد آفاق جديدة من الحرية والتسامح، وبدأ القادة الكورد يتحركون ويعملون بحرية غير مسبوقة، وسُمح للمهاجرين منهم بالعودة إلى العراق، وعلى رأسهم الزعيم الكوردي الكبير الملا مصطفى البارزاني. كما بدأوا في إصدار الصحف والمجلات والمنشورات، وإقامة المهرجانات الثقافية والسياسية، حتى قبل أن يجيز رئيس الوزراء آنذاك، الزعيم الركن عبد الكريم قاسم، حزبهم، الحزب الديمقراطي الكوردستاني برئاسة الملا مصطفى البارزاني، عام 1960. كما نص الدستور العراقي المؤقت الجديد، لأول مرة، على شراكة العرب والكورد في الوطن العراقي، ولا يزال هذا النص موجوداً حتى اليوم ولو بصيغ مختلفة.
ويؤكد المحللون والمؤرخون أن العراق هو الدولة الوحيدة بين دول المنطقة التي اعترفت بالوجود القومي الكوردي، وأن الدساتير والتشريعات العراقية تعترف جميعها بحقوق هذا الشعب الكوردي الذي يشكل خُمس الشعب العراقي (أكثر من خمسة إلى ستة ملايين نسمة من إجمالي 28 مليوناً بحسب تقدير بعض الإحصاءات). وقد عاشت هذه الأقلية الكوردية عصرها الذهبي في كوردستان العراق خلال التسعينيات تحت حماية منطقة حظر الطيران التي راقبتها الولايات المتحدة وبريطانيا. وقبيل الغزو الأمريكي للعراق في آذار 2003 نحّى الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني خلافاتهما جانباً لإنشاء قيادة مشتركة برئاسة زعيميهما جلال الطالباني ومسعود البارزاني، وقد عُيّن الاثنان لاحقاً في مجلس الحكم العراقي، إضافة إلى ثلاثة أعضاء آخرين من الكورد.
وفي مقابلة مع الزعيم الكوردي جلال الطالباني أجراها تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية يوم 8 نيسان 2006، صرح الطالباني بأن فكرة انفصال كورد العراق عن جمهورية العراق أمر غير وارد وغير عملي، لكون كورد العراق محاطين بدول ذات أقليات كوردية لم تُحسم فيها القضية الكوردية بعد، وإذا ما قررت هذه الدول إغلاق حدودها فإن ذلك الإجراء كفيل بإسقاط الكيان الكوردي المنفصل عن العراق.
وقد استُعملت القضية الكوردية في العراق ورقة ضغط سياسية من الدول المجاورة، فكان الدعم للحركات والثورات الكوردية وقطعه يعتمدان على العلاقات السياسية بين بغداد ودمشق وطهران وأنقرة. وكان الزعماء الكورد يدركون هذه الحقيقة، وهناك مقولة مشهورة للزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني مفادها: «ليس للأكراد أصدقاء حقيقيون غير الجبال».
كورد كوردستان سوريا
يرى محللون أن الشعب الكوردي في سوريا كان دائماً عامل استقرار منذ معركة ميسلون بقيادة البطل الكوردي يوسف العظمة، وكان في سوريا دائماً مديرون ووزراء وأعضاء في مجلس الشعب ورؤساء أحزاب مشاركة في الجبهة الوطنية الحاكمة من الكورد. واستناداً إلى منظمة حقوق الإنسان التي قامت بجولة في منطقة القامشلي، التي يقطنها أكثر من 40% من العرب، والباقي (60%) من الكورد، عقب أحداث القامشلي عام 2004، كانت هناك نسبة من الكورد في الوظائف الحكومية، وكانت الأمور شبه اعتيادية هناك، وكانت هناك أساليب يستخدمها بعض الكورد للوصول إلى أهداف قومية كوردية بحتة تمكنهم من الحصول على الاستقلال ودولة خاصة تمثل قوميتهم. وقال الرئيس السوري بشار الأسد في أحد خطاباته: «القومية الكوردية جزء من التاريخ السوري والنسيج السوري».
وقد صرح فيصل يوسف، عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي التقدمي الكوردي، وعضو اللجنة العليا للتحالف الديمقراطي الكوردي في سوريا، بأن الأحزاب الكوردية غير مرخص لها قانونياً في سوريا، إلا أنه أكد أن حزبه يمارس نشاطه منذ 14 حزيران 1957 «على الرغم من ظروفه الصعبة في العقود السابقة»، وأن الحزب الديمقراطي التقدمي الكوردي في سوريا يعمل حالياً بشيء من العلنية، شأنه شأن غيره من الأحزاب الكوردية، «وحسب الظروف قد تغض السلطة في سوريا النظر عن نشاطه أحياناً، وتحاول منعه تارة أخرى، بحسب الظروف السياسية للمنطقة».
كورد كوردستان إيران
بعد إعلان الجمهورية الإسلامية في إيران في شباط 1979 اجتاح المناطق الكوردية في إيران غضب عارم، بعد أن مُنع ممثلو الكورد من المشاركة في كتابة الدستور الإيراني الجديد. وكان عبد الرحمن قاسملو (1930-1989) من أبرز الشخصيات الكوردية في ذلك الوقت، إلا أن آية الله الخميني منعه من المشاركة في كتابة الدستور. ويعتقد بعض المؤرخين أن رفض الخميني مساهمة الكورد في كتابة الدستور كان له بُعد ديني، إضافة إلى البعد القومي، لكون أغلبية كورد إيران من أهل السنة. وفي ربيع عام 1980 قامت القوات المسلحة الإيرانية، بأمر من الرئيس الإيراني أبو الحسن بني صدر، بحملة تمشيط واسعة على المناطق الكوردية في إيران، ولا سيما في مدن مهاباد وسنندج وباوه ومريوان.
وينص الدستور الإيراني في المادتين 15 و19 على حق الأقليات في استعمال لغاتها في المجالات التعليمية والثقافية، ولكن أُغلقت كثير من الصحف الكوردية، ويحكم المحافظات الكوردية عادة أشخاص من الفرس أو الآذريين. وقد اندلع صراع مسلح بين الحكومة الإيرانية والكورد من عام 1979 إلى عام 1982، وكان الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني بزعامة عبد الرحمن قاسملو، والحزب اليساري الكوردي «كومه له»، ومعناها بالعربية «الجماعة»، طرفين رئيسيين في الصراع، ولكن بحلول عام 1983 تمكنت قوات الحكومة الإيرانية من بسط سيطرتها على معاقل الحزبين الكورديين.
وكانت قوات الحرس الثوري الإيراني المعروفة بالباسداران، والحاكم الشرعي في إيران صادق خلخالي (1927-2003)، مسؤولين عن اعتقال وإعدام كثيرين من الكورد في إيران، من أعضاء الحزبين الكورديين المذكورين أو المتعاطفين معهما. وأثناء حرب الخليج الأولى تمركز أعضاء الحزبين الكورديين الإيرانيين في العراق، وكانوا مدعومين من الحكومة العراقية، وتم أثناء الصراع المسلح بين كورد إيران والحكومة الإيرانية تدمير ما يقارب 271 قرية كوردية. وبعد وصول محمد خاتمي إلى الحكم عيّن أول محافظ كوردي لمحافظة كوردستان، وهو عبد الله رمضان زاده، وعيّن بعض السنة والكورد في مناصب حكومية رفيعة، وتشكل حزب الإصلاح الكوردي ومنظمة الدفاع عن حقوق الأكراد برئاسة محمد صادق كابودوند عام 2005، وتلقى هذه الحركات السلمية رواجاً لدى معظم الكورد الإيرانيين.
كورد كوردستان تركيا
بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية وإعلان الجمهورية التركية الحديثة، تبنى مصطفى كمال أتاتورك نهجاً سياسياً يتمحور حول إلزام الأقليات العرقية غير التركية في تركيا بالانتماء إلى اللغة والثقافة التركية. وكان من نتائج هذه السياسة منع الأقليات العرقية في تركيا، ومنهم الكورد، من ممارسة لغاتهم في النواحي الأدبية والتعليمية والثقافية، ومنع الكورد من تشكيل أحزاب سياسية، وكان مجرد التحدث باللغة الكوردية يعد جريمة جنائية حتى عام 1991.
وقوبلت محاولات مصطفى كمال أتاتورك لمسح الانتماء القومي للكورد بمواجهة عنيفة من كورد تركيا، فقرر الكورد والأقليات الأخرى، بقيادة الزعيم الكوردي الشيخ سعيد بيران (1856-1925)، القيام بانتفاضة كوردية شاملة لانتزاع الحقوق القومية للكورد والأقليات الأخرى، على أن تبدأ الانتفاضة في يوم العيد القومي الكوردي، عيد نوروز، في 21 آذار 1925. وانتشرت الانتفاضة الكوردية بسرعة كبيرة، وبلغ عدد الكورد المنتفضين نحو 600,000، إلى جانب نحو 100,000 من الشركس والعرب والأرمن والآثوريين، وفرضوا حصاراً على مدينة ديار بكر، ولكنهم لم يتمكنوا من السيطرة عليها. وفي منتصف نيسان 1925 اعتُقل الشيخ سعيد بيران مع عدد من قادة الانتفاضة الكوردية، ونُفذ فيه حكم الإعدام في 30 أيار 1925.
واستمرت الحكومات التركية المتعاقبة على النهج نفسه تجاه المواطنين الكورد في تركيا، وكان مجرد التلفظ بكلمة «أكراد» يعدّ جريمة، إذ كان يطلق على الكورد مصطلح «شعب شرق الأناضول». ولكن الاهتمام العالمي بكورد تركيا ازداد بعد العمليات المسلحة التي شنها حزب العمال الكوردستاني (PKK) في الثمانينيات، مما حدا برئيس الوزراء التركي آنذاك تورغوت أوزال (1927-1993) إلى أن يستعمل رسمياً، ولأول مرة، كلمة «الأكراد» لوصف الشعب الكوردي في تركيا. وفي عام 1991 رفع تورغوت أوزال الحظر الكلي عن استعمال اللغة الكوردية واستبدل به حظراً جزئياً. وأثناء صراع الحكومة التركية مع حزب العمال الكوردستاني دُمّرت 3000 قرية كوردية في تركيا، وتسببت الحكومة التركية في تشريد ما يقارب 378,335 كوردياً من ديارهم.
وفي عام 1991 انتُخبت الكوردية ليلى زانا في البرلمان التركي، وكانت أول سيدة كوردية من كوردستان تركيا تصل إلى هذا المنصب، ولكن بعد ثلاث سنوات، أي في عام 1994، حُكم عليها بالسجن خمسة عشر عاماً بتهمة «إلقاء خطابات انفصالية»، وكان ذلك بسبب ترديدها القسم باللغة الكوردية في البرلمان التركي، الذي عدّته الحكومة التركية خطاباً انفصالياً.
أجزاء «المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ» (12 جزءاً):