الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ (الجزء العاشر)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

حزب البعث الصدامي في السلطة وسياساته إزاء الشعب الكوردي في كوردستان العراق

«لا، لا أريد هنا أن أحدثكم عن الخراب الذي تركتموه وراءكم أينما حللتم، وإنما عن الحياة التي لم تعرفوها إلا كطريق دائم إلى الموت».

فاضل العزاوي، مقتطف من «بيان من الشيطان الرجيم إلى سكان الكرة الأرضية»، من كتاب «الأسلاف»

تحت ضغط نضال الشعب الكوردي وثورته غير المتوقفة، واستمرار التوتر في كوردستان، واقتناع النظام بعجزه عن إيجاد حل أفضل، ولو مؤقت، للمسألة الكوردية في تلك الفترة لإنقاذ نفسه من التداعي والسقوط، لجأ النظام في الحادي عشر من آذار 1970 إلى عقد اتفاق مع قيادة الحركة الكوردية المسلحة على إقامة الحكم الذاتي في كوردستان العراق ضمن الجمهورية العراقية. وكان مؤتمر الحزب الشيوعي العراقي الثاني، الذي عقد في جبال كوردستان العراق في صيف عام 1970، قد انتهى لتوه محيياً تلك الخطوة، ومؤكداً إمكانية التعاون مع حزب البعث، ثم وضع بعض المستلزمات ليصبح مثل هذا العمل ممكناً.

وبعد هذين الحدثين وجد حزب البعث الحاكم في العراق نفسه في موقع آمن من جانب الحركة القومية الكوردية من جهة، ولكنه لاحظ من جهة أخرى تصاعد نشاط الحزب الشيوعي العراقي بسبب أجواء الانتعاش التي أثارتها اتفاقية 11 آذار 1970م للحكم الذاتي، التي كان الحزب الشيوعي يطالب بها مع بقية القوى الديمقراطية الكوردية. ولذلك وجد حزب البعث في نفسه القدرة على توجيه الضربة للحزب الشيوعي دون أن يثير احتجاج القوى الوطنية الكوردية؛ فهو بهذه الضربة لا يضعف الحزب الشيوعي العراقي، الحليف الاستراتيجي الثابت للشعب الكوردي ولقضيته العادلة، فحسب، بل يضعف أيضاً جبهة القوى الديمقراطية التي يمكن أن تنشأ ضده لاحقاً، كما يتجنب إثارة ضجة عالمية في خضم التهليل للحكم الذاتي في كوردستان العراق. لهذا أقدم في نهاية عام 1970 وبداية عام 1971 على توجيه ضربة تنظيمية وسياسية قاسية جداً للحزب الشيوعي العراقي، ولا سيما في بغداد، دون أن تتحرك القوى السياسية الأخرى للاحتجاج على ما يصيب إحداها وإدانته، كما كان التحرك العربي والدولي بائساً.

وبعد هذا الإضعاف الجدي لقوى الحزب الشيوعي العراقي النضالية، وتصفية جملة من كوادره، وإسقاط بعضهم الآخر، وإبعاد كثيرين غيرهم عن العمل السياسي في صفوف الحزب، واتخاذ جملة من الإجراءات السياسية، ومنها خوض معركة تأميم النفط بنجاح، وتطوير العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع الاتحاد السوفيتي، وعقد معاهدة صداقة عراقية سوفيتية في ربيع عام 1972، تمكن البعث في عام 1973 من جرّ الحزب الشيوعي العراقي إلى تحالف سياسي معه، ليكون، كما في المخطط الذي رسمه حزب البعث مسبقاً، البديل عن التحالف الذي أقامه قبل ذلك مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وليستنزف المضامين الأساسية لاتفاقية الحكم الذاتي، ويتآمر على الحركة الوطنية الكوردية، ويدبّر محاولة جادة لاغتيال قائد الحركة، زعيم الثورة الكوردية والشعب الكوردي، الملا مصطفى البارزاني. وفي نيسان 1974 شنت قوات النظام العراقي غارات جوية على قضاء قلعة دزه التابع لمحافظة السليمانية، أدت إلى استشهاد 242 من الطلاب الكورد وهم في المدارس، ثم قصفت بعد يومين من ذلك قضاء حلبجة التابع لمحافظة السليمانية أيضاً، وأدت الغارات الجوية الجديدة إلى استشهاد 23 مواطناً كوردياً.

وخلال الفترة الواقعة بين عامي 1970 و1974 ماطل النظام العراقي (حزب البعث) في الحوار حول قانون الحكم الذاتي بهدف تأمين الفرصة المناسبة لتحقيق ثلاثة أهداف جوهرية بالنسبة إليه، هي:

  1. أن يكون الدستور المؤقت الأساس المادي لقانون الحكم الذاتي، وبالتالي أن يربط أهم القضايا الخاصة بالحكم الذاتي بالمركز (بغداد)، ويفرغه من محتواه الأساسي وصلاحياته.
  2. أن يُبعد عن منطقة الحكم الذاتي بعض مناطق كوردستان المعروفة تاريخياً بكونها جزءاً منها، بوصفها مناطق متنازعاً عليها، ليتسنى له خلال ذلك تعريبها وتغيير البنية الديموغرافية للمنطقة الكوردية، كما حصل في كركوك التي سميت محافظة التأميم، وفي مناطق كوردية أخرى من محافظة الموصل، على سبيل المثال لا الحصر.
  3. أن يتسنى له خلال فترة المماطلة التخلص من الحركة الكوردية المسلحة بالطرق العسكرية، وأن يستقطب إلى جانبه قوى سياسية مؤثرة حينذاك، مثل الحزب الشيوعي العراقي، إضافة إلى استقطاب الدول العربية التي كانت حكوماتها عموماً تقف ضد الحكم الذاتي الكوردي في كوردستان العراق، بحجة رغبة الكورد في الانفصال وتصميمهم عليه!

وإزاء هذه الأوضاع أُجبرت القوى الكوردية على الدفاع عن نفسها، فنشبت الحرب بين الجيش العراقي وقوات الحزب الديمقراطي الكوردستاني عام 1974. وكانت المعارك في البداية لصالح الشعب الكوردي وقواته من البيشمركة، رغم الخسائر الفادحة التي تحملها هذا الشعب. وعندما أدرك النظام البعثي في بغداد عجزه عن تصفية الحركة الكوردية المسلحة بالطرق العسكرية، لجأ إلى التآمر والمناورة على الصعيدين الإقليمي والدولي، ولا سيما بعد أن فشلت محاولاته الجبانة لاغتيال قائد الشعب الكوردي وزعيمه الملا مصطفى البارزاني. فبدأت المؤامرة تُحاك ضد الشعب الكوردي وحركته المسلحة بالتعاون الوثيق بين إيران والعراق، وبوساطة جزائرية مباشرة وأمريكية غير مباشرة، وانتهت بعقد اتفاقية الجزائر سيئة الصيت، التي وُقّعت في الجزائر العاصمة في السادس من آذار 1975، واتُّفق فيها مع الحكومة الإيرانية على إجهاض الحركة الكوردية، مقابل مساومات على الحدود في شط العرب وعلى الحدود العراقية الإيرانية لصالح إيران، وبدعم تركي غير مباشر للقوات المسلحة العراقية.

وحقق النظام العراقي ما أراد، وأُجبرت القوات المسلحة الكوردية على نزع سلاحها، إذ اضطر أكثر من (100.000) من مقاتلي البيشمركة الكورد وأفراد عوائلهم إلى الهجرة إلى إيران، كما اضطر عدد مماثل تقريباً إلى تسليم السلاح للجيش العراقي والعودة إلى مناطقهم. لقد كانت المؤامرة شرسة، ولم يجد الشعب الكوردي في تلك الفترة من يقف إلى جانبه حقاً، وكانت المأساة بالغة الشدة. حتى الاتحاد السوفيتي، ومعه بقية دول المعسكر الاشتراكي، لم يتحدث عن هذه المأساة المروعة، ولم يستنكرها، رغم الادعاء المتواصل بالوقوف إلى جانب قضايا الشعوب المضطهدة، والتضامن مع حركات التحرر الوطني، وضد المستبدين والمستغلين. وكان العراق في حينها يتزود بالكثير من الأسلحة الفتاكة من الاتحاد السوفيتي ومن غيره من البلدان الاشتراكية والرأسمالية، ويستخدمها في معاركه ضد الكورد وضد القوى الوطنية الأخرى المناضلة ضد حكم البعث العفلقي على امتداد سنوات العقد الثامن من القرن العشرين.

وبدأ النظام العراقي (حزب البعث) حينذاك باتخاذ عدة إجراءات ضد عوائل المقاتلين الكورد الذين سلموا أسلحتهم للجيش العراقي، وضد سكان القرى الكوردية الحدودية، ومنها: تهديم مئات القرى التابعة لتلك العوائل الكوردية بحيث يصعب عليهم العودة إليها أولاً، وبناء معسكرات أو دور سكن لهم (مجمعات) في مواقع أخرى من كوردستان تكون تحت رقابة الحكومة وقوات الأمن العراقية وسمعها وبصرها ثانياً، وإقامة منطقة حدودية عازلة بين العراق وإيران واعتبارها منطقة محرمة ثالثاً، وفرض العمل الأمني على كثير من شباب العائلات الكوردية العائدة والانخراط في الحزب الحاكم ومنظماته المختلفة، إضافة إلى التوسع في تشكيل قوات «الجحوش» من بعض العشائر الكوردية الموالية للنظام العراقي والمساندة له في صراعه ضد الشعب الكوردي. كما بنى النظام العراقي مجموعة كبيرة من القلاع العسكرية للقوات المسلحة العراقية في مناطق كوردستان الجبلية وعلى الطرق العامة، بعضها للجيش وبعضها للشرطة. وللأغراض السياسية ذاتها حاولت السلطة العراقية استثمار وجود بعض القوى الكوردية المعارضة للحزب الديمقراطي الكوردستاني، فأدخلتها في التركيبة الوزارية، كما وضعت شخصية كوردية معروفة في منصب نائب رئيس الجمهورية، ولم يكن هذان الإجراءان سوى ذرّ للرماد في عيون الناس في الداخل والخارج، للتغطية على الجرائم البشعة التي ارتُكبت بحق الشعب الكوردي في حينها.

وقد عمدت هذه المجموعة الكوردية إلى تشكيل حزب بالاسم نفسه (الديمقراطي الكوردستاني)، ولكنه لم يوفق في نشاطه، مما دفع السيد جلال الطالباني إلى تشكيل حزب آخر لم يستطع مزاولة العمل في كوردستان وتركز في بغداد. وبعد أن تلقت القيادة السياسية للحركة الكوردية المسلحة والحزب الديمقراطي الكوردستاني الضربة القاسية الموجعة عام 1975، واضطرت القيادة المركزية إلى مغادرة الأراضي العراقية إلى إيران، وبعضها إلى أوروبا، بادر السيد جلال الطالباني عام 1975 إلى إعلان تشكيل الاتحاد الوطني الكوردستاني في دمشق، مقر إقامته حينذاك، والتقت في الاتحاد الوطني الكوردستاني ثلاثة تيارات سياسية كوردية. وفي الأول من حزيران 1976 أعلن الاتحاد الوطني الكوردستاني بدء نضاله المسلح ضد السلطة في بغداد، بعد أن وجه النقد قبل ذلك لسياسات قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني ومواقفها.

أما الحزب الديمقراطي الكوردستاني فقد بدأ بإعادة تنظيم صفوفه وتقييم سياسته في مواقع ثلاثة: في كوردستان العراق، وفي إيران، وفي أوروبا. وفي 10/12/1975 صدرت الخطوط العريضة لسياسته الجديدة وبرنامجه الجديد، وبدأ خوض كفاحه المسلح منذ 26/5/1976، ثم عقد الحزب الديمقراطي الكوردستاني كونفرانسه في برلين عام 1976، الذي ناقش أربع مسائل جوهرية:

  1. إعادة النظر في سياسة الحزب الديمقراطي الكوردستاني السابقة للخروج من الانكسار الذي واجهته الحركة التحررية الكوردية.
  2. إعلان مواصلة الكفاح المسلح لتحقيق أهداف الشعب الكوردي، وأطلق على الكفاح الجديد اسم «ثورة كولان».
  3. كان الزعيم الخالد وقائد الشعب الكوردي الراحل الملا مصطفى البارزاني قائداً للكونفرانس.
  4. أضيف إلى قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في هذا الكونفرانس أربعة أعضاء جدد للقيادة المؤقتة.
  5. التهيئة لعقد مؤتمر الحزب الديمقراطي الكوردستاني التاسع.

وفي هذا الوقت بالذات كان الحزب الشيوعي العراقي لا يزال في تحالفه السياسي مع حزب البعث، ومشاركاً بوزيرين في الحكم، فلم يصدر عنه ما يدين الضربة القاسية والتشريد المرير لعشرات الآلاف من أبناء الشعب الكوردي وعائلاتهم إلى إيران، أو لمن هجّرهم النظام العراقي من مناطق سكناهم الكوردية وبعثرهم في مناطق مختلفة من العراق (الجنوب والوسط) أو في مجمعات سكنية قسرية، بل وضع مسؤولية ما حدث للشعب الكوردي وحركته المسلحة على عاتق قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، علماً بأنه كان يمثل أغلبية الشعب الكوردي. وبرزت خلال هذه الفترة ظاهرة انتهازية وغير إنسانية في صفوف بعض القياديين العرب والكورد في الحزب الشيوعي العراقي حينذاك، مفادها التشفي بالحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي اضطهد الشيوعيين في كوردستان العراق خلال سنوات الحكم الذاتي القصيرة (1971-1975)، والسعي إلى الاستفادة من هذه النكسة والأزمة في حركة التحرر القومي الكوردي لتعزيز مواقع الحزب وتنشيط سياسته إزاء المسألة الكوردية. وهي مماثلة للموقف الذي اتخذه الحزب الديمقراطي الكوردستاني قبل ذلك إزاء الحزب الشيوعي، حين حاول أخذ مواقع الحزب الشيوعي التي ضُربت في كوردستان حينذاك. وأدرك حزب البعث الحاكم هذه الوجهة في سياسة الحزب الشيوعي العراقي وأدائه، إذ كان هو الذي يريد الاستفادة منها لصالحه، فمنع الحزب الشيوعي من تحقيق بعض المكاسب في هذا الصدد بقانون أصدره، وبممارسات يومية فعلية ضد نشاط الشيوعيين في كوردستان. وكانت هذه السياسة غير العقلانية المتبادلة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والحزب الشيوعي العراقي تعبر عن عدة مسائل جوهرية لا مناص من ذكرها، للاستفادة منها في تعزيز العلاقات النضالية بين الأحزاب السياسية الديمقراطية العراقية الآن وفي المستقبل، ومنها:

  1. ضعف الوعي الديمقراطي والتقاليد الديمقراطية في صفوف الحزبين، وفي مجمل الحركة الوطنية والسياسية العراقية.
  2. النظرة الحزبية الضيقة، والرغبة في الاستفادة من الأوضاع التي يمر بها الحزب الآخر، من مواقع حرفية ومنافسة غير ديمقراطية، كثيراً ما كانت تقود إلى خسارة الجميع، واستفادة السلطة ونظام البعث من تلك الصراعات الهامشية والذاتية.
  3. عدم إدراك أبعاد اللعبة السياسية التي مارستها قيادة حزب البعث الحاكم في الحالتين، علماً بأن الحالتين كانتا ضد الحياة الديمقراطية والحياة الحزبية، وضد الحزبين اللذين كانت وما تزال تربط بينهما قضايا نضالية مشتركة، ومن أجل هيمنة نظام البعث المطلقة على الدولة والمجتمع.
  4. نجاح سلطة نظام البعث في إقامة تحالف مع هذا الحزب لمحاربة حزب آخر، إضافة إلى ممارسة سياسة «الجزرة والعصا» وهلم جرا، لتصفية مواقع كثيرة لكل القوى السياسية، وانفراد الحزب الحاكم المستبد بأمره بالسلطة المطلقة في العراق.

ولم يستمر الوضع السياسي في العراق على التحالف السابق بين حزب البعث والحزب الشيوعي، وهو أحد أخطاء الحزب الشيوعي الكبرى في هذه المرحلة؛ إذ سرعان ما وجد حزب البعث نفسه قادراً على إنجاز ما يريده دون تحالف مع الشيوعيين، وبدأ بضرب الحزب الشيوعي تدريجياً في أعقاب عقد مؤتمره الثالث عام 1976م، رغم تأكيد سكرتير الحزب الشيوعي عزيز محمد، من على منصة المؤتمر، شعاراً لم يُطرح قبل ذلك على اللجنة المركزية لمناقشته واتخاذ الموقف بشأنه؛ فقد فوجئ أغلب المؤتمرين، وعدد كبير من أعضاء اللجنة المركزية، بشعار رفعته سكرتارية الحزب ومكتبه السياسي، كُتب على لافتة كبيرة في «مؤتمر الخيمة» في مقر الحزب ببغداد، وكان الشعار يؤكد السير معاً، أي الحزبين البعثي والشيوعي، نحو بناء الاشتراكية في العراق. وبدأ البعث الحاكم بضرب الحزب من أطرافه البعيدة، ثم تقدم صوب المدن الصغيرة، وتحول إلى بغداد مع منتصف عام 1977، وتواصلت الضربات لتشمل بعض كوادر الحزب وقيادييه عام 1978. وكانت الهجمة الشرسة قد وُضعت لتتصاعد تدريجياً حتى تصل إلى قمتها في نهاية عام 1978 وبداية عام 1979، وأن تُنجز قبل نهاية عام 1980، وهو ما تحقق فعلاً.

كانت الضربة التي تلقاها الحزب الشيوعي هذه المرة أقسى وأمرّ وأعمق وأوسع من الضربات السابقة التي تلقاها في عامي 1970 و1971 من حكم البعث العفلقي في العراق، إذ شملت العراق كله، وخاصة الجانب السياسي منها، إضافة إلى فقدانه عشرات الآلاف من الأعضاء والمرشحين والمؤيدين والأصدقاء. وتجنب حزب البعث هذه المرة توجيه الضربة الأولى لقيادة الحزب، مستفيداً من تجاربه السابقة في هذا الصدد، وسمح بتسلل أعضاء القيادة تدريجياً إلى خارج العراق أو إلى كوردستان، أو سكت عنه، وركز نيرانه على أعضاء الحزب ومؤيديه وأصدقائه، إضافة إلى كوادره الوسطى. وكان هدف حزب البعث من وراء ذلك تحقيق ما يلي:

  1. تصفية القاعدة الحزبية والكوادر المختلفة التي يستند إليها الحزب الشيوعي في علاقاته الأساسية مع الجماهير الشعبية.
  2. إعطاء الانطباع، من خلال السكوت عن القيادة، بأن التحالف الرسمي مع الحزب الشيوعي ما زال قائماً، وبالتالي إبطال حملة التضامن ضد تعسف سلطات حزب البعث إزاء قواعد الحزب الشيوعي العراقي وأصدقائه أو تعطيلها، وتركه يجابه أجهزة الأمن وحده.
  3. خلق فجوة، أو تكريسها، بين قيادة الحزب من جهة، وكوادره وقواعده ومؤيديه من جهة أخرى، خاصة وأن تبايناً برز بوضوح في تنامي رفض قواعد الحزب وكثير من كوادره لسياسة التحالف مع حزب البعث، والمطالبة بوضع حد لها، ولا سيما أن الحملة لم تقتصر على أطراف الحزب وعلى المدن البعيدة عن العاصمة، بل شملت العراق كله، بما في ذلك العاصمة بغداد.
  4. حرمان قيادة الحزب من القدرة على اتخاذ إجراءات لصيانة تنظيماته، واتهامه بالسعي إلى إنهاء التحالف من خلال إجراءات الصيانة التي كان يدور الحديث عنها في أوساط الحزب دون ممارستها فعلياً.

ولا بد من الاعتراف بأن حزب البعث نجح في تكتيكاته وسياساته العدوانية إزاء الحزب الشيوعي، واستطاع خلال فترة وجيزة أن يُنزل به أقسى ضربة عرفها في تاريخه، رغم قسوة الضربات السابقة، سواء في عامي 1948 و1949، أو في عام 1963، أو في عامي 1971 و1972.

لقد أنهت هذه الهجمة بالضرورة، وإلى غير رجعة، علاقة التحالف التي نشأت عام 1973، رغم إصرار بعض قياديي الحزب على ضرورة استمرار العلاقة وعدم قطع شعرة معاوية مع نظام البعث وحزبه، ورغم أن البعث أحرق جميع قوارب الحزب لتأمين استمرار أي شكل من أشكال التعاون معه. وأصبحت أعداد كبيرة من الشيوعيين في السجون والمعتقلات، وأُجبرت أعداد مماثلة على الهجرة القسرية إلى خارج الوطن، أو غادرت المدن العراقية المختلفة قاصدة كوردستان العراق، وانخرط أغلبهم منذ عامي 1979 و1980 في حركة الأنصار التي نظمها الحزب الشيوعي العراقي إلى جانب قوى البيشمركة الكوردية في كوردستان، التي كانت قد بدأت قبل ذلك الكفاح المسلح ضد الحكم القائم. ومن الجدير بالإشارة أن بعض الشيوعيين الذين غادروا صفوف الحزب فيما بعد اتهموا قيادة الحزب باليسارية، وحمّلوها مسؤولية فك التحالف مع حزب البعث العربي الاشتراكي، في حين تناسوا تماماً السياسة الدموية التي نظمها حزب البعث، لا ضد الشيوعيين وأصدقاء الحزب فحسب، بل ضد كل القوى السياسية التي اختلفت معه، أو التي كان لا يريد استمرار وجودها في الساحة السياسية العراقية. وإذا كان ضعف ذاكرة الطغاة كارثة، فإن ضعف ذاكرة المناضلين ضد الطغاة، ونسيانهم ما قام به هؤلاء ضد المجتمع، ومدّ أيديهم لمصافحتهم، ليس كارثة فحسب، بل مأساة ومهزلة لا تغتفران. وهذا ما رضي به الحزب الشيوعي وشارك فيه، ثم بدأ بعضّ الأصابع من الندم، حتى صدق عليه قول الشاعر عدنان الصائغ:

لم تعد في يدي أصابعُ للتلويحِ … لكثرة ما عضضتُها من الندمِ

وعاد الحزب الشيوعي إلى حمل السلاح مرة أخرى عام 1979 مع بقية الفصائل الكوردية الديمقراطية والقومية، التي كانت قد عادت إلى حمل السلاح قبل ذلك، أي منذ عام 1976. ولكن القوى القومية والديمقراطية الكوردية توزعت هذه المرة على حزبين، هما الحزب الديمقراطي الكوردستاني (حدك) والاتحاد الوطني الكوردستاني (أوك)، إضافة إلى فرق أنصارية لأحزاب كوردية صغيرة أخرى تشكلت في حينها، مثل الحزب الاشتراكي الكوردستاني (حسك)، الذي تأسس عام 1979 من اتحاد قوى انفصلت عن الاتحاد الوطني الكوردستاني وعن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وأصبح السيد رسول مامند رئيساً لهذا الحزب السياسي الجديد.

واستمر النضال المسلح للقوى الكوردية، وبعض القوى العراقية غير الكوردية، ومنها الحزب الشيوعي العراقي، ضد حكم البعث الصدامي في العراق حتى عام 1991، حين وقعت هزيمة النظام العراقي في حربه ضد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بعد غزوه الكويت في 2 آب 1990م، والجريمة البشعة التي ارتكبها النظام ضد المنتفضين في مختلف أنحاء العراق.


أجزاء «المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ» (12 جزءاً):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن
  9. الجزء التاسع
  10. الجزء العاشر (هذا الجزء)
  11. الجزء الحادي عشر
  12. الجزء الثاني عشر

→ الجزء التاسع  |  الجزء الحادي عشر ←