الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ (الجزء الحادي عشر)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

حكم النظام العراقي الاستبدادي ومجازر الأنفال ضد الشعب الكوردي

يمكن القول إن حزب البعث العربي الاشتراكي في بغداد كان قد صمم، منذ وصوله إلى الحكم ثانية في 17-30 تموز 1968، على تصفية الحركة والثورة الكوردية المسلحة بكل السبل الممكنة، وكان مستعداً لأن يركب أية موجة محتملة، وأن يمارس أي تكتيك ومناورة ضرورية، شريطة أن تقوده إلى النتيجة المطلوبة، وهي تصفية قضية الشعب الكوردي والثورة الكوردية. ويبدو أن الشوفينيين والعنصريين عموماً عاجزون عن رؤية الواقع الفعلي والاعتراف به، ولذلك أوحى لهم تصورهم المريض بقدرتهم على تصفية قضية الشعب الكوردي وثورته بكاملها، وقضية القوميات الأخرى المناضلة التي تقطن كوردستان العراق. ولم يكن هذا التصور وهماً فحسب، بل أصبح كارثة كبرى على الشعب العراقي كله. فلم تكن السياسات القمعية والإرهابية التي طالت أعداداً غفيرة من أبناء الشعب الكوردي في المدن والقرى والأرياف الكوردية، ولا المجازر الدموية التي نفذتها النظم العراقية بين عامي 1961 و1987، قادرة على كبح رغبات الشعب الكوردي وقيادته الثورية وإرادتهما في التمتع بحقوقه القومية العادلة والمشروعة، بما فيها حقه في تقرير مصيره. وهذا ما دفع حزب البعث إلى وضع سياسة أكثر شراسة وعدوانية إزاء هذا الشعب الكوردي المناضل المكافح، هي الجرائم العنصرية البشعة المناهضة للجنس البشري التي ارتكبها النظام العراقي (حزب البعث) ضد الشعب الكوردي في الفترة الواقعة بين عامي 1987 و1991.

وقد تسنى للحكومة العراقية وحزب البعث، لأول مرة في أعقاب عام 1975، أن يخططا لإنجاز سياساتهما الشوفينية ضد الشعب الكوردي دون أن تتلمس القوى الوطنية المختلفة هذه السياسة بكامل أبعادها، وبالتالي لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بالتصدي لها، بل انجرّت أحياناً وراء بعض جوانبها، وهو قصور في التحليل والتشخيص أولاً، وخطأ فادح في تقدير أهدافها وأبعادها ثانياً، ينبغي الاعتراف به بعد وقوع الكوارث الكبيرة على العراق.

لقد وطّد النظام العراقي وحزب البعث الصدامي العزم على قيادة حرب دموية ضد وجود الشعب الكوردي في كوردستان، وخوض معارك تصفيات جسدية، وتدمير شامل ومتواصل لآلاف القرى الكوردية، وتغيير متواصل للطبيعة السكانية لكوردستان، حتى وصلت الحملة إلى قمتها في المجازر الدموية الجماعية التي أطلق عليها النظام الفاشي في العراق اسم عمليات «الأنفال». وكانت بمثابة مذابح جماعية ارتكبها حزب البعث الصدامي ضد الشعب الكوردي الآمن في وطنه كوردستان، ودفن جماعي لعشرات الآلاف من البشر، وتغييب لعشرات الآلاف الآخرين من المواطنين الكورد المدنيين الذين لا يُعرف عن مصيرهم شيء حتى الآن، رغم اكتشاف مجموعات كبيرة من المقابر الجماعية في مختلف أنحاء العراق بعد سقوط النظام السابق. والسؤال المشروع الذي يفترض أن نطرحه على أنفسنا هو: ما الهدف المركزي الذي كان وراء تلك السياسات والمذابح التي نظمها النظام الدموي المركزي في بغداد ضد الشعب الكوردي؟ وما الأدوات والأساليب التي استخدمتها الحكومة العراقية لتحقيق تلك الأهداف ضد الشعب الكوردي في كوردستان العراق؟

لقد كان الهدف المركزي للحكم البعثي الصدامي السابق في العراق، وسيبقى، «تحقيق التطهير العرقي في كوردستان الجنوبية، كوردستان العراق، من الكورد قدر الإمكان». ومن أجل تحقيق هذا الهدف لم يتورع النظام العراقي السابق عن ممارسة بعض الأساليب والأدوات التي مارستها النظم الفاشية في مختلف بقاع العالم أو كلها. وقد مارس النظام العراقي الأساليب والأدوات التالية:

  • إخلاء المناطق الكوردية الحدودية من سكانها الكورد، وتهجيرهم إلى مناطق أخرى بعيدة، على طول الحدود مع إيران وبقية الحدود العراقية مع الدولتين التركية والسورية، وممارسة سياسة الجزرة والعصا في البداية، ثم القتل والتدمير والتخريب أخيراً لتحقيق هذا الهدف. وليس هذا تصوراً من الكاتب، بل هو واقع حقيقي، إذ أُخليت الحدود العراقية الإيرانية من سكانها بعرض يتراوح بين 5 و10 أميال. كما كان الهدف من حصر السكان الكورد وتطويقهم في مناطق معينة من كوردستان تسهيل مهمة القيام بعمليات التصفية الجسدية لأكبر عدد ممكن منهم، أو اعتقال من يُراد اعتقاله، بسهولة وسرعة، على أيدي قوات الجيش والقوات الخاصة وأجهزة الاستخبارات والأمن العراقية وأجهزة الحزب ومنظماته «الشعبية». وتشير المعلومات الموثقة إلى أن النظام بدأ، ابتداءً من عام 1976، بعمليات ترحيل وتهجير قسري واسعة من المناطق الحدودية بعمق يصل إلى 40 كم، شملت المئات من القرى الكوردية وعشرات الآلاف من الفلاحين الفقراء، وجُمّع هؤلاء الفلاحون الكورد في مجمعات سكنية بعيداً عن أراضيهم الزراعية ونشاطهم الزراعي وحيواناتهم.
  • عدم الكف، تحت أية ظروف، عن مواصلة الإرهاب والقمع ضد السكان الكورد في كوردستان، من أجل بث الرعب والهزيمة في نفوسهم، وقطع دابر تفكيرهم في حق الشعب الكوردي في تقرير المصير.
  • قتل أكبر عدد ممكن من الشعب الكوردي ومن القوميات الأخرى، لدفع المزيد منهم إلى الهجرة، إما إلى تركيا أو إلى إيران أو إلى خارج حدود العراق، للخلاص منهم.
  • تهجير أكبر عدد ممكن من الشعب الكوردي إلى مناطق الوسط والجنوب بهدف تعريبهم وصهرهم قومياً، أو قتل من يمكن قتله من الكورد دون أن تثار ضجة ضد هذه الأعمال العدوانية الشرسة.
  • إسكان المزيد من العشائر العربية في المناطق الكوردية التي هُجّر منها أهلها قسراً، ولا سيما في مناطق كوردية من كركوك والموصل، بهدف تغيير الواقع الديموغرافي للمنطقة الكوردية.
  • اعتبار الطائفة الإيزيدية الكوردية عرباً، وفرض التعريب المباشر عليهم، وعدم التورع عن التخلص منهم بالقتل إن لم ينفع التعريب معهم.

إجراءات النظام العراقي ضد الشعب الكوردي وكوردستان

  1. القضاء على أية محاولة كوردية لاحقة للتحرك العسكري أو السياسي ضد النظام القائم في العراق وحزب البعث السابق.
  2. التحالف مع النظام التركي لإنجاز هذه المهمة من خلال إجراءات وأساليب كثيرة، مستفيداً من السياسات العسكرية غير العقلانية والعنيفة التي مارسها حزب العمال الكوردستاني (ب.ك.ك) في المنطقة، إضافة إلى السياسات التركية الشوفينية العنصرية إزاء الشعب الكوردي عموماً.
  3. لم يكتفِ النظام العراقي السابق وحزب البعث بالاعتقال والسجن والإبعاد والقتل الفردي والتهجير القسري والإبادة الجماعية، أو بالهجرة القسرية التي فرضها على الشعب الكوردي للخلاص منه، بل قرر تنظيم حملات عسكرية في عدة اتجاهات في آن واحد في كوردستان العراق، حقق بعضها الكثير من العواقب السلبية على الشعب الكوردي، وعجز بعضها الآخر عن ذلك، ولكنها قادت في المحصلة النهائية إلى استشهاد أعداد غفيرة من المواطنات والمواطنين الكورد، نساءً ورجالاً، أطفالاً وشيوخاً، سياسيين وغير سياسيين، كورداً وآثوريين وكلداناً، وهم جميعاً أبرياء من أي ذنب، وإنما استُهدفوا لمجرد كونهم كورداً أو مواطنين في إقليم كوردستان العراق. واستخدم النظام لهذا الغرض مختلف الأسلحة الفتاكة، ومنها الكيمياوي والنابالم.
  4. نشر السموم المختلفة ودسّها في الأغذية التي تباع في المناطق الكوردية، ولا سيما على مقربة من البيشمركة، مثل الحليب والسجائر وبعض الحلويات والمشروبات.
  5. استخدام النظام السابق قنابل النابالم لحرق القرى الكوردية في كوردستان، وتشريد المواطنين الكورد وقتلهم في قراهم أو في طريق هروبهم منها.
  6. استخدام النظام السابق الأسلحة الكيمياوية، كما حصل بشكل خاص في مدينة حلبجة في السادس عشر من آذار 1988، كما استخدمها بنطاق معين في منطقة بادينان عام 1987، وفي غيرها من المناطق الكوردية، ضد المقاتلين الكورد (البيشمركة) وضد الفلاحين الكورد في قرى كوردستان.
  7. استخدام النظام السابق القصف الجوي المركز على جميع القرى الكوردية الجبلية في كوردستان، وقتل من فيها من الكورد وحتى الحيوانات، وحرق المزروعات، ودفع من بقي منهم على قيد الحياة إلى الهجرة وترك قراهم، إضافة إلى نشر الحرائق في المناطق الخضراء من جبال كوردستان.
  8. استخدام عمليات التمشيط العسكري ضد المناطق الكوردية في كوردستان العراق، وتجميع المواطنين الكورد وأخذهم إلى مناطق أخرى، وقتلهم جماعياً ودفنهم في مقابر جماعية في جنوب العراق ووسطه.
  9. تشكيل فرق الإعدام الجوالة التي كانت تأخذ على عاتقها تنفيذ حكم الإعدام دون تردد ودون العودة إلى قياداتها، فهي مطلقة الصلاحية إزاء المواطن الكوردي الذي يحاول النجاة بحياته مع عائلته من القصف المدفعي والجوي على قراهم الكوردية.
  10. بث أكبر عدد ممكن من الجواسيس، إضافة إلى أضعاف عددهم من المخبرين السريين المنتشرين في كل مكان، ممن ألزموا أنفسهم، لأسباب كثيرة، بمدّ الأمن والاستخبارات بتقارير ضد مواطنيهم الكورد وأقاربهم، وإلا فالموت كان في انتظارهم.
  11. الاستفادة من بعض العشائر والقوى الكوردية التي اعتادت العمل الخانع مع النظم العراقية المتعاقبة، والتي أطلق عليها اسم «الجحوش»، أي الحمير، في مناهضة حركة التحرر القومي الكوردية، ومناصبة العداء للأهداف الديمقراطية العادلة للشعب الكوردي.
  12. بث الخلافات والصراعات، ثم النزاعات، بين أطراف الحركة القومية والديمقراطية الكوردية وأحزابها وقواها المسلحة، لضمان اشتعال الحرب الداخلية بين فترة وأخرى أولاً، وسهولة التصدي لكل منها على انفراد ثانياً، وإضعاف الحركة الكوردية إجمالاً ثالثاً.

إجراءات الحكومة العراقية ونظام حزب البعث ضد الكورد الفيلية

تعددت الدراسات التي تبحث في أصل الكورد الفيلية، وأصل التسمية ومعناها، والمناطق التي عاشوا فيها منذ القدم أو ما زالوا يعيشون فيها حتى الوقت الحاضر. وليس هناك ما يبرر تكرار ما توصل إليه الباحثون المستشرقون وغيرهم من الباحثين الكورد والفرس وبعض العرب في هذا الصدد، إذ يمكن العودة إلى كتاباتهم. ويقدم كتاب «الفيليون» لصاحبه الراحل السيد نجم سلمان مهدي الفيلي، بمراجعة الأستاذ جرجيس فتح الله، شرحاً وافياً لهذه المسألة، كما يبحث بشكل تفصيلي في القبائل الكوردية الفيلية في مناطقها الكوردية في كل من العراق وإيران، ويستند في ذلك إلى عدد كبير من الباحثين القدامى والجدد.

يشكل الكورد الفيليون في العراق جزءاً من الشعب الكوردي في العراق، كما أنهم وبقية الكورد في مناطق كوردستان الأخرى يشكلون الأمة الكوردية في كوردستان الكبرى. وهم، كباقي بنات الشعب الكوردي وأبنائه، ينتمون إلى قبائل كوردية كثيرة تداخلت فيما بينها على امتداد القرون الطويلة المنصرمة، وتشكلت منها هذه الشريحة الكوردية الفيلية الموزعة، من الناحيتين الجغرافية والسياسية، على الدولتين العراقية والإيرانية.

وقد عاش الكورد الفيلية في مناطق سكناهم المعروفة تحت وطأة صراعات ونزاعات مستمرة بين الدولة الفارسية والدولة العثمانية، بعد سقوط الدولة العباسية ونشوء الدولة العثمانية وبدء محاولات توسعها الإقليمي نحو الشرق، تماماً كما كانت بقية أجزاء كوردستان الحالية ساحات لمثل هذا الصراع والحروب، وتحملت الكثير من الخسائر البشرية والمادية. وبرز من بين الكورد الفيلية حكام قادوا منطقتهم، وتوسعوا في الأراضي المجاورة لهم، وخاضوا المعارك دفاعاً عن منطقتهم وشعبهم. وتمتلك هذه الشريحة الكوردية الفيلية من الشعب الكوردي موروثاً شعبياً غزيراً، مكتوباً ومحفوظاً في الصدور، يجري تداوله، ويعبر عن الأوضاع اليومية التي مر بها الكورد الفيليون، والحياة التي عاشوها، والطموحات التي رافقت حياتهم اليومية دوماً وما تزال، وهي لا تختلف في ذلك عن أوضاع الشعب الكوردي في العراق وحياته وطموحاته، ولا عن أوضاع الأمة الكوردية في بقية أجزاء كوردستان.

لقد حرمت مطامع الدولتين الفارسية والعثمانية في الأرض التي يعيش عليها الكورد عموماً الكوردَ من إقامة دولتهم الكوردية (كوردستان)، كما حرمت عرب المنطقة، بعد سقوط الدولة العباسية، من إقامة دولتهم، إذ عانوا من الهيمنة العثمانية مرة والفارسية مرة أخرى. ومنذ عام 1639م (معاهدة أرضروم) بُذلت بعض الجهود لوضع حد للحرب بين الدولتين على هذه المنطقة المتنازع عليها من خلال عقد اتفاقية، لا لمنح هذه المنطقة الكوردية حريتها، بل من أجل تقسيمها بين الدولتين. وبعد مرور ما يقرب من ثلاثة قرون، أي في عام 1929، وُقّعت اتفاقية قصر شيرين (زهاب) بين الحكومة العراقية، بوصفها الوارثة للدولة العثمانية، والدولة الفارسية، وقُسّمت بموجبها المنطقة الكوردية بينهما، تماماً كما أقرت عصبة الأمم تقسيم كوردستان كلها بين دول المنطقة، حين ألحقت ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق) بالعراق العربي الجديد، وتركت بقية أجزاء كوردستان خاضعة للدول الأخرى.

والغريب في الأمر أن حكام المنطقة لم يعمدوا إلى استشارة الكورد الفيلية فيما يريدونه لأنفسهم، بل فُرضت الاتفاقية عليهم، كما فُرض التقسيم الأكبر لكوردستان قبل الحرب العالمية الأولى وخلال سنيها وما بعدها. والغريب في الأمر أيضاً أن الحكام العراقيين من العرب بذلوا أقصى الجهود، ومارسوا كل السبل غير المشروعة، من أجل اعتبار الكورد الفيلية، الذين وضعتهم تلك الاتفاقية ضمن الحدود العراقية، من غير سكان المنطقة الكوردية العراقية، واعتبارهم من التبعية الإيرانية، مما جلب لهذه الشريحة الواسعة من الكورد الفيليين، وهم من الشعب الكوردي، المزيد من العذابات والآلام النفسية والجسدية، والمزيد من التضحيات البشرية، رغم أنهم كانوا يدركون تماماً أن الكورد الفيلية أقدم وجوداً في المنطقة من العرب الذين جاؤوا إليها مع الإسلام فاتحين ومغتصبين لتلك الأرض. وإذا كان العرب المقيمون في العراق قد أصبحوا جزءاً من سكانه منذ الفتح الإسلامي، فلا يحق لهم حرمان بقية شعوب المنطقة من أرضهم واعتبارهم أجانب فيها، كما حصل في قانون الجنسية العراقية منذ عام 1925م.

والتاريخ ما يزال شاهداً على وجود الأمة الكوردية في هذه المنطقة الكوردية قبل الفتح الإسلامي، ثم أصبح الكورد وكوردستان جزءاً من الدولة الأموية، وبعد سقوطها أصبحت كوردستان جزءاً من الدولة العباسية، التي امتدت حدودها إلى ما وراء فارس، وشملت المنطقة الجغرافية لكوردستان بأسرها (للمزيد يمكن مراجعة كتابنا «كوردستان: جغرافيتها وتاريخها»). وفي فترات مختلفة، سواء قبل الفتح الإسلامي أو بعد سقوط الدولة العباسية، أصبحت أقسام من كوردستان، ومنها مناطق الكورد الفيلية، جزءاً من الدولة الفارسية، مع وجود إمارات كوردية في كوردستان يحكم فيها حكام من أبناء الكورد الفيلية في مناطقهم الجغرافية الكوردية.

أما اليوم فالمناطق الجغرافية للكورد الفيلية، التي تشكل جزءاً من كوردستان، موزعة بين الدولة الإيرانية والدولة العراقية وفق اتفاقية عام 1929. وكانت حركة الكورد الفيلية في منطقتهم الجغرافية الكوردية الممتدة بين الدولتين العثمانية والفارسية طبيعية، خاصة أن نسبة عالية من السكان الكورد الفيلية كانت من القبائل الكوردية الرحّل، ونسبة أخرى منهم كانت تعتمد في عيشها على الزراعة المستقرة، وكانت نسبة الحضر من الفيليين القاطنين في المدن الكوردية قليلة قياساً بمجموع الكورد الفيلية. وحتى بعد عقد اتفاقية قصر شيرين (زهاب) عام 1929م، التي رسمت الحدود الحالية بين العراق وإيران، كانت حركة انتقال الكورد الفيلية بين مناطقهم الكوردية المقسمة اعتيادية، ولا تخضع لتعقيدات كبيرة، ولا سيما بالنسبة إلى الرعاة أو القبائل الكوردية الفيلية الرحّل. وكانت منطقة العراق سابقاً مفتوحة لهم بسبب كون بعض مناطقهم الكوردية أصبحت جزءاً منه. ولم يكن هناك ما يفرض على الفيليين التحري عن هوية معينة يتمسكون بها، فهم كورد فيليون عراقيون حيث يعيشون في العراق، وهم في وطنهم العراق، كما أن هناك كورداً فيليين إيرانيين حيث تدخل منطقتهم في حدود الدولة الإيرانية، وهم في وطنهم إيران. وهم من حيث المبدأ والواقع جزء من الأمة الكوردية، والأرض التي يعيشون عليها جزء من كوردستان. وكان هذا الإحساس بالمواطنة العراقية والإيرانية هو الذي جعل كثيرين من الكورد الفيلية يمتنعون عن تقديم طلبات لتسلم الجنسية العراقية، لاعتبارهم ذلك أمراً مفروغاً منه.

وعاش الكورد الفيلية في العراق موزعين على مدن كثيرة، بحكم كونهم جزءاً من الشعب العراقي بكل قومياته وأديانه وطوائفه؛ فهم في بغداد والبصرة والعمارة وكربلاء والنجف والكوفة وديالى والكوت، وكذلك في بدرة وجصان وزرباطية وخانقين ومندلي والسليمانية وأربيل ودهوك وكركوك وغيرها من مدن كوردستان العراق. ولم يكن المواطن العراقي الاعتيادي يميز بين الكورد الفيلية وبقية العراقيين، إذ كانوا منذ قرون جزءاً من نسيج سكان هذه المنطقة التي كانت وطناً للجميع، يشاركون أهلها أفراحهم وأتراحهم المشتركة، كما يسهمون بحيوية عالية في نضالاتهم. وأصبح هذا الشعور أكثر قوة مع تشكيل الدولة العراقية، بوصفهم جزءاً من شعب العراق الحديث، وقدموا على طريق نضال هذا الشعب الكثير من التضحيات الجسام. وقد شارك الكورد الفيليون في ثورة العشرين (1920)، وأدّوا دوراً مهماً في منطقة خانقين وقصر شيرين ضد القوات البريطانية المعسكرة في تلك المنطقة. فقد ذكر (تشمال مهام شيرة) في مقابلة صحفية عام 1955، كما جاء في كتاب للدكتور هادي مالك عن الكورد الفيلية، نُشر في ألمانيا عام 2004 بعنوان «العراق والكورد الفيلية»، ما يلي عن مشاركة الكورد الفيلية في ثورة العشرين:

«بدأنا منذ عام 1917 والسنوات التي تلتها، وبشكل خاص في صيف عام 1920، تحت قيادة (تشمال حاجي فيلمرز وابن أخته ملك)، باعتبارهم رؤساء عشيرة آل خميس، مع عشيرة رسول وند بقيادة حسن عزيز، وعشيرة قيتول وند بقيادة تشمال حاج صفر، بخوض حرب عصابات ضد الإنكليز في منطقة قصر شيرين وخانقين دامت عدة أشهر من عام 1920. فعندما بدأ إخوتنا في الجنوب الانتفاضة عام 1920 ضد الإنكليز تسلمنا خبراً عبر السيد محمد (الذي أصبح فيما بعد إمام جامع الخلاني في بغداد) بضرورة قيامنا بهجمات على مواقع القوات البريطانية في منطقة خانقين ونفطخانة، وكنا ندخل في بعض الأحيان في العمق حتى بعقوبة. فعندما أغمض عيني أحياناً أرى صورة تلك الأحداث مجسدة أمام ناظري. لقد أنزلنا بالأعداء ضربات قاسية، وتوجهت تلك الضربات بشكل خاص ضد شركة النفط الإنكلو-إيرانية في منطقة نفطخانة، إذ كانت منطقة تحت حراسة القوات البريطانية التي كان يقودها (الكابتن مور). لقد كنا نقوم بهجمات سريعة ببنادق “مارتن هنري”، وفي ساعات الخطر كنا ننسحب إلى جبال كوردستان. وكان هدفنا في الرماية تلك الرؤوس التي كانت تحمل قبعة إنكليزية أو عمامة سوداء لمجند هندي، وغالباً ما كنا نصيب الهدف. وغالباً ما كنا نوجه نيراننا إلى أولئك الذين يرتدون ملابس الخاكي، إذ كنا نعتبرهم بشكل أعمى وميكانيكي الجنود البريطانيين أو الهنود، علماً بأن غالبية المجندين في القوات البريطانية كانت من الهنود. وكنا نحصل على المواد الغذائية من إخوتنا العشائر في زرباطية وبدرة وملك شاه، وليس أخيراً من إخوتنا في منطقة قصر شيرين، ومن عشائر بعيدة عنا نسبياً، مثل عشيرة علي شيروان بايرايو، وبشكل خاص من منطقة أركواز، كما حصلنا منهم على دعم معنوي ومتطوعين. واستطعنا عدة مرات تعطيل سكك الحديد (بعقوبة-خانقين). وفي خريف عام 1920 أشعلنا النيران في القاعدة العسكرية في خانقين. وبعد كفاح مرير أُجبرنا على الانسحاب، إذ فوجئنا بحصار فرضته علينا القوات البريطانية القادمة من كرمنشاه؛ فقد كان الإنكليز يمتلكون قاعدة عسكرية في إيران، البلد المجاور، وكانت هذه القاعدة تمدهم بالمساعدات. وبسبب هذا الحصار والمقاومة قُتل وجُرح لنا 35 مناضلاً من مجموع 110 مقاتلين، رغم أننا كنا نخوض حرب عصابات تتمتع بقدرة على الحركة السريعة عند القيام بعملياتنا العسكرية والانسحاب بعدها إلى المناطق الجبلية في كوردستان. ولكننا أُجبرنا على إيقاف حرب العصابات بعد أن وقعت خيانة من جانب بعض الجماعات التي كانت تعمل في صفوفنا (عشيرة كلهور الكوردية)، وقعت الخيانة أملاً في الحصول على نقود وأسلحة وأرض تعود لنا بعد التحاقهم بالقوات البريطانية. إن مثل هذه النضالات والحركات العسكرية كانت قد حصلت أيضاً في مناطق أخرى في وسط عراق اليوم وجنوبه، وتتوفر لدي معلومات حول مشاركة الكورد في معارك عام 1915 في الكوت والعمارة، حيث شارك الكورد والعرب، الشيعة والسنة، معاً في هذه المعارك ضد الإنكليز. لقد عملنا معاً، وعشنا معاً، وناضلنا معاً. وهناك الكثير من الوثائق والأحداث التاريخية التي تؤكد ذلك لأولئك الذين ينكرون هذه الحقيقة، بغض النظر عن السبب القومي الذي يكمن وراء ذلك. لقد أسهمنا، نحن الكورد، بقسط غير قليل، ليس في مجال بناء الاقتصاد وفي المجالات الثقافية والسياسية فحسب، بل كذلك في بناء الدولة العراقية العربية الجديدة».

وقد عانى الكورد الفيليون الاضطهاد من حكام العراق الملكي، وتعرضوا للتمييز من جانب السلطة في التعامل اليومي، وواجهوا أحياناً التسفير القسري الظالم إلى إيران لمن لم يكن مرغوباً في استمرار وجوده في العراق، وكان أغلب المسفّرين من العاملين في الحقل السياسي والمناهضين لسياسات النظام الملكي حينذاك، ولا سيما من الحزب الديمقراطي الكوردستاني.

ولكن هذه السياسة كانت محدودة الأثر في الجمهرة الواسعة من الكورد الفيلية، وهي المعاملة ذاتها التي مارسها النظام إزاء الشعب الكوردي عموماً. وفي العهد الملكي شارك الكورد الفيلية في الحياة الاقتصادية، ولا سيما في قطاعي التجارة والخدمات، إضافة إلى بدء بعضهم في استثمار رؤوس أموالهم في قطاع الصناعة الوطنية. واستطاعت مجموعة من الكورد الفيلية أخذ مواقع مهمة في القطاع التجاري الداخلي، وفي أسواق بغداد بشكل خاص، بعد ترحيل الغالبية العظمى من المواطنين اليهود قسراً إلى إسرائيل، إذ إن نسبة عالية منهم لم تكن تريد الهجرة، وكانت راغبة جداً في البقاء في العراق، رغم ما تعرضت له من تمييز واضطهاد بالغين من جانب الحكام وبعض القوى السياسية القومية العراقية.

وتوزع الكورد الفيلية من الناحية الاجتماعية على مختلف الفئات والطبقات، فمنهم من ينتمي إلى فئة أصحاب رؤوس الأموال، وهم مجموعة صغيرة، كما هو حال هذه الفئة في المجتمع العراقي عموماً، ومنهم جمهرة من الكسبة والحرفيين والفلاحين والعمال والكادحين العاملين في مختلف خدمات النقل والخزن، وهذه الفئات تشكل الغالبية العظمى من الكورد الفيلية في العراق، إضافة إلى مجموعة غير قليلة من أبرز المثقفين المندمجين اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً ببقية مثقفي العراق.

ورحب الكورد الفيليون بثورة الرابع عشر من تموز 1958، فهم من القوى الاجتماعية التي أسهمت في النضال ضد الحكم الملكي، بغض النظر عن الأحزاب السياسية التي انتسبوا إليها؛ فكان منهم من انتسب إلى الحزب الشيوعي العراقي، ومنهم من انتسب إلى الحزب الديمقراطي الكوردي (الكوردستاني)، كما كان بعضهم يعمل في صفوف الحزب الوطني الديمقراطي.

وعمل بعضهم الآخر في أحزاب أخرى في فترات مختلفة، ومنها حزب التحرر الوطني وحزب الأحرار وحزب الشعب. وكان بعضهم قد عمل في الحزبين الحاكمين اللذين تناوبا على حكم العراق العربي الجديد خلال فترة طويلة، رغم أن الحزبين تشكلا في فترة متأخرة، ولكنهما كانا يعملان تيارين سياسيين لصالح الحكم الملكي القائم حينذاك، وإلى جانب سياسات الدولة البريطانية في العراق، وهما حزب الاتحاد الدستوري الذي كان يقوده نوري السعيد، وحزب الأمة الاشتراكي الذي كان يقوده صالح جبر. وبرزت منهم شخصيات وطنية مرموقة، سواء من الذين عملوا في تلك الأحزاب أو ممن بقوا مستقلين عنها، وشاركوا بحيوية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفي المجالات الرياضية والأدبية والفنية وغيرها.

وكان تعامل قائد ثورة الرابع عشر من تموز 1958، الزعيم عبد الكريم قاسم، مع الكورد الفيلية إيجابياً، واعياً لمكانتهم الاجتماعية الطيبة في المجتمع، ولوجودهم الذي يمتد في تاريخ العراق القديم، ولدورهم السياسي النضالي ضد الحكم الملكي ومعاناتهم من ذلك النظام. ولذلك اختلفت مواقفه تماماً عن مواقف الحكام وسلوكهم قبل ذلك أو بعد سقوط حكمه، رغم أن كثيرين منهم تعرضوا للاضطهاد والاعتقال والتعذيب، وحتى التسفير، من قبل أجهزة الحكم في عهد عبد الكريم قاسم، بسبب عملهم في الأحزاب السياسية الوطنية التي ناهضت سياسته العسكرية الفردية المعادية للديمقراطية، أو الحرب التي شنها ضد الشعب الكوردي في كوردستان العراق. ولذلك علينا ألا ننسى أن كثيرين ممن كانوا يعملون في أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية أو في الجيش العراقي في عهد عبد الكريم قاسم كانوا من القوى القومية الشوفينية التي كانت لها مواقف مناهضة للكورد الفيلية ولوجودهم في العراق.


أجزاء «المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ» (12 جزءاً):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن
  9. الجزء التاسع
  10. الجزء العاشر
  11. الجزء الحادي عشر (هذا الجزء)
  12. الجزء الثاني عشر

→ الجزء العاشر  |  الجزء الثاني عشر ←