الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ (الجزء الخامس)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
2. حول جمهورية مهاباد الكوردية في كوردستان إيران
يقحم المؤلفان منذر الموصلي وأحمد وصفي زكريا نفسيهما في أمور ليسا عالمين بها ولا محيطين بجوانبها، مثلما فعلا في تعاملهما مع حدث جمهورية مهاباد، إذ يقولان: «رفضت جمهورية مهاباد في العام 1946 التعاون الجاد مع جمهورية أذربيجان، وكانت الجمهوريتان تخضعان لنظامين مختلفين تماماً؛ ففي مهاباد قاضي محمد الكوردي، وهو رجل دين معمم مغرق في رجعيته، ولكنه وطني مخلص، فلم يقبل قاضي محمد أي مسعى أو جهد لقبول التعاون مع أذربيجان بحجة أن الحكم فيها شيوعي…» (ص 186 من كتاب المؤلف المذكور أعلاه).
إن الحقيقة غير ذلك تماماً؛ فجمهورية مهاباد الكوردية التي أعلنت في 22 كانون الثاني 1946 كانت حكومة وطنية كوردية ذات نظام جمهوري، ورغم أن حكمها استمر أقل من سنة، فإنها حققت إنجازات ثقافية رائعة، وأنشأت مطبعة باللغة الكوردية من أجل النشر والتأليف، كما وزعت الأراضي على الفلاحين، وطبقت الإدارة الذاتية في المناطق الكوردية، وتحولت كوردستان وأذربيجان في حينها إلى مركز ثوري. وفي 23 نيسان 1946 عقدت بين الحكومتين معاهدة للصداقة والوحدة. ولمعلومات المؤلف فإن جمهورية مهاباد قامت أصلاً بدعم الجيش الأحمر السوفيتي الشيوعي وإسناده، وعند القضاء عليها قام السفير الأمريكي «ج. ألن» بزيارة جبهة القتال في كوردستان بصحبة «رزم آرا» رئيس الأركان العامة للجيش الإيراني.
3. الكورد والعرب
في سياق بحث العلاقات الكوردية العربية يصرح المؤلف منذر الموصلي وأحمد وصفي زكريا في كتابه بأن «الأكراد يعيشون في الوطن العربي ويتمتعون بحقوق متساوية ويؤدون واجبات متماثلة» (ص 223)، ويجزم بأن الحكومات التركية والإيرانية قد طبقت عمليات التتريك والتفريس تجاه الكورد، أما الحكومات العربية فكانت أمينة على رسالة أمتها وتقاليدها، واعترفت بالحقوق القومية للكورد (ص 311). ويأتي بمثال على ذلك من العراق: «حيث لجأت الحكومات العراقية المتعاقبة إلى هذه الوسيلة (التهجير)، ثم لم تلبث الحكومة الحالية أن أعادت المهجرين إلى أماكنهم الأصلية (مواطنهم) بدون استثناء، بعد أن زالت الأسباب التي ألجأت السلطة العراقية إلى هذا الأسلوب القاسي اللاإنساني العقيم» (ص 73)، ثم يعود مرة أخرى فيدعي أن «هناك حساسية من الكوردي تجاه العربي» (ص 236).
إن الواقع يرفض ما يطرحه المؤلف؛ فالكورد في العراق وسورية لا يتمتعون بحقوق متساوية، رغم أنهم يؤدون واجبات متماثلة، والشعب الكوردي محروم من حقه في تقرير مصيره، ويتعرض للاضطهاد ومحاولات «التعريب» والتهجير القسري والإبادة الجماعية، ويُحرم من حقوقه الديمقراطية والثقافية والسياسية والاجتماعية. ونحن على يقين من أن هذا الموقف الشوفيني العنصري لا يمت بصلة إلى الشعب العربي الصديق وقواه الوطنية والتقدمية والديمقراطية، بل هو موقف الأنظمة الحاكمة والحكومات العربية المتعاقبة في سوريا والعراق، التي تضطهد الجماهير العربية في الوقت نفسه، وتحرمها من الديمقراطية، وتكبلها بالقيود.
أما حساسية الكوردي تجاه العربي فهذا حكم مردود؛ فالكوردي يتحسس من الأنظمة العربية الحاكمة المتعاقبة في كل من سوريا والعراق، ويناضل مع العربي المناضل. والكوردي الوطني يقف إلى جانب المناضلين العرب، بل يعمل معهم، ويواجه معهم العدو المشترك. وهو لا يتحسس من الأنظمة العربية الحاكمة الرجعية والدكتاتورية والشوفينية العنصرية فحسب، بل يواجهها، بقدر ما يتحسس من الرجعية والانعزالية الكوردية، ويحاربها، ويتصدى لها. إن الكوردي الوطني يشعر مثلاً بأن الفلسطيني العربي الثائر أقرب إليه من اليميني الرجعي الكوردي، وهذه حقيقة ساطعة للعيان تنطبق على القوى الوطنية التقدمية الكوردية في كل مكان.
4. إنجازات صلاح الدين الأيوبي القائد الكوردي
في سياق سرد المنجزات الثقافية التي خلفها القائد الكوردي صلاح الدين الأيوبي، ورعايته العلم، وتشجيعه المعرفة، يؤكد المؤلف أحمد وصفي زكريا كثرة المدارس التي ابتناها صلاح الدين الأيوبي في سورية ومصر، والمستشفيات، والجوامع، والمدارس الدينية، التي كانت مثالاً احتذاه المماليك (الأتراك) ومن أتى بعدهم. وما تلك المدارس في حقيقتها إلا عربية الانتماء، عربية المادة، وما تلك الجوامع إلا جوامع كان يتلى القرآن في جنباتها باللسان العربي، ويتعالى في مآذنها الأذان العربي، بقوة وعزم جديدين، وبفضل القيادة الكوردية الأمينة (ص 221).
ولقاء كل ذلك نريد من المؤلف، و«حكوماته» التي تساوي بين العرب والكورد، مدرسة واحدة فقط باللغة الكوردية لكورد سورية.
5. حول اللغة الكوردية ولهجاتها والأبجدية الكوردية
يصر المؤلف على أن الكورد «اعتمدوا اللهجة الكورانية الجنوبية، وهي اللهجة السائدة في مدينة السليمانية» (ص 298).
ولمعلومات المؤلف فإن شيئاً من ذلك لم يحصل، إذ يحتاج أمر كهذا إلى دراسات وأبحاث، وإلى مجمع علمي كوردي، ووضع الترتيبات اللازمة، علماً بأن كل ذلك ممنوع على الكورد في ظل الحكومات العربية المتعاقبة والراهنة. ثم إن اللهجة السورانية أو الكرمانجية أو الزازية أو غيرها لن تكون وحدها اللهجة المعتمدة؛ فاللهجات الكوردية دليل عافية في اللغة الكوردية، ويمكن استعمال جميع اللهجات معاً دون الاعتماد على لهجة واحدة. وفي هذا المجال فإن المتكلمين باللهجة «الكرمانجية» هم الأكثر عدداً.
ويزعم المؤلف منذر الموصلي «أن أكراد منطقة عفرين في سورية مثلاً لا يتكلمون لهجة أكراد الجزيرة (الحسكة) في هذا القطر العربي السوري نفسه، ولا يفهمونها كثيراً، والمعتقد أن كل فئة منهم نقلت معها لهجتها الأصلية التي كانت تتحدث بها في كوردستان» (ص 295).
أولاً: ليست هناك لهجتان لدى أبناء الشعب الكوردي في سورية، فالكورد في سوريا جميعاً، وفي مختلف المناطق، يتداولون اللهجة «الكرمانجية»، ثم إن التفاهم اللغوي قائم وتام بين كورد الجزيرة وعفرين وعين العرب (كوباني). وقد تكون هناك بعض الفروق الطفيفة، مثل الفرق بين «النكهة» اللغوية لعرب منطقة حلب وعرب الجزيرة مثلاً، وقد ظلت تلك الفروق واستمرت بحكم مؤثرات الجوار والاختلاط وبقايا التقسيمات القبلية القديمة. ولدى تقسيم بلدان الشرق الأوسط، ورسم الحدود الدولية بين سورية وتركيا، ظل قسم من الشعب الكوردي في موطنه في الأراضي السورية الحالية. أما تشابه النطق اللغوي بين كورد الجزيرة ومن يقابلهم من كورد تركيا، أو بين كورد عفرين وكورد تركيا في الجانب الآخر من الحدود، فهو دليل آخر على وحدة هذا الشعب الكوردي، وتشابه لغته ولهجاته وتقاليده ووحدتها، رغم تقسيمه بخط الحدود الذي رسمته القوى الاستعمارية.
ثانياً: يرى المؤلف خطأ الكتابة الكوردية بالأبجدية اللاتينية، ويصر على ضرورة الكتابة بالحروف العربية، لأن ذلك يشكل عاملاً من عوامل التلاحم. ونعتقد، وفق آراء اللغويين الكورد، أن الحروف اللاتينية هي الأنسب للغة الكوردية، لتوفر جميع الحروف والحركات الصوتية التي تحتاجها اللفظة الكوردية فيها، وهي غير موجودة في الحروف العربية. ولسنا نتفق مع المؤلف على أن ذلك سيشكل عاملاً من عوامل الانقسام بين الشعبين العربي والكوردي، فهناك شعوب الدول الاشتراكية التي تستعمل أحرفاً مختلفة رغم تضامنها ووئامها وعيشها المشترك ومصيرها الواحد. ولمعلومات المؤلف فإن الحكومة السوفيتية عملت على وضع أبجديات لأكثر من خمسين قومية بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917م، إلى جانب الأبجدية الروسية السلافية.
ثم إن المقارنة بين الكورد والأتراك في عهد حكومة مصطفى كمال أتاتورك مقارنة خاطئة، لأن الأتراك كانوا محتلين للشعوب الإسلامية، أما الكورد فشعب مظلوم مضطهد مقسَّم.
6. حول بعض المفاهيم السياسية
في معرض بحثه عن كورد لبنان يبدي المؤلف إعجابه البالغ بالأستاذ فؤاد شبقلو، ويستشهد ببعض ما كتبه عن الكورد: «إن إعطاء الجنسية اللبنانية للأكراد يجب أن يتمحور حول: إلغاء النظام الطائفي، وتعديل بعض النصوص، والعمل على إنشاء اتحادات نقابية للعمال والطلاب الأكراد، لتعزيز الروابط القومية، والخروج من سياسة الانزواء، وإيجاد تحالفات مع الاتحادات النقابية اللبنانية» (ص 482).
ونرجو أن يقترن هذا الإعجاب بطرح الأستاذ شبقلو بموقف مماثل من المؤلف منذر الموصلي تجاه كورد سورية. فرغم أن كورد لبنان أقلية مهاجرة إلى بلد عربي، ورغم قلة عددها، فإن الوطنيين اللبنانيين يطالبون بمساواتها بالآخرين، ويدعونها إلى إنشاء منظماتها وتعزيز كيانها. أما كورد سورية، البالغ عددهم نحو مليون ونصف المليون، والذين يعيشون على أرضهم التاريخية، فإن المؤلف يتنكر لوجودهم تارة، وإذا اعترف به تارة أخرى، «مرغماً» أو «سهواً»، فإنه لا يعترف بحقوقهم الثقافية والديمقراطية، ولا يدعوهم إلى إنشاء منظماتهم. فلماذا هذا التناقض والازدواجية؟
ويتبرع المؤلف، مشكوراً، بتوجيه النصائح إلى الشعب الكوردي، فيدعوه إلى «عدم تسلق الجبال، وإلقاء السلاح» (ص 525)، لأن ذلك في رأيه وسيلة عقيمة لن تحل الموضوع، وهو يدعو بذلك جميع الكورد.
ولكن ما العمل إذا كانت الأنظمة الغاصبة لكوردستان، أرضاً وشعباً، تتنكر لحقوق الكورد، ولا تعترف بوجودهم وبحقهم في تقرير المصير، ولا تبالي بمعاناتهم وبكل نداءاتهم منذ عشرات السنين؟ ليس هناك طريق سوى طريق الكفاح المسلح، ولا سيما في تركيا وإيران والعراق. ولا غرابة في أن يطول هذا الكفاح المسلح للكورد في كوردستان حتى تتهيأ الظروف الموضوعية والذاتية، الداخلية والخارجية، وحتى يتم التلاحم الاستراتيجي الحقيقي بين الحركة التحررية الوطنية الكوردية من جهة، والحركة الثورية العربية والتركية والإيرانية من جهة أخرى، وتتمازج القضايا الوطنية والاجتماعية مع القضية القومية الكوردية في أجزاء كوردستان، لتهب موحدة، وتحقق الديمقراطية والاشتراكية والمساواة والتآخي القومي للجميع، بدعم قوى الثورة العالمية وإسنادها. وهناك ثورات تحررية عديدة في العالم تقوم وتتواصل وتستمر رغم النكسات والمحطات، وتطول أحياناً، مثل الثورة الفلسطينية الباسلة، إلا أن هذه الثورات ستنتصر في نهاية المطاف ولو بعد حين.
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن المؤلف أحمد وصفي زكريا يطلق أحكاماً قاسية وظالمة، في أكثر من موضع من كتابه «جولة أثرية في بعض البلاد الشامية»، على عدد من المؤرخين العراقيين والكورد، ويثير حولهم الشكوك في «عدم موضوعيتهم» وانحيازهم إلى مصلحة الكورد، وفي مقدمة هؤلاء الأفاضل محمد أمين زكي، مؤلف كتاب «خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن» وكتاب «تاريخ الدول والإمارات الكردية»، والعالم علي سيدو الكوراني، مؤلف كتاب «من عمّان إلى العمادية»، علماً بأن هذين العالمين قد بذلا جهوداً خارقة في تعريف الشعب العربي بالشعب الكوردي، وطرح قضاياه عليه بروح الأخوة والنضال المشترك والاتحاد في مواجهة أعداء الشعبين، وكذلك المؤرخين العالميين، ولا سيما الروس منهم.
7. النضال القومي والوطني لكورد كوردستان سورية
رداً على ما يزعمه المؤلف من أن كورد سورية عامة «مهاجرون» منذ زمن ليس بالبعيد، وأن كورد الجزيرة بشكل خاص وُجدوا هناك تحديداً منذ عام 1926، نريد أن نعرض بإيجاز بدايات نضال الكورد الوطني من أجل استقلال البلاد وتقدمها الاجتماعي.
ففي أواسط عام 1925، وبعد وصول جيوش الاحتلال الفرنسي إلى الجزيرة بقيادة القائد «رولكان» والضابط «كميني»، اللذين استقبلهما بالترحاب مشعل باشا الجربا، من زعماء عشائر شمّر العربية، اعتُقل العديد من الكورد ونُفي آخرون، فقامت مجموعة من الكورد بالهجوم على الثكنة العسكرية في قرية «بياندور»، واحتلها المناضلون الكورد، واستشهد الفلاح «أوسي» من عشائر الهفيركان الكوردية من قرية تل نار. وفي معركة مشهودة خاضتها العشائر الكوردية الثائرة، بتضامن من عشائر عربية، جرت مواجهة مع الجنود الفرنسيين المتجهين بقيادة رولكان إلى «عين ديوار»، في موقع «كرى توبي» (تل مدفع)، فقُتل القائد الفرنسي رولكان، وأُلحقت الهزيمة النكراء بالحملة الفرنسية، واستشهد العديد من الشباب الكورد. وفي عام 1936 تم لقاء بين الزعماء الكورد في الجزيرة والمجاهد الوطني البارز فوزي القاوقجي لتنظيم انتفاضة شعبية، والتنسيق بين الكورد والعرب ضد الفرنسيين.
نورد هذا المثال، من بين عشرات الأمثلة، لنثبت أن المؤلف مخطئ عندما يدعي أن كورد الجزيرة ظهروا هناك منذ عام 1926، في حين أن أبناء الشعب الكوردي انتفضوا وثاروا على الاستعمار الفرنسي عام 1925، ونترك الحكم للقارئ.
ومن جهة أخرى فإن المؤلف، لدى عرضه حركة المريدين الكورد في جبل الأكراد (عفرين)، يعدّها حركة جاءت من تركيا، ويؤطرها في قالب اجتماعي ديني. والحقيقة أن حركة المريدين الكورد نشأت رداً على الاحتلال الفرنسي لسورية في منطقة عفرين الكوردية في محافظة حلب، وتعد هذه الحركة الكوردية في عفرين جزءاً لا يتجزأ من نضالات الكورد ضد المحتلين، وكان لتطورها محتوى طبقي وسياسي، إذ ظهرت في الميدان السياسي عام 1934، وقاومت الاحتلال الفرنسي بشن معارك قاسية إلى جانب الثوار الوطنيين في سوريا، أثناء سفر الوفد السوري إلى باريس عام 1936 لإجراء المفاوضات مع الفرنسيين.
وخير ما نختم به هذه المناقشة المتواضعة ما ذكره الدكتور جمال الأتاسي في مقدمته الرائعة التي ازدان بها الكتاب:
«والحق أن المسألة القومية الكوردية واحدة من المسائل المعقدة في العالم؛ فهي تتناول من ناحية الحقوق القومية للشعب الكوردي المتواجد كأقليات قومية موزعة في خمس دول متاخمة بعضها لبعض، وبينها حدود دولية فاصلة، وهي في الوقت ذاته تحمل تطلعات الشعب الكوردي الذي يطمح إلى أن يكون أمة بين الأمم الأخرى في العالم المتحرر، وأن يكون له كيانه القومي الكوردي المستقل بين الكيانات القومية الأخرى في العالم».
أجزاء «المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ» (12 جزءاً):