الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
القضية الكوردية وأهمية الحوار
نحن الكورد نعيش وسط شعوب فارسية وتركية وعربية منذ آلاف السنين، وعلينا أن نقول الحقيقة ولا نخجل منها: إن الكورد لم يكونوا الأكثرية بين تلك الشعوب، ولا سيما مع إيران وتركيا في المنطقة الجبلية. غير أن ذلك لا يمنع أن نكون جزءاً من الأمة الكوردية، وخاصة في كوردستان، ولا يمنع أن يتمتع الشعب الكوردي بشخصية معنوية بين بقية الأمم والقوميات الأخرى في تلك المنطقة، وهو شعب يعتز بتاريخه ورموزه الذين ناصروا الإسلام ودافعوا عنه، مثل القائد صلاح الدين الأيوبي في القرون الوسطى.
في كل الأدبيات والكتب التي تناولت القضية الكوردية وكوردستان منذ تأسيس الدولة العراقية العربية الجديدة عام 1921م، كان الحديث الرسمي والوجدان الشعبي يذهبان إلى التآخي بين القوميتين الكوردية والعربية، وأحياناً إلى ضرورة إعطاء الكورد حكماً ذاتياً ضمن حدود الدولة العراقية الجديدة. وقد تكون مثل هذه الوعود التي سُجلت في التاريخ هي التي أثقلت كاهل الشعب الكوردي في عيشه، وأثّرت في نظرته إلى مركز الحكم في بغداد، بل أدت إلى انعدام ثقته بأي مسؤول يجلس على كرسي الرئاسة في بغداد. ويجد الشعب الكوردي أن تقسيم كوردستان في القرن السادس عشر بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، إثر معركة جالديران عام 1514م، عذرٌ يمنع أن يقع اللوم على العرب دون الفرس والأتراك، خصوصاً أن العرب والكورد ضمن حدود دولة العراق الجديد قد خضعوا للمحتل الأجنبي، التركي العثماني ثم الإنكليزي، منذ سقوط بغداد على يد المغول الترك عام 1258م حتى قيام ثورة الرابع عشر من تموز 1958م، وهي فترة ربما قاربت سبعة قرون من الزمن، ولم يكن هناك من يصنع القرار السياسي لتأسيس دولة كوردية مستقلة.
إن تناوب الأتراك والفرس على حكم الولايات العراقية (البصرة، بغداد، الموصل) على فترات متباينة من الزمن كان فيه شيء من إرهاق التآخي بين العرب والكورد، وهما لا ينكران ذلك؛ لأن متطلبات الحكم أجبرتهما على اتباع سياسة الثأر والضغينة لإبعاد أحدهما عن الآخر، وقد ترسبت بمرور الزمن حالة من الشك والريبة. وكان المستعمر البريطاني، الذي وطئت أقدامه ولاية البصرة عام 1914م، هو الآخر على معرفة تامة بطبيعة المجتمع العراقي (السنة والشيعة)، وبمطالب الكورد في المناطق الجبلية (كوردستان) في نيل الحكم الذاتي. وربما وجد الكورد، بزعامة القائد الكوردي الشيخ محمود الحفيد عام 1919، الفرصة سانحة لنيل حقوقهم في ولاية الموصل وفروعها: كركوك، والسليمانية، وأربيل، ودهوك (قضاءً سابقاً ومحافظة حالياً)، وأجزاء من محافظة ديالى، وهي مناطق ذات أغلبية كوردية، وذلك بالتفاهم مع المستعمر البريطاني لا بالتمرد عليه؛ غير أن وزارة الخارجية البريطانية استجابت لتأسيس دولة للعرب بوصفهم قومية في العراق الجديد، وأهملت مطالب القومية الكوردية في كوردستان العراق، وهي القومية الثانية في البلاد.
وقد يكون العيب كل العيب في السياسة البريطانية التي أثقلتها مشاكل اليهود في أوروبا، والتي قادت إلى إعدام الملك الإنكليزي شارل الأول عام 1649، دون أن يتمكن محامٍ إنكليزي من إنقاذ حياته. وهو ما حدث في فرنسا أيضاً، وأدى إلى إعدام الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت عام 1793. ولا شك في أن هذا الخوف من اليهود هو ما دفع لندن وباريس إلى تبني اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916 لتقسيم ولايات الدولة العثمانية بينهما، ولإسكان اليهود في دولة ووطن مستقل لهم (فلسطين)، ولكن دون ولاية نفطية مثل ولاية الموصل ومسجد سليمان، لحاجة بريطانيا الإمبراطورية إليها في حكم الشرق الأوسط بعد أن خسرت مستعمرتها الأمريكية عام 1776. وإذا كان اليهود والنفط مصدري القلق في لندن، فإن العامل الأيديولوجي هو الآخر أضاف عبئاً جديداً تمثّل في قيام ثورة أكتوبر الشيوعية في روسيا عام 1917م، التي كانت سبباً في توقف القتال ضد الدولة العثمانية في الشرق. وربما وجدت بريطانيا أن الخطر الشيوعي، لا الدولة العثمانية الآيلة إلى النكوص والانهيار، هو ما ستخشاه بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية في قادم الزمن.
لم يكن الكورد ولا العرب على إدراك تام بالسياسة الدولية والإقليمية وامتداداتهما. وإذا كان الشعب الكوردي قد أدرك بعضاً من هذه السياسة، ولا سيما ما يتعلق منها بدولتي الجوار، بلاد فارس وتركيا، فإن المستعمر البريطاني كان صاحب الخبرة السياسية في شبه القارة الهندية ومشاكلها، وقد أذعنت شعوبها للسياسة البريطانية منذ منتصف القرن التاسع عشر، ولم تكن مشاكل العرب والكورد والتركمان أكثر عسراً من مشاكل الهندوس والمسلمين في شبه القارة الهندية، حتى مع قيام ثورة شعبية في الفرات الأوسط عام 1920، وانتفاضة كوردية في السليمانية من أجل الاستقلال عام 1919م بقيادة الشيخ محمود الحفيد. وكان تأثيرهما يوحي بإضافة أعباء على الدولة المهزومة، تركيا العثمانية، بأن تحتضن بريطانيا على ترابها دولتين في معاهدة سيفر عام 1920، هما دولة كوردية ودولة أرمنية. وبقدر ما استفاد القائد التركي مصطفى كمال أتاتورك من المقاتلين الكورد في هزيمة الجيش اليوناني، فإنه سرعان ما تنصل من وعوده للشعب الكوردي بالحكم الذاتي، فلم تعد المعاهدة أكثر من أوراق تعب عليها موظفو وزارة الخارجية البريطانية.
إن مشكلة اسمها «ولاية الموصل» نشأت بين بريطانيا وتركيا عام 1918 بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بهدنة مودروس في 30 تشرين الأول 1918م بين بريطانيا المنتصرة والدولة العثمانية التركية المهزومة، وقد رتبت هذه الهدنة للمنتصر في الحرب أن يأخذ منها مادة النفط، كما رتبت بريطانيا لنفسها بقاء محمية الكويت النفطية منفصلة عن ولاية البصرة النفطية منذ عام 1899، لضمان استمرار شريان النفط لبريطانيا، فأصبحت الخلجان والموانئ البحرية مضمونة لرسوّ الأسطول البحري الإنكليزي فيها ولنقل النفط إلى مستعمرتها الهند البريطانية. ومثل هذا التفكير الاستراتيجي، الذي ينظر إلى مصالح بريطانيا بالدرجة الأساس، ليس بوسعه إغضاب إيران النفطية، ولا تركيا العلمانية التي تحتاجها بريطانيا للدفاع عن مصالحها ضد الخطر الشيوعي بعد الثورة البلشفية. وبذلك لا تكون انتفاضة بارزان الكوردية الأولى بين عامي 1931 و1932م، وانتفاضة بارزان الثانية بقيادة الزعيم الكوردي الخالد الملا مصطفى البارزاني بين عامي 1943 و1945م من أجل الاستقلال، أكثر من ثورة على سلطة بريطانيا ومصالحها في منطقة الشرق الأوسط، ومثلهما حركة رشيد عالي الكيلاني (للعرب السنة) عام 1941، التي وصف البريطانيون رموزها بالخونة العاملين لصالح الألمان.
وشعر الشعب الكوردي في كوردستان بالفخر والاعتزاز القومي بزعيمه الخالد وقائده الشجاع الملا مصطفى البارزاني الذي عاد إلى الوطن بعد ثورة تموز 1958، خصوصاً وهو يستمع إلى الزعيم الركن عبد الكريم قاسم يقول إن العرب والكورد شركاء في الوطن. ولكن في واقع السياسة الدولية فإن العراق الذي تخلص من الاستعمار البريطاني قد رهن أمره إلى حد ما بسياسة شيوعية وهو ليس شيوعياً، وذلك لضمان تدفق السلاح السوفيتي إلى العراق أولاً، والوصول إلى منطقة الخليج النفطية ثانياً. ولعل ما كان في تفكير موسكو، التي مهدت لعودة الزعيم الثائر والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني، أن يكون البارزاني الساعد الأيمن للزعيم الركن عبد الكريم قاسم في سياسته لإخماد أي تمرد عشائري في المنطقة الشمالية الجبلية الوعرة (كوردستان العراق). أما عبد الكريم قاسم ففهم الأمر على أنه يعني أن يرفع الملا مصطفى البارزاني وعائلته وعشيرته ونسوة الكورد أيديهم بالتحية العسكرية له أينما حل، وأن شعار «شركاء في الوطن» ليس أكثر من شعار أملته الظروف السياسية الداخلية، لتجنب انقلاب تقوم به القوى القومية العربية على سياسته المتلونة، تارة مع الشيوعيين وتارة مع القوميين العرب. وكشفت أحداث عام 1961 كيف حمل الزعيم عبد الكريم قاسم على الشعب الكوردي وأنكر وجوده القومي، الأمر الذي أجبر الزعيم الثائر الملا مصطفى البارزاني على مقاتلة وحدات الجيش العراقي التي أرسلها عبد الكريم قاسم إلى كوردستان العراق. ووصلت رسالة الحاكم عبد الكريم قاسم في بغداد: لا حكم ذاتي للشعب الكوردي، حتى وهو على غير وفاق مع سياسة طهران وأنقرة.
ولا يزال قادة الكورد والشعب الكوردي يؤمنون بلغة الحوار والتفاوض والمناقشة مع بغداد قبل لغة السلاح. ولعل ما جرى من حديث بين جلال الطالباني والرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1963 مما يمكن وصفه بحديث القلب إلى القلب. والكورد إذ يمجدون الرئيس جمال عبد الناصر، وهو رائد القومية العربية، وزعيم مرموق بين الرؤساء المؤسسين لحركة عدم الانحياز، يثبتون أنهم أبعد ما يكونون عن العنصرية. ولكن للأمة الكوردية حقوقاً ينبغي التشاور فيها، وهي فضلاً عن كونها معنوية، والرئيس جمال عبد الناصر يستمع إلى حق الشعب الكوردي في اللغة والتعليم والمشاركة في صنع القرار السياسي، تمثل في النهاية واقعاً على الأرض. وكان الرئيس العراقي عبد السلام عارف، التواق إلى الوحدة مع مصر، بحاجة إلى استعادة ثقة مفاوضيه الكورد للوصول إلى أرضية متفق عليها، لا إلى أرضية لحشد الدبابات والمدفعية لضرب المكوّن الثاني في العراق بعد العرب. وكان بالإمكان تعويض ذلك بإظهار حسن النية تجاه الكورد بإطلاق سراح كل المعتقلين والسجناء بسبب الثورة الكوردية، ليجد من قادة الكورد من يمجد موقفه الإنساني وصدره الرحب، فرد الجميل صفة متأصلة في نفوس الكورد عامة، لا الغدر كما يفعل ساسة اليوم.
وربما وصف بعض السياسيين لقاء السيد جلال الطالباني بالرئيس جمال عبد الناصر بأنه لقاء قُدّر له أن يضيف شعبية لعبد الناصر، وأن يعرّف بقضية كوردية آن لها أن تُعرف على صعيد الرؤساء العرب، وذلك قبل أن يصل إلى أذني جمال عبد الناصر أن الوحدة الفكرية التي يتمتع بها الشعب المصري ليست ذاتها في العراق، وأن إعطاء الكورد حقوقاً وميزانية قد يدفع الشيعة في الجنوب إلى المطالبة بمثلها ما دام حاكم بغداد عربياً سنياً. ولكن ذلك لم يعطل الحوار والمطالبة بعد هجوم الربيع ضد الكورد عام 1964، لتظهر بنود التاسع والعشرين من حزيران 1966 على يد رئيس الوزراء المدني الدكتور عبد الرحمن البزاز، قبل أن يجبره العسكريون المتنفذون في الحكم على الاستقالة. والحق الذي يجب عدم إغفاله أن ما وضعه الدكتور عبد الرحمن البزاز من قاعدة للتفاوض قد مهد لأن تجتاز الثورة الكوردية بعض العقبات، ومنها قبول الكورد في الوظائف العامة والكليات العسكرية بما يتناسب وعددهم بموجب إحصاء عام 1957.
وقد يكون مثل هذا القرار (بيان 29 حزيران 1966م) الصادر من بغداد لا يعجب ساسة طهران وأنقرة، وهذا شأنهما منذ اتفاق عام 1926 بين الدولتين، الموجه بالدرجة الأساس إلى تحجيم الحركة الكوردية وحصرها في أضيق نطاق.
إن الأثر النفسي الذي تركته حرب 5 حزيران 1967 بين العرب وإسرائيل كان كبيراً. ورغم تبدل بعض القيادات العربية بأخرى، فإن اليد العليا في مركز القرار ظلت للعسكريين، وهناك من تطرف في الحديث عن الكورد وقياداتهم فعدّهم أحد أسباب النكسة، وهو ما يحمل في ثناياه أن لا عودة إلى الحديث عن حكم ذاتي للشعب الكوردي، أي لا ضرورة للحوار. وقد يكون الصحيح عكس ذلك، بالعودة إلى ما طرحه الكورد في مناسبات عدة: ماذا لو اعتمد العرب عامة، والعراق بصفة خاصة، مبدأ الديمقراطية للعراق والحقوق القومية للشعب الكوردي داخل الخيمة العراقية؟ أليس ذلك ما كان يضمن ولاء كل العراقيين لبلدهم، دون الخشية من المعارضة ومراقبة من يخالف رأي حاكم بغداد، وهو ليس نبياً معصوماً؟
والواقع أن ما يجتهد فيه الشعب الكوردي لحل المسائل العالقة وتطوير البنية التحتية كثيراً ما يُفسَّر بسوء النية، وأحياناً يقال إن الأجنبي هو من يلقنهم! وعسى الملقن، وهو يذكر في صحفه وأجهزة إعلامه أن ملايين من الشعب الكوردي باتوا محشورين بين الجبل والسهل دون حقوق تجعلهم يشعرون بحق المواطنة والمشاركة في صنع القرار السياسي. وقد لا أكون مجانباً للصواب في حديثي عندما أقول إن كثيراً من الحكام العرب تستهويهم مشورة الأجنبي عندما يواجهون مأزقاً صعباً، أو عندما يريدون إزاحة زعيم دولة أو تكبيل المعارضة من أجل استحقاقات كرسي الحكم. ولم يكن اتفاق 11 آذار 1970 بين الكورد وحزب البعث الحاكم في بغداد أبعد مما ذهبنا إليه، ليظهر للعالم العربي والإسلامي والدولي أن بغداد أبدت حسن النية تجاه الشعب الكوردي وأن الكورد رفضوه، في حين كان الرد المناسب أن بغداد لا تزال تمارس لعبة تجنيد الكورد للتجسس على أبناء جلدتهم، ودين الإسلام الذي يؤمن به الكورد قولاً وفعلاً لا يقبل ذلك. وعليكم أن تتصوروا كيف يمكن أن تكون المشاركة في القرارات المصيرية التي تهم الوطن (العراق)!
وهنا لا بد لي من الإشارة إلى اتفاقية السادس من آذار المعروفة باتفاقية الجزائر عام 1975 بين النائب صدام حسين وشاه إيران محمد رضا بهلوي، التي حصلت إيران بموجبها على نصف شط العرب، وضُربت الحركة والثورة الكوردية. والحق الذي لا أتحرج منه أنه لو كان اتفاق 11 آذار 1970 رصيناً وزاكياً للشعب الكوردي، ونُفذ كل ما اتُّفق عليه وتقرر، لما تحرج كورد العراق من الوقوف إلى جانب صدام حسين في إثارة كورد إيران على الشاه الإيراني، والأخير يمقت العرب، ويمقت جمال عبد الناصر، ويمقت صدام حسين. هذا ما كنا نقوله عن المشاركة في القرارات المصيرية للوطن، وعن إتاحة المجال للديمقراطية لتنمو على حساب الدكتاتورية التي ضيّعت الوطن في وقت لاحق. ونقول: هل الصحيح أن نضيّع الوطن في متاهات الحروب، ولا نصغي إلى مطالب الشعب الكوردي في كوردستان؟ وما كان لمصطفى كمال أتاتورك أن يحوّل هزيمة تركيا إلى نصر على اليونان عام 1922 لولا مساعدة القوات الكوردية، المؤمنين بالله أولاً، وبرغبتهم الصادقة في معاونة من يقف إلى جانبهم، وهم أهل عزة، وعُرفهم إجارة من يلجأ إليهم (وخير دليل على ذلك قادة ومسؤولون سابقون يعيشون الآن في كوردستان معززين مكرمين)، وفق قواعد الحق والعدل والحرية، دون تحميلهم وزر أخطاء قرارات الحرب، وعواقبها الجسيمة الصعبة، كما حدث في غزو الكويت في 2 آب 1990!
وإذا قال قائل إن العراق قُسّم إلى دويلة شيعية ودويلة سنية وأخرى كوردية، فإن حاكم بغداد وحده من يتحمل وزر المسؤولية، مهما قيل عن انتفاضة للشيعة وأخرى للكورد عام 1991. وهي تحصيل حاصل بالنسبة إلى الشعب الكوردي الذي حوصر مرات ومرات بين الجبل والسهل، بل بات بعد اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975 على قمم الجبال خشية جحيم قصف الطائرات العراقية، وفي وجه جحود سياسة أنقرة وطهران تجاه الأقليات، ولا سيما الكورد، في تنسّم هواء الحرية. والحرية لها ثمن، بعد أن دُمّر 90% من ريف كوردستان العراق، وهُجّر سكانه الكورد قسراً إلى معسكرات تشبه المعسكرات النازية في الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن حملات الإبادة الجماعية للشعب الكوردي فيما سمي حملات «الأنفال». والله لا ينصر إلا من نصره، وهو يجازي من يقتل عبثاً، لقوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا}. ولأجل جمع الشتات الكوردي ظهرت المنطقة الآمنة في كوردستان العراق، ليؤسَّس برلمان وحكومة كوردية في 19 أيار 1992، من مؤيدي الحزبين الرئيسيين، الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، وآخرين تحملوا وزر المسؤولية التاريخية لبناء إقليم كوردستان الفيدرالي، وهو نواة لدولة كوردستان الكبرى المستقلة.
إن الحديث عن الفيدرالية الواسعة والمفتوحة أصبح يقترن بفكرة تقرير المصير، أو بالحديث عن دولة مستقلة في المستقبل، وإلى آخره من الأمور التي أشعرت الغالبية العربية، التي لا تعترض أبداً على أن يحصل الشعب الكوردي على حقوقه القومية، بأن القيادات الكوردية بدأت تفكر بأسلوب قومي لا يأخذ مصالح العراق ووحدة ترابه بعين الاعتبار. والسبب هو فقدان الثقة بين الطرفين في حل شامل للقضية الكوردية على المستوى العراقي، مما يجعل الكورد يتصرفون وفق استراتيجية خاصة بهم. ولعل ما زاد استياء الغالبية العربية في العراق إصرار القيادات الكوردية على اعتبار كركوك «قدس الأكراد»، وهو ما أزعج التركمان، ومن ورائهم تركيا. وقد يقول السياسيون الكورد إن ما يطرحونه هو نظير ما قامت به حكومة بغداد من تهجير وإقصاء قسري للكورد من كركوك، وإن هوية هذه المدينة ذات الأكثرية الكوردية قد غُيّرت نتيجة لممارسات الحكومات السابقة. وربما يكون في هذا الكلام صحة، وبتاريخ يسبق ما قامت به الحكومة العراقية، ولكن هل يجوز أن تتعامل الحكومات العراقية مع مثل هذه الأمور المصيرية بهذه الطريقة العشوائية، بعيداً عن القانون (في التهجير القسري والإبادة الجماعية للشعب الكوردي)؟
وفي دفاع القادة الكورد عن مطلبهم بالفيدرالية يذكرون أنه أمر لا يمكن مناقشته، لأنه أُقر في مؤتمرات المعارضة السابقة وفي قرار البرلمان الكوردي، في حين لم تصدر أي من الحكومات العراقية أي توضيح أو خطة لحل المسألة الكوردية؛ بل إن قيادات هذه الحكومات تتجنب المناقشة أو الحديث عن كل ما يمت بصلة إلى سياسة الأحزاب الكوردية وتصرفاتها خشية إغضابها، وبالتالي فقدان الحليف الأقوى في المعادلة السياسية للحكومة العراقية.
أجزاء «المواقف من القضية الكوردية: الموقف السليم منها لا يتجزأ» (12 جزءاً):