الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأطماع الاستعمارية بكوردستان، الجزء الثالث (القسم الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

  • كوردستان في ظل حكم الاتحاد والترقي التركي 1908–1918
  • القومية والفكر القومي الكوردي في الإطار الإقليمي
  • معالم سياسة الاتحاد والترقي في كوردستان
  • دور الكورد في الحركة الدستورية (العثمانية – التركية)

أ- كوردستان في ظل حكم الاتحاد والترقي التركي 1908–1918

تُعدّ هذه المرحلة من تاريخ كوردستان والحركة القومية الكوردية مرحلةً دقيقة ومهمة في نموّ الفكر القومي الكوردي وتبلوره، وستترك آثارها في الحركة الكوردية فيما بعد طوال القرن العشرين. ونحاول هنا أن نبيّن العوامل الدولية والإقليمية والذاتية التي ساعدت على تبلور الفكر القومي بين الكورد. ومن الضروري أن نضع هنا، ولو بإيجاز شديد، تطوّر الأحداث في كوردستان في الإطار الأكبر: ظهور القومية في العالم الإسلامي، وبالتحديد بين العرب والترك، وتأثير ذلك في الكورد، ومن ثم نتناول معالم سياسة الاتحاد والترقي التركي تجاه الكورد، وردود الفعل التي أحدثتها هذه السياسة في كوردستان.

ونحاول في معالجتنا هذا الموضوع اتّباع منهجية تختلف في بعض جوانبها عن منهجية الباحثين الآخرين، وذلك من خلال التمييز بين ردود الفعل العامة وردود أصحاب الطرق الصوفية وردود النخبة الكوردية تجاه سياسة الاتحاد والترقي، على الرغم من التداخل بينها. ولتبيان هذه المنهجية نتطرّق إلى نشاطات النوادي الكوردية في إستنبول، وحركة الشيخ سعيد البرزنجي (الحفيد)، وملا سليم الخيزاني في بدليس، والشيخ عبد السلام البارزاني.

وأخيراً نحاول الإجابة عن سؤال طالما حيّر الكثير من الكتّاب والمؤرخين والمهتمين بالشؤون الكوردية، ويتعلق بالمدة من سنة 1910 إلى 1914، وهو: لقد كانت هناك كل المقومات في كوردستان لقيام ثورة كوردية شاملة بقيادة أبناء بدرخان، وتحرير كوردستان من الحكم العثماني التركي، مثلما حرّر البلغار والرومان والقبارصة (1) أنفسهم من هذا النظام في هذه الفترة؛ فلماذا أخفق الكورد في حين أفلح الآخرون؟

ونؤكد أخيراً أن هذه الدراسة أو المحاضرة لن تحسم الكثير من المسائل التي هي بحاجة إلى مزيد من الدرس والتحليل في ضوء الوثائق التي تعود إلى هذه الفترة، والموجودة في مكتبات كلٍّ من تركيا والعراق وإيران، والتي لم يصل الكثير منها إلى أيدي الباحثين والمؤرخين والمتابعين حتى الآن.

ب- القومية والفكر القومي الكوردي في إطاره الإقليمي

يتفق معظم الرحالة والباحثين والمؤرخين الغربيين المتخصصين في العالم الإسلامي على أن القومية العربية أو الكوردية، كحركة سياسية وفكرية، لم تكن معروفة عند عامة المسلمين حتى نهاية القرن التاسع عشر، قبل سقوط الخلافة العثمانية، وأن الفكر القومي جاء من خلال تغلغل النفوذ الأوروبي في العالم الإسلامي. فنابليون بونابرت مثلاً جلب أثناء حملته على مصر مجموعة من العلماء الذين عملوا على مقاومة الإسلام، لأنه كان أيديولوجية الشعب المصري التي تطالبه برفض الحكم الأجنبي؛ لذلك قام العلماء الفرنسيون، وبرعاية نابليون بونابرت شخصياً، بإذكاء الحس القومي الفرعوني عند المصريين، ومن هنا ظهرت فكرة «مصر للمصريين»، وكُلِّفت «مؤسسة مصر» بالقيام بهذه المهمة (2).

وقامت المؤسسات التبشيرية (التنصيرية) في أثناء حكم محمد علي باشا، حاكم مصر (1805–1847م)، بنشاط مكثّف لتشجيع فكرة اللادينية وتغريب المجتمع المصري. وأقدم كرومر، الحاكم الإنجليزي في مصر (1883–1907م)، على العمل على تنمية الاتجاهات اللادينية ومقاومة الفكر الإسلامي، بتشجيعه الأدباء والعلماء المصريين من أبناء الأقليات غير المسلمة على ممارسة نشاطات تناهض أفكار الدين الإسلامي؛ فكتب جورج أنطونيوس، الموظف في السفارة البريطانية في القاهرة، كتاب «يقظة العرب»، وأصدر اليهودي يعقوب صنّوع مجلة «الوطن المصري» تحت إشراف كرومر. وهكذا بدأ الجيل المتغرّب يردّد كلمة «الوطن». وقام النصارى العرب، من أمثال بطرس البستاني وسليمان اليازجي وأنطون سعادة وميشيل عفلق، بغرس الأفكار القومية العربية بين المسلمين العرب في بلاد الشام، وذلك من أجل إيجاد كيان بديل عن الإسلام تكون لهم فيه، وبدعم الغرب، السطوة والقيادة.

وظهر في هذه المرحلة العديد من البحوث التي تمجّد العصر الجاهلي في سوريا، وتدعو إلى قبلية سورية جديدة ضمن بلاد العرب باسم القومية السورية. وكانت هناك أيضاً دعوات لتمجيد الفراعنة والقومية المصرية، تؤكد هوية شعب مصر باعتباره شعباً منفصلاً عن الشعوب الإسلامية الأخرى. وكان طه حسين الوليد الشرعي للقومية في هذه المرحلة من تاريخ مصر، إذ سعى جاهداً في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» إلى إثبات أن مصر مرتبطة بأوروبا ولا علاقة لها بالعالم الإسلامي، وقال: يجب على المصريين أن يقبلوا الحضارة الغربية بما فيها من سيئات، لأن ذلك قدرهم في التطور.

ويقول ساطع الحصري، وهو من أشد المتحمسين للقومية العربية: «لم تكن القومية معروفة بين شعوب الخلافة العثمانية حتى الانقلاب الدستوري سنة 1908 على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني» (3). ويضيف ساطع الحصري: «نشأت السلطنة العثمانية مُشرَبة بإيمان ديني عميق، متوجّه نحو أهداف دينية صريحة، وإنها كانت دولة إسلامية بكل معنى الكلمة، وإن العثمانيين كانوا بعيدين عن الشعور بالقومية التركية بعداً كبيراً» (4).

كان العثمانيون يعبّرون عن القومية بكلمة «الملّة»، وكانوا دوماً يقولون إن الدين والملّة وجهان لعملة واحدة. وكانت التذاكر والسجلات العثمانية تقسم الرعية إلى مسلمين وغير مسلمين من أهل الذمة، ولم تُستعمل مصطلحات «الأتراك» أو «العرب» أو «الكورد» في الكتب الرسمية إلا في إطار اجتماعي غير مسيّس على الأغلب، ومن أجل التعريف بالمنطقة من الناحية السكانية. وفي الحقيقة كانت كلمة «التركي» كلمة غير مرغوب فيها في الأجواء الرسمية والأدبية، وكانت تُستعمل للإشارة إلى السذّج من الناس، وهي شبيهة بكلمة «الأعراب» بين العرب.

وكانت إدارة الدولة العثمانية، منذ بداية تأسيسها إلى نهاية القرن التاسع عشر، بيد ضباط وإداريين من الغلمان الأوروبيين الذين يُجنَّدون للخدمة في الجيش والإدارة، وعُرفت هذه الفئة بالإنكشارية. كما تحرّج السلاطين العثمانيون والملل العثمانية الأخرى من أن تكون للكورد القيادة الروحية للدولة العثمانية في مراحل متعددة من التاريخ العثماني، ممثلةً بمنصب «شيخ الإسلام» المتنفذ، الذي احتكرته عائلات البدليسي والعمادي والحيدري الكوردية لفترات من الزمن، وبقيادة الطرق الصوفية، كالقادرية والنقشبندية، من الكورد.

بدأت القومية، كحركة فكرية، تؤثر في نخبة من العثمانيين أثناء عهد التنظيمات (1839–1876)، وهي فترة الإصلاحات الغربية. ويقول المستشرق برنارد لويس: «قبل أن يصل الفكر الغربي لم يكن هناك أي وجود للفكرة القومية، بل حتى في بداية القرن العشرين لم يشعر العثمانيون الأتراك أو العرب أو الكورد بأنهم غرباء بعضهم عن بعض؛ فالعرب ارتضوا أن يكونوا جزءاً من الإمبراطورية العثمانية بسبب الدين المشترك، والكورد أيضاً ارتضوا أن يكونوا جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، في حين كان الأتراك العثمانيون يعتزّون بالعرب والكورد، ويعدّون الثقافة واللغة العربية والكوردية من علامات الرقي والتقدم».

ويضيف برنارد لويس أن «اليهودي» آرثر لوملي ديفيد يُعدّ أول رائد للفكر القومي التركي، إذ ألّف كرّاساً بعنوان «دراسات تمهيدية عن تركيا» حاول فيه إثبات استقلالية العرق التركي وأفضليته على العرب والكورد. وقام كلٌّ من فؤاد باشا وجودت باشا، من رجال فترة التنظيمات السرية العثمانية ومن روّاد الماسونية في الدولة العثمانية، بترجمة كتابات لوملي ديفيد إلى اللغة التركية. وهكذا، كما يقول برنارد لويس، «أدرك الأتراك قوميتهم عبر الغربيين» (5).

وفضلاً عن ذلك كان معظم روّاد الفكر الطوراني التركي من غير الترك؛ فأحمد رضا، رئيس حركة الاتحاد والترقي، كان نصفه شركسياً ونصفه الآخر مجرياً، أما أنور باشا، أحد أبرز قيادات الاتحاد والترقي، فهو ابن رجل بولوني اعتنق الإسلام لفترة ثم ارتدّ. وكان جاويد باشا وعمانوئيل قره صو، اللذان يُعدّان من أهم القيادات العليا في الاتحاد والترقي، واللذان شغلا مناصب مهمة من ضمنها وزارة المالية، في الأصل من الطائفة اليهودية المعروفة في الدولة العثمانية بـ«الدونمة». أما طلعت باشا، وزير الداخلية والحرب في الدولة العثمانية، وأحد أركان ثالوث الاستبداد فيها، فكان بلغارياً من أصل غجري. ويُعدّ ضياء كوك ألب، الكوردي الدياربكري المتترّك، والمتأثر بالفكر الاشتراكي الديمقراطي وبفلسفة دوركهايم، منظّراً للفكر القومي اللاديني التركي. ويُعدّ عصمت إينونو باشا، الساعد الأيمن لمصطفى كمال أتاتورك، وهو أيضاً كوردي متترّك، رائداً للحركة القومية التركية، ومن ألدّ أعداء الإسلام.

كما أن إثارة النزعة القومية عند الترك ولّدت حقداً على العرب والكورد، وبذلك تحققت سياسة «فرّق تسُد»، وتمّ للأتراك هدفهم الذي كانوا يأملونه ويحلمون به، وهو إزالة الخلافة العثمانية الإسلامية وزرع الأحقاد بين الشعوب الإسلامية.

ولكن ما تقدّم لا يعني أن الكاتب يرى أن السلطنة العثمانية كانت في مرحلة من مراحلها دولة الخلافة الإسلامية التي يجب أن نقتدي بها، وأن ننسى انحرافاتها عن الإسلام في تطبيق الشورى والعدالة، وإضاعتها الحقوق الأساسية للإنسان المسلم، وإهدارها ثروات الأمة الإسلامية من أجل إشباع نزوات السلاطين العثمانيين. ولكن الغرب، الذي عرف الإسلام وطاقاته الكامنة في بثّ النهوض في الشعوب المسلمة، كان حريصاً على القضاء على الدولة العثمانية المسلمة ككيان، رغم جميع أمراضها، حتى لا تكون إطاراً يمكن إصلاحه من جديد لوحدة الشعوب المسلمة. فقُضي على الدولة العثمانية بالقضاء على مسوّغات وجودها، وذلك بغرس الفكر اللاديني والقومية التركية التي تبلورت في حركة الاتحاد والترقي، ذات النزعة المركزية التركية في الحكم، والمعروفة بمحاولاتها صهر الشعوب العثمانية في بوتقة الأمة التركية التي يدعون لها وإليها (6).


أجزاء «الأطماع الاستعمارية بكوردستان» (15 جزءاً):

  1. الجزء الأول: تغلغل الدول الاستعمارية في كوردستان
  2. الجزء الثاني: بريطانيا تغدر الكورد واحتلال كوردستان العراق
  3. الجزء الثاني (القسم الأول)
  4. الجزء الثاني (القسم الثاني)
  5. الصراع الكوردي الآثوري ومقايضة عربستان بالسليمانية
  6. الوضع الإداري والوضع الكوردي بعد قيام الدولة العراقية
  7. الجزء الثالث (القسم الأول) (هذا الجزء)
  8. الجزء الثالث (القسم الثاني)
  9. الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الأول)
  10. الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الثاني)
  11. الجزء الخامس (القسم الأول)
  12. الجزء الخامس (القسم الثاني)
  13. الجزء الخامس: الكورد في صك الانتداب والمعاهدة والبيانات الرسمية
  14. الجزء الخامس: اتفاقية 1926 وبيان 1930 والخلاصة
  15. الجزء الخامس (تتمة)

→ الجزء السابق  |  الجزء التالي ←