الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الأطماع الاستعمارية بكوردستان العراق: الوضع الإداري والوضع الكوردي بعد قيام الدولة العراقية
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
- الوضع الإداري الجديد في كوردستان.
- الوضع الكوردي بعد قيام دولة العراق العربي الجديد دولةً عربية.
- ثورات كوردية في كوردستان تركيا منذ تأسيس تركيا الحديثة عام 1923.
- العلاقة الكوردية العربية في هذه المرحلة.
أ- الوضع الإداري الجديد في منطقة كوردستان
بعد عقد معاهدة أرضروم الثانية عام 1847 أُسدل الستار نهائيًا على إمكان تجدد الخلافات بين إيران الصفوية وتركيا العثمانية بشأن الحدود، وامتنعت إيران عن تقديم أي عون للتحركات الكوردية على طرف الحدود، ولم تجدد إيران تقديم هذا العون إلا بعد أكثر من مئة عام، عندما تدخلت لأول مرة في النشاط البارزاني المسلح شمال العراق، وأمدّته بالمال والسلاح والدعم السياسي للتشويش على النظام البعثي الوطني بعد عام 1968 وعقد اتفاقية الحكم الذاتي لعام 1970. وأصبحت كوردستان الشرقية من جديد تحت «الحكم الإيراني الصفوي» حتى يومنا هذا.
وضعت الحكومة العثمانية ترتيبات وتبديلات إدارية جديدة بعد إصلاحات السلطان محمود الثاني وضمّ المناطق الكوردية (كوردستان) إلى الإدارة العثمانية المباشرة؛ فقد أصبحت الولايات العراقية الثلاث (الموصل - كوردستان العراق الحالية - وبغداد والبصرة) وأقاليمها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بما يجاورها وبمركز الإمبراطورية العثمانية، وأصبحت العزلة السابقة بين إيران الصفوية وتركيا العثمانية في حكم الماضي تقريبًا، وإن لم يكن ذلك بالنسبة إلى مناطق الجبال في كوردستان، وكانت أقل بالنسبة إلى المدن المتاخمة.
وعندما تولى مدحت باشا (أبو الدستور) ولاية بغداد عام 1869، صرف اهتمامه بشكل خاص إلى إكمال إدماج الولايات الثلاث (الموصل وبغداد والبصرة) بالسلطنة العثمانية، وإنهاء عهد انفصالية الإقطاعات والإمارات والباشوات العرب والأكراد. فقرر أن يجذب إلى جانبه الإقطاعيين والمتنفذين ورؤساء القبائل، وأن يوجّه اهتمامهم إلى الاستثمار السلمي الهادئ للفلاحين، وبدأ يبيع أراضي الدولة (الميري) لشيوخ القبائل العربية والكوردية ورؤسائها وأغواتها، وعمد أيضًا إلى إجراء إصلاحات واسعة في مجالات الزراعة واستصلاح الأراضي وفتح الطرق البرية وتطوير الملاحة النهرية وإنشاء المدارس والمعاهد.
ب- الوضع الكوردي بعد قيام دولة العراق العربي الجديد دولةً عربية
وقد استتبع ذلك إجراء خطوات أخرى في مجال الإدارة بخصوص ما يعرف حاليًا بكوردستان الجنوبية أو كوردستان العراق، إذ أُلحقت بولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، أما كوردستان الشمالية، أو كوردستان التركية كما يطلقون عليها الآن، فقد أُلحقت بولاية ديار بكر الكوردية.
وقد جعلوا ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية ثلاثة سناجق هي:
سنجق المركز (الموصل)، وتتبعه أقضية: دهوك وزاخو والعمادية وسنجار وعقرة.
سنجق كركوك، وتتبعه أقضية: أربيل ورانية وراوندوز وكوي سنجق وكفري.
سنجق السليمانية، وتتبعه أقضية: بازيان وحلبجة وشهرزور ومركة.
كان هذا هو الوضع الإداري الذي وجده البريطانيون في كوردستان بعد احتلالهم العراق أثناء الحرب العالمية الأولى، فتبنّوه وأدخلوا هذه السناجق ضمن حدود الدولة العراقية العربية الجديدة (23 آب 1921)، وهي الحدود التي أقرّها صك الانتداب البريطاني وقرارات عصبة الأمم، ثم دساتير العراق المتتابعة التي شارك في وضعها ومناقشتها تحت قبة البرلمان ممثلو هذه السناجق، التي تحولت إلى ألوية ثم إلى محافظات بعد قيام الدولة العراقية العربية الجديدة في 23 آب 1921.
إنه الوضع الجغرافي والسياسي الذي نتحدث عنه الآن في هذه المحاضرة، أي المنطقة الجغرافية «كوردستان العراق» (ولاية الموصل سابقًا)، التي اقتُطعت من الدولة العثمانية أو الجمهورية التركية الوريثة لها بعد الحرب العالمية الأولى والاحتلال البريطاني، ثم ضُمّت إلى العراق العربي الجديد بعد استخلاص ولاية الموصل (كوردستان العراق الحالية) وسناجقها الكوردية، وقيام نظام الحكم الملكي في 23 آب 1921 في العراق العربي الجديد والصاعد تحت تاج الملك فيصل بن الشريف حسين، وأصبحت على ما هي عليه في العهد الجمهوري الذي قام بعد ثورة 14 تموز 1958 وسقوط الملكية في العراق، وفي عهود الثورات التالية حتى الآن.
وخلافًا لما يظنه الكثيرون، وخاصة من العراقيين العرب، فإن منطقة كوردستان العراق جغرافيًا كيان كوردي مئة بالمئة أرضًا وشعبًا، وقد أصبحت كوردستان، بحسب مصالح بريطانيا المحتلة والمنتدبة عليها، جزءًا من الدولة العراقية العربية الجديدة، لكنها ليست جزءًا من الوطن العربي ولا من العراق التاريخي والجغرافي. وجرى ضمّها إلى العراق ضمًّا دستوريًا برضا الجانبين العربي والكوردي، بموجب «استفتاء عام» جرى بين أبناء العراق من العرب والأكراد والأقليات العرقية الأخرى فيه، بعد قيام المملكة العراقية العربية الجديدة رسميًا في 23 آب 1921.
ومحاضرتنا هذه تطرح هذه المعلومات الموسعة نسبيًا حتى تترابط الأحداث، ويتعرف القارئ على القضية الكوردية بأبعادها التاريخية والجغرافية والسياسية، وحتى يعرف الأكراد كيف ولماذا جرى ضمّ بلادهم «كوردستان» إلى العراق العربي الجديد، وما حمله هذا الضمّ؛ فقد كان لمصالح بريطانيا ولأهمية المنطقة الجغرافية لكوردستان العراق بالنسبة إلى العراق العربي الجديد، ولم يكن مهمًّا ما أصاب كوردستان والشعب الكوردي من عذاب ومآسٍ وخسائر في سبيل المصالح البريطانية فيها.
إن ما قدمناه من معلومات يجعل كل عراقي، عربيًا كان أو كورديًا، يتعرف على تاريخ كوردستان ككل، ولا سيما تاريخ كوردستان العراق السياسي مرحلة بعد مرحلة، إلى أن يصل إلى الوضع الذي آلت إليه بعد الحرب العالمية الأولى، وهو الوضع الحالي الذي تبحث فيه هذه المحاضرة بشكل مفصل وموثّق، بدءًا من تشكيل الدولة العراقية العربية الجديدة في 23 آب 1921 وحتى يومنا هذا.
نستنتج إذن أنه لم تكن للعرب أية مبادرات لضمّ كوردستان إلى العراق العربي الجديد، لكن هذا لا يحول دون الاعتراف بأن قيام الدولة العراقية الجديدة «المملكة العراقية» لم يكن نتيجة قرار بريطاني مباشر، بل جاء بعد اندلاع ثورة العشرين أو ثورة الفرات الأوسط في جنوب العراق عام 1920، وقيام الأكراد بحركة مماثلة في السليمانية بقيادة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي ضد الاحتلال البريطاني في عام 1918م؛ فاضطرت بريطانيا إلى الاعتراف باستقلال العراق العربي الجديد، واقترحت أن تكون دولة العراق ملكية، ورشّحت لها ملك سورية السابق الأمير فيصل بن الشريف حسين، وهو ما جرى بالفعل بموجب استفتاء شعبي شارك فيه العرب والأكراد. وكانت بريطانيا تنوي قبل ذلك جعل العراق محمية بريطانية تتبع حكومة نائب الملك البريطاني في الهند، وكانت الهند مستعمرة بريطانية آنذاك، وهو ما سنبحث فيه بشيء من التفصيل في محاضرات لاحقة.
لقد كانت كوردستان العراق ستلقى مصير كوردستان تركيا لو لم تُضمّ كوردستان العراق (ولاية الموصل) إلى العراق العربي الجديد بوصفه الدولة العراقية الجديدة. نعم، الأكراد في العراق في وضع سياسي ومعيشي أفضل، بينما أكراد كوردستان تركيا في الوضع الأسوأ، وهم مواطنون من الدرجة الثانية هناك، وغير معترف بهم ولا بحقوقهم القومية الكوردية، ويُمنع عليهم استعمال لغتهم الكوردية أو التخاطب بها. بينما أصبح الأكراد في كوردستان العراق عبئًا على العراق، وأداة تعطيل لدولاب الحياة الاقتصادية، وإشغال القوات المسلحة بمعارك جانبية، وهدر سلاحها، وتخريب المنشآت والمؤسسات، وتعطيل الإنتاج في كوردستان، بسبب عدم فهم قادة العراق كيفية التعامل مع هذا الشعب الكوردي في كوردستان العراق، الذي يعيش في هذه المنطقة الجغرافية (كوردستان) منذ آلاف السنين. وإن حق تقرير المصير حق مشروع لكل الشعوب المضطهدة في العالم، وينطبق هذا على كوردستان إيران كما ينطبق على كوردستان تركيا، لما تعانيانه من وطأة السلطة الحاكمة فيهما وعدم الاعتراف بأية حقوق كوردية لأهلهما هناك.
العرب وحدهم يتعايشون مع الأكراد في العراق وفي كل بلد عربي آخر يوجد فيه الكورد، وهذا التعايش ينحدر من تاريخ مشترك بينهم ومن علاقات ثقافية وإسلامية، وسيقوى ويتعمق، عاجلًا أو آجلًا، رغم جميع المعوقات المصطنعة.
ج- ثورات كوردية في كوردستان تركيا منذ تأسيس تركيا الحديثة عام 1923
كانت كوردستان مسرحًا لعدة ثورات وانتفاضات دامية أخمدتها السلطات التركية، ومن أهم هذه الثورات الكوردية:
ثورة الشيخ سعيد بيران، التي اندلعت في عام 1925، وكانت في رأيهم بمثابة ثورة شعبية شملت عدة مناطق كوردية في كوردستان. فقد كوّنت بعض الشخصيات الكوردية لجنة أُطلق عليها «لجنة الاستقلال الكوردي» في أعقاب إعلان قيام الجمهورية التركية الحديثة عام 1923م، وكان الشيخ سعيد بيران يجوب القرى الكوردية ويمارس توعية الفلاحين وإقناعهم بضرورة إقامة دولة كوردية مستقلة في كوردستان وتحريرها من الظلم التركي. لكن الحكومة التركية الحديثة استبقت الأحداث ولم تمهل الشيخ سعيد بيران حتى يكمل استعداده للثورة الكوردية، فقامت ببعض الأعمال الاستفزازية، ثار الأكراد على أثرها في عام 1924، وأعلنت قيادة الثورة الكوردية إنشاء حكومة كوردية مؤقتة. وفي عام 1925 احتل الثوار الأكراد مدينة خربوط المهمة، التي تسمى الآن بالتركية «إلازيغ»، وتقدمت القوات الكوردية حتى وصلت ديار بكر في كوردستان تركيا وكوردستان العراق، وسيطرت على أكثر من ثلث كوردستان ككل. وأمام هذا الزحف الكوردي السريع جرّدت تركيا حملة عسكرية بمساعدة فرنسا، وأخمدت الثورة الكوردية بقيادة الشيخ سعيد بيران بوحشية غير مسبوقة، وأصدرت الحكومة التركية منذ ذلك الوقت أهم قوانين الطوارئ التي تُطبق في المنطقة الكوردية حتى الآن.
وفي كوردستان إيران كانت أول ثورة كوردية في القرن العشرين تهدف إلى إقامة الدولة الكوردية الكبرى المستقلة في كوردستان، وقد استطاع سمكو (إسماعيل آغا الشكاك) أن يسيطر في المدة 1925 – 1930 على المنطقة الكوردية غرب بحيرة أورمية، ونسّق مع الزعيم الكوردي الشيخ محمود الحفيد البرزنجي في السليمانية (كوردستان العراق)، وحققا معًا بعض النجاحات، مما أخاف إنجلترا فعملت على إضعاف الحركة والثورة الكوردية. وفي عام 1925 سعى الحاكم الإيراني رضا خان بهلوي إلى فرض سلطة طهران على كل الأراضي الخاضعة للدولة الإيرانية، وأراد أن يتخلص من سمكو آغا الشكاك ومن الحركة الكوردية في كوردستان إيران.
لكن سرعان ما اندلعت ثورة أخرى في عام 1931 في جنوب كوردستان إيران بقيادة جعفر سلطان، وكانت محدودة، وكانت بداية التحول في أهداف الحركة الكوردية في كوردستان إيران من المطالبة بالحقوق القومية إلى المطالب الوطنية.
ففي عام 1944 تشكلت منظمة كوردية باسم «جمعية الإحياء الكوردي»، مهّدت لقيام الحزب الديمقراطي الكوردستاني في كوردستان إيران، وكان قاضي محمد، وهو شخصية دينية وسياسية مرموقة في مهاباد، من مؤسسي الحزب. وكان برنامج الحزب: تحقيق الحرية في كوردستان إيران، والحكم الذاتي داخل الحدود الإيرانية، والإخاء مع الشعب الأذربيجاني ومع كل الأقليات غير الفارسية.
وبالفعل أعلن قاضي محمد في عام 1946 قيام جمهورية كوردستان الديمقراطية في مهاباد ضمن الكيان العام الإيراني، استنادًا إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتم تشكيل الحكومة الكوردية في مهاباد ورفع العلم الكوردي، كما عُقدت معاهدة بين الحكومة الكوردية الجديدة في مهاباد وحكومة أذربيجان. وحاول قاضي محمد التفاوض مع حكومة طهران حول علاقة جمهورية مهاباد الكوردية، وهي سلطة حكم ذاتي، بالحكومة المركزية، فلم تقبل إيران التفاوض، وتمكنت من استعادة مهاباد وبسط سيادتها على الإقليم الكوردي في كوردستان إيران، وانهارت الحركة الكوردية بعد أن انسحبت القوات الروسية من كوردستان إيران.
د- العلاقة الكوردية العربية في هذه المرحلة
وقد انقلبت العلاقة الكوردية - العربية إلى صدام مسلح داخل كوردستان العراق وداخل سوريا، مع عدم وجود علاقات محسوسة أو واضحة مع باقي الدول والشعوب العربية أو مع جامعة الدول العربية، ومع ذلك فإن أيًّا من الدول العربية لم تسعَ إلى محو الهوية الكوردية كما حدث في كوردستان تركيا. ويصف بعض المثقفين العرب كل محاولة كوردية ترمي إلى تحقيق هدف قومي بالخيانة والتآمر على الأمة العربية، بدافع الحساسية تجاه وحدة كياناتها وتماسكها وقوة جبهاتها الداخلية، ولعل ذلك يَرِد على كل الأقليات في الدول العربية في مواجهة الدول التي تعيش فيها.
أجزاء «الأطماع الاستعمارية بكوردستان» (15 جزءاً):
- الجزء الأول: تغلغل الدول الاستعمارية في كوردستان
- الجزء الثاني: بريطانيا تغدر الكورد واحتلال كوردستان العراق
- الجزء الثاني (القسم الأول)
- الجزء الثاني (القسم الثاني)
- الصراع الكوردي الآثوري ومقايضة عربستان بالسليمانية
- الوضع الإداري والوضع الكوردي بعد قيام الدولة العراقية (هذا الجزء)
- الجزء الثالث (القسم الأول)
- الجزء الثالث (القسم الثاني)
- الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الأول)
- الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الثاني)
- الجزء الخامس (القسم الأول)
- الجزء الخامس (القسم الثاني)
- الجزء الخامس: الكورد في صك الانتداب والمعاهدة والبيانات الرسمية
- الجزء الخامس: اتفاقية 1926 وبيان 1930 والخلاصة
- الجزء الخامس (تتمة)