الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأطماع الاستعمارية بكوردستان العراق، الجزء الخامس (القسم الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

  • مشروع بريطاني لتقسيم كوردستان
  • الأسباب التي دعت بريطانيا إلى إلحاق كوردستان العراق بالعراق العربي الجديد
  • السبب الخفي لمحاولات بريطانيا تقسيم المنطقة
  • الأكراد من العصور الإسلامية إلى العصر الأمريكي
  • كوردستان قبل القرن التاسع عشر (التاريخ القديم) والثورات الكوردية

أ- مشروع بريطاني لتقسيم كوردستان

في الوقت الذي كانت فيه هنالك مقترحات لتشكيل حكومة كوردية في كوردستان تركيا، ومقترحات لتوحيد كوردستان، وبينما وضعت بريطانيا نواة حكومة كوردية في السليمانية بكوردستان العراق (حكومة الشيخ محمود الحفيد)، وفي الوقت الذي بذل فيه الشعب الكوردي مساعيَ كثيرة من أجل تحقيق آماله وأهدافه القومية الاستقلالية، جاءت سياسة بريطانيا في النهاية لتهدف إلى مشروع تقسيم كوردستان من قِبَل المستعمر الجائر وتعمل له وتنفّذه، بإلحاق أغنى جزء من كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) بالعراق العربي الجديد، مطيحةً بتلك المساعي والآمال الكوردية.

فقد أرسل أرنولد ويلسن، وكيل الحاكم السياسي البريطاني (المندوب السامي) في العراق، إلى سكرتير حكومة الهند في 13 حزيران 1919 برقيته المرقمة 6666، التي اقترح فيها ضم مناطق كوردية من كوردستان العراق، مثل زاخو وأربيل وعقرة وكويسنجق والسليمانية، إلى العراق العربي الجديد. وفي آب من السنة نفسها 1919م أرسل سكرتير حكومة الهند من لندن برقية إلى وكيل الحاكم البريطاني في العراق أرنولد ويلسن جاء فيها: «إنها (أي الحكومة البريطانية) أيدت إلى الآن سياسة توسيع النفوذ البريطاني في كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)» (1)، علماً أن السلطة البريطانية في العراق العربي الجديد كانت آنذاك مرتبطة بالسلطة البريطانية في الهند البريطانية (حكومة الهند).

ب- الأسباب التي دعت بريطانيا إلى إلحاق كوردستان الجنوبية بالعراق العربي الجديد

أولاً: العوامل الاقتصادية

إن الأرض العربية في العراق العربي الجديد، التي شكّلت بريطانيا فيها حكومة عربية، وهي ولاية البصرة وولاية بغداد فقط، كانت بصورة عامة أراضيَ جرداء قاحلة، والقليل منها ما يصلح للزراعة، إلا أنه كانت تنقصه مشاريع الري الباهظة التكاليف. أما كوردستان العراق (ولاية الموصل) فقد وُهبت الأراضي الخصبة الصالحة المنبتة المعتمدة على الأمطار، التي تدرّ الثروات الزراعية والحيوانية والفواكه والتبوغ، مع الثروة النفطية الكبيرة والهائلة فيها (2).

فالزراعة، التي كانت تشكّل خُمس الدخل القومي في العراق، تجد في كوردستان مصدرها الرئيسي. أما الثروة النفطية الكبيرة في كوردستان العراق فإنها تؤلّف حالياً نسبة كبيرة من عائدات النفط العراقي، ففي كوردستان تقع حقول البترول الغزيرة في كركوك وعين زالة وزنبو وخانقين، هذا ما عدا الآبار النفطية الاحتياطية الوافرة هنا وهناك، حتى قالت الحكومة البريطانية أثناء مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية: إن العراق الأوسط والجنوبي يعتمدان اعتماداً كبيراً على منتجات منطقة الشمال (كوردستان العراق).

وجاء في الحجج البريطانية لضمّ ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية إلى العراق العربي الجديد: إذا أُعطيت ولاية الموصل إلى تركيا الحديثة فإن ولايتي بغداد والبصرة، المعتمدتين على حنطة ولاية الموصل، تصبحان تحت رحمة الحكومة والجيش التركي.

ثانياً: الأهمية الإستراتيجية

اعتبرت بريطانيا كوردستان العراق منطقة إستراتيجية مهمة لها وللعراق العربي الجديد، فإنها إذا أسست فيها قواعد عسكرية كان بإمكانها مهاجمة أرمينيا وأذربيجان في الاتحاد السوفيتي وضربهما، هذا فضلاً عما في كوردستان العراق من المواقع الدفاعية الحصينة.

فمن أجل الأهمية الاقتصادية والإستراتيجية لكوردستان ألحقت بريطانيا كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق، ولاية الموصل) بالعراق العربي الجديد، وقد نصّت على هذا برقية أرنولد ويلسن، وكيل الحاكم السياسي البريطاني في العراق العربي الجديد، الموجهة إلى سكرتير حكومة الهند البريطانية في آب 1919، إذ جاء فيها: «أعتبر المكاسب الاقتصادية أكبر فائدة من الفوائد الإستراتيجية؛ إنها (أي السكة الحديدية) تمرّ خلال منابع نفطية ثمينة، وخلال البقعة الرئيسية لزراعة الحنطة في ميزوبوتاميا (منطقة ما بين النهرين) (والمقصود هنا كوردستان العراق)، ولها محاصيل ريفية وغابات نحتاجها للغاية. إن الأمل بوجود ثروة معدنية غير أكيد، ولكن لا يمكن إهماله» (3).

وعلّق الميجر نوئيل في تقريره على برقية وكيل الحاكم البريطاني في العراق أرنولد ويلسن المرقمة 6666 المشار إليها، والقاضية بضمّ المناطق الكوردية (كوردستان العراق، ولاية الموصل) إلى العراق العربي الجديد، بقوله: «إن إيضاح قبول مثل هذه السياسة سيبان (سوف يتبيّن) بأنه عمل مشكل وغير مشكور عليه، ومع هذا يمكن إيجاد قاعدة تأمين المنفعة الحربية والاقتصادية للعراق العربي الجديد في هذه المناطق الكوردية بدون سدّ الباب بتاتاً للمطامح الكوردية المشروعة» (4).

وقد قال أدموندز في كتابه «كرد وترك وعرب» (ص 268): لو ضاعت ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق) فإن ولايتي بغداد والبصرة العربيتين في ميزوبوتاميا وحدهما لا يمكن أن تقوم منهما دولة مستقلة قوية.

إن إلحاق هذا الجزء من كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق، ولاية الموصل) بالعراق العربي الجديد لم يؤدِّ إلى إخضاع الشعب الكوردي لاستعمار جديد في هذا الجزء فحسب، وإنما أدى إلى خنق القضية الكوردية واندحارها في جميع أجزاء كوردستان.

لم يرضَ الشعب الكوردي بهذا الظلم الفاحش الذي لحق به، فقام بثورة مسلحة سنة 1919م على سياسة إلحاق كوردستان العراق (ولاية الموصل) بالعراق العربي الجديد، وعلى التفكير الاستعماري البريطاني. ولم يشترك سكان السليمانية سنة 1921 في الاستفتاء لانتخاب فيصل الأول ملكاً على عرش العراق، كما صوّت سكان كركوك الكوردية أيضاً ضده، غير معترفين بالحكومة العراقية العربية الجديدة التي ضُمّت إليها كوردستان العراق (ولاية الموصل).

وبعد أن نفّذت بريطانيا سياسة الإلحاق، غدت هي والحكومة العراقية العربية الجديدة تعِدان الشعب الكوردي بالحكم الذاتي ضمن الوحدة العراقية، ولم يكن هذا الوعد إلا لإرضاء الشعب الكوردي إرضاءً وقتياً. ولم تكن لائحة الانتداب البريطاني على العراق العربي الجديد خالية من هذا الوعد، إذ كُتبت فيها مادة بهذا الخصوص هي:

«المادة السادسة عشرة: لا يوجد في هذا الانتداب (البريطاني) على العراق العربي الجديد ما يمنع المنتدب (البريطاني) من تأسيس حكومة مستقلة إدارياً في المناطق الكوردية (كوردستان العراق، ولاية الموصل) كما يلوح له».

وبصورة رسمية أعلنت كلٌّ من بريطانيا والحكومة العراقية العربية الجديدة منح الشعب الكوردي الاستقلال الذاتي سنة 1922، ولكن تحت تأثير التناقضات التركية البريطانية، في بيانهما المشترك التالي:

«تعترف حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومة العراقية العربية الجديدة بحق الأكراد القاطنين ضمن الحدود العراقية (ولاية الموصل، كوردستان العراق) في أن يؤسسوا حكومة كوردية مستقلة (كوردستان) ضمن هذه الحدود، وإنهم يأملون أن العناصر الكوردية المختلفة ستصل إلى اتفاق فيما بينها حول الشكل المرغوب للحكومة الكوردية المستقلة (كوردستان) وحدودها، وأن يرسل الأكراد مندوبين لمناقشة علاقاتهم الاقتصادية مع حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومة العراقية العربية الجديدة».

بعد إحالة النزاع البريطاني التركي على ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، أي كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)، إلى عصبة الأمم، ألّفت عصبة الأمم لجنة أممية لتقصّي الحقائق سنة 1924، وأرسلتها إلى ولاية الموصل لتحرّي الحقائق من كافة النواحي، فتجولت اللجنة الأممية في المنطقة الكوردية سنة 1925، ثم قدّمت تقريرها إلى عصبة الأمم، فأصدرت عصبة الأمم في السادس عشر من كانون الأول من السنة نفسها 1925م قرارها النهائي القاضي بإعطاء ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق) للعراق العربي الجديد. وكانت الفقرة الثالثة من مقترحات لجنة تقصّي الحقائق الأممية، التي تبنّتها عصبة الأمم، هي: «دعوة الحكومة البريطانية لأن تقدّم إلى المجلس (عصبة الأمم) التدابير الإدارية لتأمين الضمانات للأكراد في كوردستان العراق (ولاية الموصل)» (5)، أي منح الأكراد الإدارة الذاتية، فوعدت بريطانيا بذلك.

ففي الرابع والعشرين من آذار سنة 1926 كُتبت في لندن مذكرة بخصوص إدارة المناطق الكوردية تتكوّن من سبع عشرة نقطة، يوجد نصها في أطروحة الدكتوراه للدكتور عزيز شمزيني. كذلك وعدت الحكومة العراقية العربية الجديدة إثر ذلك أيضاً، لكنهما لم تفيا بوعدهما. كما لم تأخذ بريطانيا وعصبة الأمم برأي الأكراد في مستقبل وطنهم كوردستان، فلم تجعلا للأكراد ممثلاً في كل ما جرى بشأن ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية من اجتماعات ومناقشات ورسميات.

ج- السبب الخفي لمحاولات بريطانيا تقسيم المنطقة

إن تشكيل مستعمرة بريطانية من كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق، ولاية الموصل) بجانب المستعمرة الجديدة، العراق العربي الجديد، لم يكن يتعارض مع المصالح الاستعمارية البريطانية التي ذكرناها، سواء الأهمية الاقتصادية، وخاصة النفط، أو الأهمية الإستراتيجية. ولم تكن بريطانيا لتفقد تلك المصالح فيما لو شُكّلت دولة كوردية مستقلة في كوردستان، بل كانت مصالحها تصبح بذلك أكثر رسوخاً وأمتن أسساً؛ فكانت بريطانيا تضيف مستعمرة أخرى إلى مستعمراتها، بعيداً عن تقديم ما قدّمته من آلاف القتلى من جنودها وضباطها وحكامها السياسيين في عملياتها العسكرية في كوردستان من أجل إخماد الثورات الكوردية، وبعيداً عن الغدر بشعب كان من واجبها السياسي الدولي تحريره. فلماذا إذن ألحقت أغنى أجزاء كوردستان (كوردستان العراق) بمستعمرتها الجديدة العراق العربي؟

فكّرت كثيراً في هذه الأسباب فلم أقتنع بها، وقد سمعت عن طريق الوالد والآخرين أن العديد من الشخصيات الكوردية وقدمائنا، مثل العلامة توفيق وهبي ومحمد أمين زكي، لم يقتنعوا بتلك الأسباب أيضاً، فشكّوا في أن للمسألة الكوردية سبباً خفياً. وكان الواجب على محمد أمين زكي، باعتباره المؤرخ الكوردي الثاني بعد شرفخان البدليسي، أن يكتب كل ما يعلمه عن المسؤولين البريطانيين، لكنه لم يكتب ذلك في حينه.

لقد لاحظ مؤرخونا وقدماؤنا الأكراد، أو علموا، أن حقد أكثرية المسؤولين البريطانيين العاملين في العراق العربي الجديد على الأكراد، مثل برسي كوكس وأرنولد ويلسن والمس بيل وأدموندز، يرجع إلى سبب تاريخي بعيد يعود إلى الحروب الصليبية، أي إلى انتصار القائد الكوردي صلاح الدين الأيوبي في الحروب الصليبية على بريطانيا وفرنسا اللتين قادتا تلك الحروب الصليبية للسيطرة على البلدان الإسلامية الواقعة في شرق البحر المتوسط (فلسطين) وعلى مصر. وما زال الكثير من الأكراد إلى اليوم يذكرون هذا السبب شفاهاً، حتى يقول الكثيرون: إننا أصبحنا ضحية لصلاح الدين الأيوبي وحروبه.

وقد تحدّث مراراً المرحوم محمد نجيب برواري، الذي شارك في ثورة بارزان سنة 1945 ثم في جمهورية مهاباد الكوردية، ثم لجأ مع الزعيم الكوردي الخالد الملا مصطفى البارزاني ورجاله إلى الاتحاد السوفيتي، قائلاً إن الحاكم السياسي البريطاني للعمادية أرسل في طلبه يوماً، فذهب إليه في العمادية، فقال له: سمعت أنك رجل مثقف ونشيط ونزيه، أريد أن تعمل لنا نحن البريطانيين، وسأجعلك قائممقاماً لقضاء العمادية. فقال له: إني لن أعمل لكم، لأنكم غدرتم بالأكراد في كوردستان وأعطيتم كوردستان للعراق العربي الجديد. فغضب الحاكم السياسي وقال له بحدّة: «إنكم لن تصبحوا دولة كوردية مستقلة في كوردستان، لأنكم من أحفاد صلاح الدين الأيوبي، وإن صلاح الدين الأيوبي حقّر التاج البريطاني».

لهذا أرى من الواجب أن يكتب الباحثون والكتّاب الأكراد والمسلمون هذا السبب بكل صراحة، فقد تجنّب الكثيرون كتابته، ولا أعرف لماذا لم يكتبوه مع أنهم ذكروه ويذكرونه شفاهاً (6).

إن الحقد الدفين لدى بعض البريطانيين على الكورد، الناشئ من انتصار صلاح الدين الأيوبي في الحروب الصليبية، كان من الأسباب، أو السبب الأكبر، لإلحاق كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق، ولاية الموصل) بالعراق العربي الجديد، وفي مقدمة هؤلاء برسي كوكس وأرنولد ويلسن وأدموندز والمس بيل، الذين سيطرت ترسّبات الماضي على عقولهم وضمائرهم. لقد ترك أولئك المسؤولون البريطانيون الشعب الكوردي للمجازر الوحشية التي ارتُكبت بحقه، وإن قسطاً كبيراً من الإثم المترتب على تلك المجازر يقع على عاتق هؤلاء السياسيين المجرمين بحق الشعب الكوردي والأمة الكوردية الأصيلة.


أجزاء «الأطماع الاستعمارية بكوردستان» (15 جزءاً):

  1. الجزء الأول: تغلغل الدول الاستعمارية في كوردستان
  2. الجزء الثاني: بريطانيا تغدر الكورد واحتلال كوردستان العراق
  3. الجزء الثاني (القسم الأول)
  4. الجزء الثاني (القسم الثاني)
  5. الصراع الكوردي الآثوري ومقايضة عربستان بالسليمانية
  6. الوضع الإداري والوضع الكوردي بعد قيام الدولة العراقية
  7. الجزء الثالث (القسم الأول)
  8. الجزء الثالث (القسم الثاني)
  9. الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الأول)
  10. الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الثاني)
  11. الجزء الخامس (القسم الأول) (هذا الجزء)
  12. الجزء الخامس (القسم الثاني)
  13. الجزء الخامس: الكورد في صك الانتداب والمعاهدة والبيانات الرسمية
  14. الجزء الخامس: اتفاقية 1926 وبيان 1930 والخلاصة
  15. الجزء الخامس (تتمة)

→ الجزء السابق  |  الجزء التالي ←