الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأطماع الاستعمارية بكوردستان، الجزء الثالث (القسم الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

ج- معالم سياسة الاتحاد والترقي التركية في كوردستان

إن الحديث عن سياسة الاتحاديين (الاتحاد والترقي) في الدولة العثمانية التركية وفي كوردستان يقتضي منا أن نعرض باختصار الخلفية الفكرية والسياسية للاتحاديين الأتراك الذين هيمنوا على الحكم في الدولة العثمانية في الفترة 1908–1918. ففي عام 1908 قامت مجموعة من الضباط العثمانيين المتمركزين في سالونيك في مقدونيا بتمرّد عسكري، ثم انضمت إليهم فرقة من البلغار، وتوجهوا نحو إستنبول لإجبار السلطان العثماني عبد الحميد الثاني على إعادة العمل بالدستور الذي وضعه الصدر الأعظم السابق مدحت باشا بدعم من الدول الأوروبية، والذي عطّله السلطان العثماني عبد الحميد الثاني عام 1878، نظراً لكونه وثيقة أوروبية فُرضت عليه قبل عامين (1876م)، ولأنه لم يكن يصلح لتنظيم الدولة العثمانية المبنية على أساس التراث والحضارة الإسلاميين.

إن الخلفية الفكرية لجماعة الاتحاد والترقي تعود إلى كتابات الليبراليين الترك في عهد التنظيمات، من أمثال نامق كمال (المتأثر بالفيلسوف الفرنسي مونتسكيو) وشناسي أفندي وضياء باشا. وبدأت هذه الأفكار التغريبية تُظهر آثارها في مجلة «تصوير الأفكار»، ثم في أفكار جمعية «الاتحاد العثماني» وجريدتها «العثماني»، التي أسسها عام 1893 الدكتور عبد الله جودت الكوردي الأصل، وصديقه الدكتور إسحاق سكوتي الكوردي الأصل أيضاً، وإبراهيم تمو الألباني ومحمد رشيد الشركسي، ثم تحولت هذه الجمعية إلى «جمعية الاتحاد والترقي». وكان معظم أنصار «تركيا الفتاة» ممن درسوا اللغات الأوروبية وآدابها، أو ممن تأثروا بحركة الترجمة من الأدب الأوروبي، أو عملوا في السلك الدبلوماسي، أو ممن تخرجوا في الكليات الحديثة العسكرية والطبية والهندسية في إستنبول، إذ كان فيها المنهج الأوروبي والعديد من الأساتذة الأوروبيين (7).

وتأثر أنصار «تركيا الفتاة» بالفكر الليبرالي الغربي عموماً، وبأفكار الثورة الفرنسية خصوصاً: المساواة والحرية والأخوة. وكان أعضاء جمعية تركيا الفتاة لا دينيين (عالمانيين، وهو ما يسمى خطأً بالعلمانية)، أي إنهم أرادوا تحويل الدولة العثمانية المستندة في دستورها إلى الشريعة والخلافة الإسلامية إلى دولة قومية وملكية (سلطنة) دستورية ومركزية تحكمها قوانين وضعية، أسوة بالدول الأوروبية. وفي عام 1896 أصدر أحمد رضا (المجري المتترّك)، أول رئيس لجمعية الاتحاد والترقي في باريس، وتلميذ بيير لافيت الذي كان بدوره تلميذاً لأوغست كونت، أحد فلاسفة الثورة الفرنسية، جريدة «مشورت»، وكانت هذه الجريدة تروّج لأفكار الثورة الفرنسية في الدولة العثمانية (8).

وكان هناك تيار فكري وسياسي منافس لأحمد رضا يقوده الأمير صباح الدين، ابن الداماد محمود جلال الدين باشا، وكان من طرف أمه من العائلة العثمانية. وكان هذا أوّل ماسوني من العائلة العثمانية، واشتهر بكونه زير نساء وبأنه مقامر، وبأنه اختلس بعض الأموال من الناس، فأمر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بمحاكمته، فهرب مع عائلته إلى باريس وانضم إلى المعارضة. وشكّل الأمير صباح الدين جمعية باسم «منظمة المبادرات الفردية واللامركزية»، أرادت نشر أفكار الكاتب الفرنسي إدمون ديمولان الداعية إلى تبنّي الثقافة الأنجلوسكسونية، من أجل أن تحقق الدول النامية التطور الاقتصادي والسياسي الحاصل آنذاك في بريطانيا. ولما كان الأمير صباح الدين من دعاة التدخل الأوروبي في فرض الإصلاحات داخل الدولة العثمانية، فقد تقرّب منه الأرمن في الخارج ودعموا مشروعه.

لم تكن جمعية الاتحاد والترقي قبل عام 1909 تنادي بالقومية التركية، بل بالملّة العثمانية، وكانت تطالب بالدستور والمركزية والقيم الليبرالية للعثمانيين جميعاً. فمثلاً يكتب عبد الله جودت في العدد الثالث من جريدة «العثماني» مقالاً يقول فيه: «لسنا نأمل التعرض للغة أي عثماني وقوميته… ولكننا مطمئنون إلى أن حكماً دستورياً ما، لو باشر ممارسته في الحكم، لجعل العثمانيين كافة متساوين، وحقق للغات القوميات العثمانية التطور والازدهار، ولراقت العثمانية للعثمانيين جميعاً ومن دون استثناء».

عقدت جمعية تركيا الفتاة مؤتمرها الأول في باريس عام 1902، بحضور فعّال لوفود الأرمن وممثليهم، ووفد عربي وكوردي وألباني، وبتأييد الدول الأوروبية والمحافل الماسونية ومباركتها في سالونيك وباريس، وقد تكفّلت هذه المحافل، بالاشتراك مع الأرمن، بدفع مصروفات المؤتمر الذي ترأسه الأمير صباح الدين. وفي مؤتمر 1907 أقرّت جمعية الاتحاد والترقي في دستورها حق الشعوب في التعلم في المرحلة الابتدائية بلغاتها المحلية الخاصة بها (9).

بعد انقلاب 1908 على الدولة العثمانية بدأت جمعية الاتحاد والترقي تتحول بسرعة إلى حزب شمولي، أسوة بالأحزاب الماركسية اللينينية والنازية الأوروبية. فرغم ادعائها الحفاظ دستورياً على السلطان عبد الحميد الثاني خليفة المسلمين، فإنها جرّدته من أية سلطة حقيقية. وعلى الرغم من افتتاح مجلس المبعوثان (البرلمان) وتشكيل مجلس الأعيان من أجل إعطاء المسلمين فرصة لممارسة حرياتهم، فإن الاتحاديين تلاعبوا بنتيجة الانتخابات ليضمنوا الفوز الساحق لأنصارهم. كما أعطوا الضباط من أنصارهم معظم المهام العسكرية والسياسية والثقافية، وكان كثير من هؤلاء الموظفين الجدد غير أكفاء. وظهرت في إستنبول صحف تهاجم الشريعة وتروّج للإباحية والأفكار الماسونية، خاصة جريدة «طنين» الرسمية التي كان يصدرها الماسوني اليهودي الدونمي حسين جاهد (10).

وتحولت الكثير من المساجد والثكنات العسكرية إلى مقاهٍ، وانتشرت بيوت الفساد، كما تلقّت الدولة العثمانية الكثير من المصائب والهزائم، وازدادت الهجرة اليهودية إلى فلسطين ازدياداً كبيراً بفضل العلاقة الوطيدة بين الحركة الصهيونية وقيادات جمعية الاتحاد والترقي العثمانية التركية، وخاصة طلعت بك الماسوني وزير الداخلية، وجاويد بك اليهودي، الممثل النيابي عن سالونيك في مجلس المبعوثان ووزير المالية، وقره صو وداود كوهين، اليهوديين الماسونيين، من أبرز الكوادر القيادية في جمعية الاتحاد والترقي (11).

أدى كل ذلك إلى ظهور استياء كبير بين الجماهير، والتفاف كثير من المستقلين حول راية جمعية مستقلة باسم «اتحاد جمعيتي محمدي» أي «حزب الأخوّة المحمدية»، وكان حافظ درويش وحدتي رئيس الحزب، وأصدر جريدته باسم «بركان». وكان هدف هذه الجمعية الحفاظ على الدستور والحريات، والعمل على الملاءمة بين الإصلاحات والإسلام، والحدّ من استبداد الاتحاديين واستئثارهم بالحكم. وكان من أبرز كتّاب هذه الجريدة الشيخ سعيد الكوردي (النورسي).

وفي نيسان 1909م ثارت بعض الوحدات العسكرية داخل إستنبول، ورمى أفرادها القبعات الأوروبية عن رؤوسهم، وهتفوا بحياة السلطان العثماني والشريعة الإسلامية، ودعوا إلى إبعاد الملاحدة الاتحاديين عن المواقع القيادية في الجيش والإدارة والصحافة. وتلقّت هذه الانتفاضة دعم عامة الناس وعلماء الدين، ولكن الاتحاديين المسيطرين على الجيش والصحافة استطاعوا، بدعم وحدات عسكرية من سالونيك وبقيادة الضابط العربي محمود شوكت، الهجوم على إستنبول، وقمعوا الانتفاضة التي سمّتها الصحافة الاتحادية «الحركة الارتجاعية» (الرجعية). واتُّهم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بأنه وراء هذه الانتفاضة الرجعية من أجل تعطيل الدستور والحريات العامة، فخُلع من الحكم، ونُصّب بدلاً منه محمد رشاد المصاب بالبله سلطاناً باسم محمد الخامس (12).

كان فشل انتفاضة نيسان 1909 بداية لعهد جديد من استبداد الاتحاديين، وبدأت مجموعة من الأشخاص القياديين ذوي الأصول الأوروبية والمتترّكة، من يهود الدونمة والمجريين والألبان، ممن احتلوا مواقع قيادية في جمعية الاتحاد والترقي، تدعو إلى مزيد من المركزية وإلى القضاء على المؤسسات الإسلامية. فيقول الدكتور ناظم بك، الذي أصبح كبير الاتحاديين في هذه الفترة: «إننا نحن العثمانيين الأتراك لا يمكن أن نترقّى إلا إذا نبذنا الدين الإسلامي وراء ظهورنا، وعصرنا العلماء المسلمين عصراً، ومحقناهم به محقاً، وسرنا وراء فرنسا خطوة خطوة» (13). كما ظهرت الدعوات الصريحة لتتريك الدولة العثمانية التركية، وأُبعد الكثيرون من قياديي الاتحاد والترقي السابقين من أبناء الشعوب غير التركية، خاصة العرب والكورد، وأُغلقت المدارس والجمعيات والصحف العائدة للشعوب غير التركية. ويكتب حسين جاهد اليهودي المتترّك في جريدة «طنين» مقالاً يقول فيه:

«إن الترك يتمتعون، بصفتهم فاتحين، بحقوق وامتيازات سامية، فلا مجال إذن للاعتراف بحقوق متساوية للعناصر الأخرى من الشعوب العربية والكوردية، وإن الدستور العثماني لا يمكن أن يكون في شكله النهائي سوى دستور تركي» (14).

وبدأت الفكرة الطورانية (بان طورانيزم) تهيمن كأيديولوجية للدولة العثمانية، وكان من أبرز دعاتها ضياء كوك ألب ويوسف آقجورا، وكانت مؤسسة «تورك أوجاغي» (النادي القومي التركي) هي التي تطوّر مقومات الفكر القومي التركي الطوراني وخصائصه. ويبدو أن تحالف تركيا الاتحادية الوثيق مع الألمان عزّز هذه النزعة في الدولة العثمانية؛ فقد خطب فيلهلم، الإمبراطور الألماني، في الاتحاديين قائلاً: «لستم بحاجة إلى الشعوب الأوروبية، فبإمكانكم بناء دولة آسيوية متكوّنة من الشعوب التركية الموجودة في إيران وبخارى وتركستان والقفقاس، وتكون هذه الدولة التركية الطورانية أكثر من 180 مليون تركي (طوراني)» (15).

د- دور الكورد في الحركة الدستورية العثمانية (التركية)

وهذا ما دفع ممثلي الشعوب غير التركية (العرب والكورد والأرمن) إلى الانضواء تحت راية «حزب الحرية والائتلاف» بقيادة الأمير صباح الدين، والأحزاب والجمعيات المعارضة للاتحاد والترقي التركية. وكان حزب الحرية والائتلاف يدعو إلى الأفكار الليبرالية، ويعطي الشعوب العثمانية حق التدريس بلغاتها الخاصة، ويدعو إلى اللامركزية، وكان للعرب والكورد والأرمن وجود ملحوظ فيه. إلا أن الاتحاديين كانوا يقمعون هذا الحزب، وهذا ما دفعه إلى القيام بالانقلاب العسكري في تموز 1912. إلا أن الاتحاديين لم يطيقوا هذا، فقاموا بانقلابهم الثالث سنة 1913.

إن الانقلابات العسكرية لجماعة الاتحاديين، وسياسة القتل والتشريد والإبادة للعناصر غير التركية (العرب والكورد والأرمن) في عهدهم، تقرّب حكمهم من حكم اليعاقبة الدموي في فرنسا بعد الثورة الفرنسية؛ ففي السنين الأولى من حكمهم أبادوا وقتلوا ما لم يُقدم عليه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني خلال أربعين سنة من حكمه. علماً أن عادة السلطان عبد الحميد الثاني كانت تقوم على نفي خصومه أو سجنهم بدلاً من قتلهم، ولكن الإعلام الغربي، رغم ذلك، يسمّيه «السلطان الأحمر»، لأن الكنيسة الأوروبية الداعمة للأرمن وقناصل الدول الأوروبية في الدولة العثمانية والصحافة كانوا يصوّرونه جلاداً للأرمن.

وبعد انقلاب 1913 بدأ عهد ثالوث الاستبداد الماسوني: أنور باشا وطلعت باشا وجمال باشا، واعتلت الكوادر الماسونية معظم المناصب الإدارية في وزارات المالية والخارجية والداخلية. وسارع كثير من الموظفين والضباط الصغار إلى الانضمام إلى المحافل الماسونية داخل الدولة العثمانية حتى يتقرّبوا من ثالوث الاستبداد الماسوني، وانتقلت هذه الظاهرة حتى إلى المقاطعات (16). وفي الحقيقة أصبح الانتماء إلى الماسونية عادةً لأبناء طبقة الأعيان والمثقفين في بغداد ودمشق والقاهرة والقدس.

لعب الكورد دوراً قيادياً مهماً، من الناحية الفكرية والسياسية، في التمهيد لظهور جماعة الاتحاد والترقي. ولكن سرعان ما سيطر الطورانيون الترك (أو بالأحرى المتترّكون) على زمام الأمور، خاصة بعد وصول الاتحاديين إلى الحكم، إذ بدؤوا يضطهدون زملاءهم من الكورد الذين نسمّيهم هنا «كوردستان الفتاة». كان الدكتور عبد الله جودت وإسحاق سكوتي من مؤسسي «الاتحاد العثماني» الذي تحول فيما بعد إلى «الاتحاد والترقي»، ويُعدّ عبد الله جودت المنظّر الأساسي للاتحاديين، إذ كان محرّراً لعدة جرائد كانت تروّج لأفكارهم كالعنصرية التركية، وخاصة جريدة «العثماني» ومجلة «الاجتهاد»، اللتين كانتا تصدران في أوروبا أولاً ثم انتقلتا إلى القاهرة، حيث كانت الإدارة البريطانية هناك تؤمّن لهما الدعم المالي والسياسي.

وفضلاً عن الدعوة إلى إطاحة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، كانت الصحيفتان المذكورتان، بالتعاون مع جريدة «كردستان» التي أصدرها مدحت وعبد الرحمن بدرخان أولاً في القاهرة ثم في جنيف، تركّزان في العديد من المقالات على الأخوّة الأرمنية الكوردية، وذلك لإفشال فكرة التعاون بين رؤساء الكورد المنتمين إلى الألوية الحميدية والسلطان عبد الحميد الثاني (17). وكانت العلاقة بين الصحف الكوردية وعبد الرحمن بدرخان باشا والاتحاد والترقي جيدة أيضاً، فكان عبد الرحمن بدرخان يكتب العديد من المقالات في جريدة «العثماني» الناطقة باسم الاتحاد والترقي.

كما لعب الجنرال شريف باشا السليماني، ابن سعيد باشا من أهالي السليمانية، وزير الخارجية السابق للدولة العثمانية، دوراً مهماً في بداية تكوين الاتحاد والترقي تنظيمياً ومالياً في السويد وباريس. وقد وضع شريف باشا السليماني اللبنات الأساسية للعلاقات الوطيدة بين الاتحاد والترقي والحكومة الألمانية، والتي تطورت فيما بعد إلى تحالف أثناء الحرب العالمية الأولى. وانضم السيد عبد القادر النهري الكوردي إلى فرع إستنبول للاتحاد والترقي سنة 1896، وكان له دور قيادي فيه، وتأثير مهم في تنظيم علماء الدين الكورد في هذه الجمعية. وفي بداية سنة 1900 كشف الباب العالي مؤامرة لاغتيال السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وأُلقي القبض على بعض المتورطين ممن كانوا من مقرّبي الشيخ عبد القادر النهري الكوردي؛ لذلك أُلقي القبض عليه ونُفي هو وأقرباؤه جميعاً إلى المدينة المنورة، لأن معظم أعضاء هذه الفرقة الفدائية المتورطة في العملية كانوا من أنصاره الكورد. وكان للكورد أيضاً دور فعّال في فرع مصر للاتحاد والترقي، وكان أبناء بدرخان يديرون هذا الفرع المهم (18).

حضر حكمت بابان وعبد الرحمن بدرخان المؤتمر الأول للاتحاد والترقي في باريس سنة 1902 ممثلَين عن الكورد، وكان للوفد الكوردي دور مهم هناك. وحضر عبد الرحمن بدرخان بك المؤتمر الثاني للاتحاد سنة 1907، ولكن لم يُدعَ إليه الدكتور عبد الله جودت، لأنه اتُّهم بالخيانة لتوصّله إلى تفاهم مع السلطان العثماني عبد الحميد الثاني وتعيينه في السفارة العثمانية في فيينا (19).

وكانت للسلطان عبد الحميد الثاني علاقة خاصة بالعائلة البدرخانية، فكان أفرادها من خدمه الخاص، وممن يقرّبهم إليه بإعطائهم المناصب المهمة في الحكومة العثمانية. ولكن في عام 1906 اغتيل رضوان باشا، مدير الحرس الخاص للسلطان عبد الحميد الثاني، واتُّهم علي شامل بك بدرخان وعبد الرزاق بدرخان بعملية الاغتيال، فبدأت نكبة البدرخانيين؛ إذ نفى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني نحو 100 رجل من العائلة البدرخانية، وفي ظروف مزرية جداً، إلى طرابلس وفزان في ليبيا. وبهذا العمل أصبح للكورد دور فعّال في الداخل ضمن المعارضة (20).

ومما يؤخذ على السلطان عبد الحميد الثاني خوفه المفرط على حياته من الاغتيال، وكان أكثر من يثق بهم في حاشيته المقربة من العناصر غير التركية، خاصة العرب والكورد. فينقل كوتلاي عن السلطان عبد الحميد الثاني قوله: «هناك من ينتقدني بأنني مخطئ في الاعتماد على هذا العدد الكبير من الكورد، خاصة أبناء بدرخان، في الإدارة في إستنبول، ولكنني مقتنع بهذه السياسة» (21).

إن لقول السلطان عبد الحميد الثاني هذا دلالةً على أنه كان هناك تذمّر من أفراد حاشيته تجاه الكورد المهيمنين على الإدارة، خاصة في الحكومة العثمانية، وفي دوائر «المابين» و«الديوان» و«التشريفات» المهمة، وفي الحكومة المليئة بأبناء البابانيين والبدرخانيين الأكراد. وإن العناصر الحاقدة والحاسدة كانت تبحث عن فرصة للنيل منهم، وهي التي دفعت السلطان عبد الحميد الثاني إلى معاملة البدرخانيين بهذه القسوة، وهذا ما يؤكده المؤرخ لازاريف بالقول: «إنهم أقنعوا السلطان عبد الحميد الثاني بخطر الكورد عليه». وهذا ما دفع السلطان عبد الحميد إلى التقليل من اعتماده على الكورد في الإدارة، وإلى إغلاق «عشيرت مكتبلري» (المدارس الخاصة بأبناء القبائل والشيوخ العرب والكورد في إستنبول والمدن الكوردية)، علماً أن خريجي هذه المدارس غالباً ما كانوا يُعيَّنون ضباطاً وإداريين في المنطقة (22).

تحوّل الاتحاد والترقي بعد عام 1908 شيئاً فشيئاً إلى منظمة طورانية (بان طورانيزم)، وبدأت النخبة الكوردية تعمل في اتجاهين متوازيين: أولهما تكوين منظمات كوردية، وثانيهما العمل ضمن المنظمات العثمانية المعارضة للاتحاد والترقي. وكان دورهم هنا أيضاً دوراً مهماً، وكانوا في بعض الأحيان في قيادة تلك المعارضة. وأهم الرموز هنا: مولانا زاده رفعت، والجنرال شريف باشا سعيد، وزين العابدين فاني زاده الرواندوزي، وعبد الله جودت، ولطفي فكري.

ويعتقد الكاتب الكوردي روهات، صاحب سيرة شريف باشا السليماني، أن «شريف باشا كان من أقوى معارضي ثالوث الاستبداد الاتحادي في تركيا في الفترة 1909–1918 وأشجعهم»، لذلك تعرّض شريف باشا عدة مرات لمحاولات الاغتيال التي دبّرها له الاتحاديون. ولم يدّخر شريف باشا جهداً، من الناحية المعنوية والمالية، لتعرية الحقيقة الاستبدادية للاتحاديين، لذلك كان بمثابة شوكة في أعينهم. وفي عام 1909 قدّم شريف باشا استقالته من الاتحاد والترقي، ويورد الباحث عدة أسباب لهذه القطيعة:

  1. يقال إن استقالة شريف باشا السليماني تعود إلى عدم ارتياحه للاتحاديين، لأنه كان يريد أن يكون سفيراً للحكومة العثمانية الجديدة في باريس أو لندن، ولم يوافق الاتحاديون على ذلك.

  2. ويقال أيضاً إن أحمد رضا بك، رئيس الاتحاديين، كان يشكّ في أمر شريف باشا، ودبّر محاولة لقتله.

ولكن قراءة المذكرة التي كتبها شريف باشا في شرح أسباب الاستقالة تبيّن وجود خلافات سياسية جوهرية بين تصوّره للحكم وتصوّر الاتحاديين للمسألة، إذ يكتب شريف باشا السليماني:

«يجب ابتعاد العسكر كلياً عن السياسة والتدخل في الأمور الإدارية للدولة العثمانية، وأن يصبح مجلس المبعوثان المنتخب انتخاباً حراً المرجعيةَ العليا في إدارة دفة الحكم للدولة العثمانية، وليس قيادة الاتحاد والترقي. ومن الضروري الإقرار بالخصوصيات جميعها، والتنوع السائد في المجتمع العثماني، وإعطاء الحقوق للجميع. وبما أن الجيش هو جيش كل الشعب، فيجب ألا يكون تحت سيطرة حزب واحد» (23).

ويذكر لازاريف أن لطفي فكري، عضو مجلس المبعوثان الكوردي والمعارض للاتحاديين، أسّس «حزب المجدِّد»، وكان هذا الحزب لا دينياً، يدعو إلى فصل الدين عن الدولة وإلغاء السلطنة العثمانية، وكان معظم أعضائه من النخبة الكوردية في إستنبول (24).

ومنذ خروج شريف باشا من جمعية الاتحاد والترقي بدأ يقود المعارضة العثمانية للاتحاديين حتى بدء الحرب العالمية الأولى، فأسس في عام 1909 في باريس «فرقة الإصلاحات الأساسية العثمانية»، والتفّ حول هذه الفرقة (الحزب) عدد كبير من منظّري تركيا الفتاة، من أمثال علي كمال ومولانا زاده رفعت وبيرتف توفيق ورفيق نوزاد وكمال عوني بك. وبعد فترة وجيزة تمكنت الفرقة من تنظيم أنصارها في الداخل، وعُرف هؤلاء باسم «الجمعية السرية»، وكان رضا نور، أحد قادة حركة الاستقلال والحركة الكمالية، عضواً سرياً في هذه الجمعية، فكُشف أمره واعتُقل في عام 1910.

وفي سنة 1911 انضمت «فرقة الإصلاحات العثمانية» إلى «فرقة الائتلاف والحرية» المعارضة في إستنبول، وظل شريف باشا السليماني الرئيس الفعلي للحزب في الخارج وممولَه الأساسي، وأصبح الحزب الجديد منبراً لدعاة الديمقراطية في تركيا، ومسانداً للحقوق القومية للشعوب العثمانية غير التركية (العرب والكورد والأرمن). وكان للشخصيات الكوردية المعارضة للاتحاديين دور مهم في الداخل، ومنهم من كان من مؤسسي هذا الحزب، إذ يُعدّ السيد عبد القادر النهري أحد مؤسسي «فرقة الحرية»، وكان شريف باشا يصدر جريدتها «مشروطيت» الناطقة باسمها (25).

وأخيراً أدّى العلامة سعيد الكوردي (الذي عُرف فيما بعد بالنورسي) دوراً مهماً في مقارعة الفكرة العنصرية التركية عند الاتحاديين قبل مجيئهم إلى الحكم وبعده، فطرح سعيد النورسي الكوردي فكرة «الجامعة الإسلامية» لتكون إطاراً فكرياً للعثمانية، وقال: إن ما يطرحه الاتحاديون من الفكر القومي التركي العرقي لا يستند إلى أسس إسلامية، ويخالف قواعد العلم التي تثبت خرافة وجود العرق (الدم) الصافي. وكانت مقالاته تُنشر في مجلة «بركان» التي كانت منبراً لمعارضي الاتحاديين (26).

إن الخطبة العنصرية التي ألقاها ضياء كوك ألب، الكوردي الأصل، في ديار بكر، ونقلتها مجلة «بيمان» التابعة للاتحاديين هناك، تلخّص العقلية العنصرية التركية التي كان الاتحاديون ينظرون بها إلى الحكم التركي في كوردستان:

«إن العسكرية واجب ديني مقدس، وهي عنوان للجهاد، ولن يستطيع أن يتفاداها أحد، وإن الأعشار وضريبة الأغنام ضرائب شرعية. ومن الآن فصاعداً ستكون هناك صحف ومجلات بلغة الكورد، والأطفال الكورد سيدرسون في المدارس بلغتهم الكوردية، وتُطبَّق القرارات والقوانين: القاتل يُقتل، والفارّ من العسكرية يحاسَب. إن المشروطة ألغت ألقاب الشيوخ والآغا والعشيرة، وإن عشيرتنا الآن جميعاً هي العثمانية» (27).

المصادر

  1. عثمان علي، ص155.

  2. الحصري، ساطع، ص 91–92، انظر: عثمان علي، الحركة الكردية المعاصرة، ط3، سنة 2011، ص156.

  3. عثمان علي، المصدر السابق، ص157.

  4. الحصري، ساطع، مرجع سابق، ص 93.

  5. Bernard Lewis, Islam in History (London 1973), pp. 133–135.

  6. عثمان علي، المصدر السابق، ص159.

  7. استُعمل اسم Jeunes Turcs «تركيا الفتاة» للإشارة إلى دعاة الإصلاح الغربي داخل الدولة العثمانية لأول مرة سنة 1867 في جريدة بلجيكية، وهو بلا شك تقليد لاسم «بريطانيا الفتاة» و«فرنسا الفتاة» و«ألمانيا الفتاة» التي كانت تُطلق على الإصلاحيين الداعين لإصلاح تلك الدول في القرن التاسع عشر. انظر: Bernard Lewis, The Emergence of Modern Turkey, pp. 150–152؛ زين، نور الدين، نشوء القومية العربية مع دراسة في العلاقات العربية التركية، بيروت، دار النهار، 1972، ص 86.

  8. عثمان علي، الحركة الكردية المعاصرة، المصدر السابق، ص 161؛ Lewis, pp. 197–199؛ وانظر: مالميسانيز، القومية الكردية، وجودت عبد الله، مطلع القرن العشرين، ترجمة شكور مصطفى، ص 15، والمرجع ذاته، ص 194–195.

  9. Elie Kedourie, “Young Turks, Freemasons, and Jews”, Middle Eastern Studies, No. 53, 1973, pp. 92–94.

  10. بر، توفيق علي، العرب والترك، ص 84–88. انظر: عثمان علي، المصدر السابق، ص162.

  11. عثمان علي، الحركة الكردية المعاصرة، ط3، 2011، ص 162. انظر: Elie Kedourie, pp. 96–97.

  12. محمد فريد بك، تاريخ الدولة العلية، ص 711–713؛ جريدة المقطم، 20 نيسان 1909.

  13. المنار، جزء 4، 1911.

  14. Kutlay, p. 203.

  15. عثمان علي، المصدر السابق، ص 164، انظر: Kutlay, p. 197.

  16. Elie Kedourie, pp. 96–96; Shaw, vol. 2, pp. 299–301.

  17. مالميسانيز، ص 20–20.

  18. Naci Kutlay, Ittihat Ve Kurtler (Ankara: Rebun Yayinlari), s. 82–85.

  19. مالميسانيز، ص 17–18، 31، انظر: عثمان علي، المصدر السابق، ص166.

  20. مالميسانيز، المرجع السابق، ص 27–28.

  21. Ittihat Terakki Ve Kurtler, pp. 203–204.

  22. كيشه ي كورد، ص 189. أُسست «عشيرت مكتبلري» بدعم من السلطان عبد الحميد سنة 1892، وذلك وسيلةً لخلق الكوادر الإدارية والسياسية بين أبناء القبائل العربية والكردية التي تستوعب سياسة الجامعة الإسلامية وتعمل لها في الولايات. وكانت مدة الدراسة فيها سبع سنوات، يتعلم الطالب فيها، بالإضافة إلى العلوم الشرعية، العلوم الإدارية والعسكرية واللغات التركية والعربية والفارسية والفرنسية، وقد كانت التجربة، استناداً إلى الباحث يوجين روغان، ناجحة جداً في خلق الكوادر في الولايات ذات الولاء القوي للدولة العثمانية. انظر: Eugene L. Rogan, “Asiret Mektebi: Abdulhamid II’s School for Tribes (1892–1907)”, International Journal of Middle East Studies 28 (1996) 107–183.

  23. Rohat Alakom, Bir Kurt Diplomatinin Firtinali Yillari: General Serif Pasa (Stockholm: Apec 1995), pp. 44–45.

  24. لازاريف، مرجع سابق، ص 226–227.

  25. مالميسانيز، مرجع سابق، ص 50؛ Kutlay, pp. 82–85.

  26. Kutlay, 140–143.

يقول عبد الرزاق بدرخان في مذكراته إنه كان على اتصال دائم بشريف باشا في باريس، وحضر عام 1911 مؤتمراً لحزب الائتلاف الحاكم في باريس، بموافقة مسبقة من الحكومة الروسية، وبقي هناك ثلاثة أشهر. انظر: بيره وه رى، عه بدوره زاق به درخان، وخر كير ناماده كوردن جه ليل جه ليلى، ص 30–31.

  1. مالميسانيز، مرجع سابق، ص 34–38. انظر: عثمان علي، المصدر السابق، ص170.

أجزاء «الأطماع الاستعمارية بكوردستان» (15 جزءاً):

  1. الجزء الأول: تغلغل الدول الاستعمارية في كوردستان
  2. الجزء الثاني: بريطانيا تغدر الكورد واحتلال كوردستان العراق
  3. الجزء الثاني (القسم الأول)
  4. الجزء الثاني (القسم الثاني)
  5. الصراع الكوردي الآثوري ومقايضة عربستان بالسليمانية
  6. الوضع الإداري والوضع الكوردي بعد قيام الدولة العراقية
  7. الجزء الثالث (القسم الأول)
  8. الجزء الثالث (القسم الثاني) (هذا الجزء)
  9. الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الأول)
  10. الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الثاني)
  11. الجزء الخامس (القسم الأول)
  12. الجزء الخامس (القسم الثاني)
  13. الجزء الخامس: الكورد في صك الانتداب والمعاهدة والبيانات الرسمية
  14. الجزء الخامس: اتفاقية 1926 وبيان 1930 والخلاصة
  15. الجزء الخامس (تتمة)

→ الجزء السابق  |  الجزء التالي ←