الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأطماع الاستعمارية بكوردستان، الجزء الثاني: بريطانيا تغدر الكورد واحتلال كوردستان العراق

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

  • بريطانيا تغدر الكورد وحقوقهم القومية.
  • الاحتلال البريطاني لكوردستان العراق (كوردستان الجنوبية).

أ- بريطانيا تغدر الكورد وحقوقهم القومية

استأثر العراق وكوردستان، بفضل موقعهما الاستراتيجي وثرواتهما الطبيعية، باهتمام متزايد من جانب بريطانيا منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وكانت ميزوبوتاميا، أي بلاد ما بين النهرين، وهي تشمل ولايتي بغداد والبصرة، منطقة مصالح مهمة بالنسبة إلى بريطانيا، ويبدو ذلك في تصريح اللورد كيرزن، نائب الملك في الهند ثم وزير خارجية بريطانيا الشهير، الذي قال فيه: “إن حدود الهند تمتد حتى نهر الفرات” (1).

وبناءً على ذلك أعلنت بريطانيا رسميًا، في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1914م، الحرب على الإمبراطورية العثمانية (تركيا)، وفي اليوم التالي، 6 تشرين الثاني 1914م، نزلت القوات البريطانية بنجاح في الفاو (جنوب العراق) بعد مقاومة عثمانية تركية ضعيفة، ومنها تقدمت حتى احتلت ولاية البصرة في 22 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1914م (2).

كان جوهر الفكر والسياسة البريطانية إزاء بلاد ما بين النهرين بوجه عام هو السيطرة على هذه المنطقة من العالم، وكان الخلاف بين الساسة البريطانيين يدور حول السبيل إلى تنفيذ هذه السياسة والوصول إلى هذا الهدف (3). وأول من حاول أن يرسم سياسة رسمية لبريطانيا في بلاد ما بين النهرين هو السير آرثر هرتزل، نائب الملك البريطاني في حكومة الهند البريطانية، إذ كتب مذكرة مفصلة في هذا الموضوع مؤرخة في 14 آذار/مارس عام 1914م، تدور حول مستقبل بلاد ما بين النهرين. وقد تضمنت مذكرة هرتزل تأسيس ثلاثة كيانات، هي البصرة وبغداد ومدينة الموصل، التي تشكل وحدة جغرافية وعرقية، مع استثناء الجزء الكوردستاني ذي الأغلبية الكوردية من ولاية الموصل (4).

ولكن السلطات الهندية وحكومة الهند البريطانية طالبت في وقت مبكر، منذ عام 1915م، بالسيطرة الكاملة على كل هذه المنطقة المحتلة من بلاد ما بين النهرين، على الرغم من أنها لم تحدد سياسة واضحة لمستقبل الإدارة في العراق الجديد. واستمر هذا الوضع حتى احتل البريطانيون بغداد في 11 آذار عام 1917م بقيادة الجنرال مود، فشكلوا في لندن مجلس حرب ولجنة سُمّيت «لجنة إدارة ما بين النهرين»، يُناط بها رسم المستقبل السياسي للعراق، وكان على رأسها اللورد كيرزون وزير الدولة لشؤون الهند، ومن أعضائها وزير الخارجية آرثر هرتزل والسير مارك سايكس (5). وفي آذار/مارس عام 1917م عقدت اللجنة أول اجتماعاتها، ثم أصدرت قراراتها في 29 آذار/مارس عام 1917م، وكان من أهمها:

  1. أن تكون إدارة المناطق المحتلة، وهي ولايتا البصرة وبغداد فقط، من قِبل حكومة جلالة ملك بريطانيا لا من قِبل حكومة الهند البريطانية.

  2. أن تبقى البصرة تحت الإدارة البريطانية المباشرة.

  3. أن تصبح بغداد ولاية عربية يحكمها حاكم محلي أو حكومة تحت الحماية البريطانية في كل شيء، أي أن تكون واجهتها عربية.

وقد صممت بريطانيا على عدم تشجيع تهنيد الإدارة الجديدة في العراق الجديد، وعلى تشجيع الاحتفاظ بالقوانين المحلية والمؤسسات العثمانية مع تغيير بسيط بحسب ما تقتضيه المصلحة البريطانية الضرورية. وظلت بريطانيا حتى نيسان/أبريل عام 1918م متأثرة في رسم سياستها لما بين النهرين بموقف السلطات البريطانية في القاهرة وبسياسة مارك سايكس.

ولكن بعد ذلك، ومع تولي السير أرنولد ويلسون مسؤولية الإدارة السياسية لبلاد ما بين النهرين (ولايتي البصرة وبغداد فقط) بوصفه المندوب السامي البريطاني في العراق، بعد نقل برسي كوكس إلى إيران، أُعطيت أهمية أكبر ووزن أثقل لنصائح السلطات المحلية في العراق (6). لقد خلف أرنولد ويلسون (7) السير برسي كوكس في نيسان/أبريل عام 1918م مندوبًا ساميًا بريطانيًا مدنيًا في العراق، وبقي في مركزه حتى تشرين الأول/أكتوبر عام 1920م، حين عاد برسي كوكس إلى العراق مرة ثانية بسبب أحداث ثورة العشرين في العراق، وكان لشخصيته أثر كبير في تطور الأحداث السياسية في تاريخ العراق.

ب- الاحتلال البريطاني لكوردستان العراق (كوردستان الجنوبية)

لقد بذل الكورد جهودًا كبيرة في الحرب إلى جانب الدولة العثمانية ضد القوات البريطانية في العراق، إذ قام فرسان القبائل الكوردية والعربية بمواجهة القوات البريطانية قبل أن تصل إلى حدود لواء الكوت، وتصدت القوات الكوردية للقوات البريطانية في الشعيبة عام 1915م، وكانت القوات الكوردية تضم ألفي فارس كوردي. وقد قُتل في معركة الشعيبة كثير من الكورد المشهورين، منهم رشيد باشا من أهالي السليمانية، الذي كان فيما سبق متصرفًا للواء المنتفك (الناصرية). وبعد أن سقطت بغداد بيد الإنجليز في 11 آذار عام 1917م وبدؤوا الزحف نحو الشمال، أرسل البريطانيون الميجور سون، الخبير بالشؤون الكوردية، إلى خانقين لإجراء اتصالات مع زعماء الكورد.

لقد بدأت مقدمات هزيمة الدولة العثمانية تلوح في الأفق، مما أدى إلى الاضطراب في صفوف الكورد وزيادة قلق الشيخ محمود الحفيد، خاصة أن العلاقات بدأت تسوء بينه وبين العثمانيين؛ فقد أخذ العسكريون العثمانيون يتهمون زعماء العشائر الكوردية بالسلب والنهب، مما دفع الشيخ محمود الحفيد إلى ترك ميدان القتال والانسحاب بقواته إلى حدود لواء السليمانية. وقد ارتاب الأتراك في أمره، ولكن ظروفهم العسكرية السيئة لم تساعدهم على فتح باب يؤدي إلى إثارة المشاكل مع الأكراد (8).

وفي السابع من نيسان/أبريل عام 1918 وصلت قوة إنجليزية إلى كركوك، فقرر الشيخ محمود الحفيد أن يتصل بالإنجليز القادمين إليها (9)، في محاولة للتوصل إلى نوع من الاتفاق معهم يضمن تمتع الشعب الكوردي بحقوقه القومية قبل وصولهم إلى السليمانية.

وقد تداول الشيخ محمود الحفيد الأمر مع رجاله المقربين، ثم كتب رسالة سرية إلى أرنولد ويلسن، المندوب السامي البريطاني في العراق (بغداد)، طلب فيها أن يقرر الإنجليز تشكيل حكومة كوردية في السليمانية يكون هو على رأسها، وتكون خاضعة لحمايتهم. وقد أجاب أرنولد ويلسون الشيخ محمود الحفيد بأنه يعتزم إصدار بيان في هذا الشأن (10)، كما كتب رؤساء عشائر الهماوند الكوردية للإنجليز رسائل يعربون فيها عن استعدادهم لتقديم الأغذية والذخائر (11).

ولكن سرعان ما انسحب الجيش البريطاني من كركوك وعاد إليها الجيش التركي. وقد علم الأتراك بمراسلات الشيخ محمود الحفيد مع الإنجليز، ولذلك أوعز خليل باشا، قائد الفيلق الثالث العثماني في العراق، إلى مصطفى باشا قائد المنطقة بأن يستدعي الشيخ محمود الحفيد بحجة التشاور معه في موضوعات مهمة، وعندما حضر أُلقي القبض عليه وزُجّ به في السجن، وحُكم عليه بالإعدام بعد محاكمة صورية. إلا أن الحظ حالفه عندما تولى إحسان باشا قيادة الفيلق الثالث العثماني في العراق، إذ فكّر في الاستفادة من الشيخ محمود الحفيد في تلك الظروف الصعبة، فطلب أن يحضر إليه في الموصل. فلما وصل لاطفه واتفق معه على الصلح، على أساس أن يقف إلى جوار العثمانيين في مواجهة الإنجليز ليحمي الجانب الأيسر (الشرقي) للقوات العثمانية في السليمانية، وأن يساعد القوات التركية مدعومًا بقوات العشائر الكوردية الموالية له. وقد عاد الشيخ محمود الحفيد في تشرين الثاني/نوفمبر 1918م لتنفيذ هذا الاتفاق (12).

كان الإنجليز على علم بما حدث بين العثمانيين الأتراك والشيخ محمود الحفيد، ولم يكونوا ليطمعوا في العودة إلى كركوك أو التقدم إلى السليمانية ما لم تسمح لهم الظروف المناسبة. وكانوا يدركون أن انسحابهم من كركوك قد أضعف مركزهم بين الكورد؛ فقد انقلبت عليهم عشائر الهماوند الكوردية، كما بدأت مشاعر كثير من الكورد تتحول عنهم، ولذلك قرر الإنجليز العمل على استعادة نفوذهم باحتلال كركوك مهما كلفهم الثمن.

وقد انتهز الإنجليز توقيع هدنة مودروس (Mudros) بين الحلفاء وتركيا في 30/10/1918م ليواصلوا من جديد احتلالهم لكوردستان. ولكن هل كان من حق الإنجليز، بعد هدنة مودروس، أن يواصلوا عملياتهم العسكرية لاحتلال مدينة الموصل وأجزاء أخرى من العراق الحالي (كوردستان)؟

لقد فسّر القادة الإنجليز المادتين السابعة والسادسة عشرة (13) بوصفهما أساسًا قانونيًا لاستمرار العمليات العسكرية الهجومية، وعارض عدد كبير من المؤرخين السوفييت والأتراك والفرنسيين هذا التفسير للمادتين، مؤكدين أن الإنجليز قد خرقوا بشكل فظ شروط هدنة مودروس المعقودة في 30/10/1918م مع تركيا المهزومة في الحرب.

ولكن في حقيقة الأمر فإن المادة السابعة من هدنة مودروس سمحت للحلفاء باحتلال أي مركز استراتيجي في تركيا (إذا شكّلت الأوضاع خطرًا على الحلفاء)، بينما نصت المادة السادسة عشرة على تسليم الحلفاء جميع الحاميات التركية الباقية في البلدان العربية، بما فيها الحاميات في ميزوبوتاميا/بلاد ما بين النهرين (العراق العربي: ولايتي بغداد والبصرة فقط). وبهذا الشكل تضمّن نص هدنة مودروس دوافع واضحة تمامًا للتدخل، ومسّ كوردستان بصورة مباشرة. وبطبيعة الحال كانت الذرائع، من وجهة نظر الإنجليز، كافية للتدخل في كوردستان، ولذلك لم يكن للخلاف حول خرق الإنجليز لهذه الهدنة أهمية بوجه عام؛ فلم تكن هدنة مودروس إجراءً قانونيًا دوليًا بين فريقين متعاقدين، بل كانت من جانب واحد، فرضتها بريطانيا على الدولة العثمانية (تركيا) المهزومة، وكان بوسع بريطانيا خرقها شكليًا، وهذا ما فعلته.

لقد بدأ هجوم الفيلق العسكري البريطاني بقيادة الجنرال (أ. مارشال) على الموصل الواقعة تحت سيطرة الأتراك في 23 تشرين الأول/أكتوبر عام 1918م، فانسحبت القوات العثمانية التركية بصورة عاجلة. وكان الهدف الاستراتيجي للبريطانيين من هذا الهجوم احتلال شمال ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين)، أي إتمام احتلال ولايتي بغداد والبصرة كلتيهما، ثم ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، بما في ذلك كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق). وفي 31 تشرين الأول/أكتوبر عام 1918 كانت القوات البريطانية على مسافة 24 كيلومترًا من مدينة الموصل، ولم يؤثر عقد هدنة مودروس في 30/10/1918 في مخططات القيادة العسكرية البريطانية. وفي اليوم التالي، 31/10/1918م، شنت القوات البريطانية هجومًا على مدينة الموصل بأمر من وزير الحربية البريطاني، الذي تذرّع بالمادتين المذكورتين (السابعة والسادسة عشرة)، مع أن الظروف في حينها لم تكن تبرر استخدامهما.

لقد سقطت مدينة الموصل في غضون أيام، واحتلت القوات البريطانية ولاية الموصل بالكامل في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1918، وهو ما أعطى بريطانيا اليد العليا لفرض سياسة الأمر الواقع على كوردستان الجنوبية (شمال العراق، أي كوردستان العراق) (14). وبدأت بريطانيا تفرض سياسة الأمر الواقع على المناطق التي احتلتها من العراق الحالي.

المصادر

  1. لازاريف، مرجع سابق، ص 26.

  2. Ghassan Atiyyah, Iraq 1908-1921, The Arab Institute for Research and Publishing, Beirut, 1973, p. 124.

  3. جلال الطالباني، مرجع سابق، ص 205.

  4. Ghassan, op. cit., p. 124.

  5. Ghassan, op. cit., p. 124.

  6. حامد محمود عيسى، مرجع سابق، ص 32.

  7. تخرّج في الكلية العسكرية البريطانية عام 1903م، وذهب إلى الهند وانضم إلى مركز الخدمة السياسية، وحين بدأت القوات البريطانية غزو العراق عُيّن مساعدًا لبرسي كوكس رئيس الضباط السياسيين لقوات الحملة الهندية (1884 – 1940م).

  8. رفيق حلمي، مذكرات رفيق حلمي، بغداد، 1975م، ص 54.

  9. عبد الرحيم ذو النون، العراق في الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945م، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة، 1978م، ص 263.

  10. Philip W. Ireland, Iraq: A Study in Political Development, London, 1937, p. 155.

  11. رفيق حلمي، مرجع سابق، ص 59.

  12. O’Ballance, op. cit., p. 19.

  13. Sir Arnold Wilson, Mesopotamia 1914-1917, A Clash of Loyalties, Vol. One, London, 1937, p. 179.

  14. لازاريف، مرجع سابق، ص 36.


أجزاء «الأطماع الاستعمارية بكوردستان» (15 جزءاً):

  1. الجزء الأول: تغلغل الدول الاستعمارية في كوردستان
  2. الجزء الثاني: بريطانيا تغدر الكورد واحتلال كوردستان العراق (هذا الجزء)
  3. الجزء الثاني (القسم الأول)
  4. الجزء الثاني (القسم الثاني)
  5. الصراع الكوردي الآثوري ومقايضة عربستان بالسليمانية
  6. الوضع الإداري والوضع الكوردي بعد قيام الدولة العراقية
  7. الجزء الثالث (القسم الأول)
  8. الجزء الثالث (القسم الثاني)
  9. الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الأول)
  10. الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الثاني)
  11. الجزء الخامس (القسم الأول)
  12. الجزء الخامس (القسم الثاني)
  13. الجزء الخامس: الكورد في صك الانتداب والمعاهدة والبيانات الرسمية
  14. الجزء الخامس: اتفاقية 1926 وبيان 1930 والخلاصة
  15. الجزء الخامس (تتمة)

→ الجزء السابق  |  الجزء التالي ←