الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأطماع الاستعمارية بكوردستان، الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

  • الملابسات الدولية للقضية الكوردية.
  • السياسة السوفيتية من القضية الكوردية قبل الحربين العالميتين وبعدهما.
  • تركيز بريطانيا على كوردستان العراق.
  • المصلحة الروسية في كوردستان.
  • مصالح الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وألمانيا في كوردستان.
  • ألمانيا وإيطاليا وسويسرا: الدول الأوروبية الأخرى التي لها مصالح في كوردستان.

أ- الملابسات الدولية للقضية الكوردية

يقول باسيل نيكيتين، قنصل روسيا في إيران سابقًا ومؤلف كتاب «الأكراد»، مختتمًا الفصل العاشر عن «الحركة الكوردية الوطنية»:

“… وفي نتيجة هذه التجربة الكوردية الرامية إلى تركيز المعضلة السياسية الكوردية، لا يسعنا إخفاء تمنياتنا للأكراد، كما أنه ليس بمستطاعنا، من جهة أخرى، إنكار الفائدة الناتجة عن تتبع التجدد وتكوّن الروح الوطنية الجادة في أثره منذ الحرب الكونية الأولى بين العجم وتركيا وغيرهما من بلدان الشرق الأوسط.

“وهنا تقع المشكلة: فتطور الجانبين كليهما جعل الاتفاق بعيد المنال، والخروج من هذا المأزق لن يصير إلا نتيجة انقلاب سياسي في مفهوم التعاون. فالبادرة الضرورية يجب أن تنبثق، بادئ ذي بدء، من الحكومات المعنية، وعلى الزعماء الأكراد المسؤولين، من جهتهم، أن يبرهنوا عن حسن نية وثقة؛ إذ إنه ما دام العلاج الناجح متأخرًا فسيظل الحقل مبسوطًا أمام الدسائس”.

من الكلمة الأخيرة في هذا المقطع، كلمة «دسائس»، ننطلق لنرى ما وراءها.

ب- السياسة السوفيتية من القضية الكوردية قبل الحربين العالميتين وبعدهما

نرمي في هذا البحث أو المحاضرة إلى عرض السياسة السوفيتية تجاه البلاد العربية قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية وبعدهما، لنخلص من ذلك إلى تبيّن موقف السوفيت من القضية الكوردية ودورهم في تحريك بعض القبائل الكوردية.

بدأ العرب في القرن العشرين يتحسسون السياسة الروسية منذ تشرين الأول/أكتوبر عام 1917، عندما حرص السوفييت على استرضاء الأقليات المسلمة التي كانت تتبرّم بالنير القيصري، فأنشؤوا من تشرين الأول/أكتوبر 1917 إلى عام 1920 جمهوريات مستقلة في القفقاس المسلم، وتظاهروا باحترام الشعائر الإسلامية، ولم يتعرضوا للمشايخ الدينيين بأذى، بينما كان اضطهاد رجال الكنيسة الأرثوذكسية للمسلمين قائمًا على قدم وساق.

ثم مرت السياسة السوفيتية بمرحلة ثانية من عام 1921 إلى عام 1928، عندما قرر السوفيت إخضاع الجمهوريات المسلمة للنظام الشيوعي، وبدؤوا بتنفيذ المنهاج الآتي:

  1. توزيع الأراضي الموات على صغار الفلاحين المسلمين.

  2. حل الهيئات الدينية.

  3. القضاء على الحركة الطورانية التركية.

  4. منع مسلمي الاتحاد السوفيتي من أداء فريضة الحج لاعتبارات وطنية.

إلا أن موسكو لم تُسفر عن نياتها كاملة قبل عام 1929م؛ ففي هذا العام خطت خطوة حاسمة نحو بلشفة المسلمين، غير ملتفتة إلى احتجاجات رجال الدين المسلمين الذين وضعتهم في معسكرات الاعتقال، وحوّلت جامعة سمرقند إلى نادٍ يغشاه الملحدون.

وكان لهذا التصرف صداه عند زعماء الأقوام الإسلامية الذين عهدوا إلى المفتي الأكبر رازوليف بأن يتفاهم مع البلاشفة الروس، فتمكن من إقناع موسكو بأن بلشفة المؤمنين المسلمين لا يمكن أن تتم دفعة واحدة، وأخذ على عاتقه تحقيق هذا الهدف تدريجيًا.

وسارت الأمور على ما يشتهي الفريقان، إلى أن شعر السوفيت بأن هبوب العاصفة وشيك، فعدّلوا سياستهم حيال مسلمي الاتحاد السوفيتي (حوالي عام 1938) بأن أطلقوا المعتقلين المسلمين ورفعوا الرقابة عن الأوقاف الإسلامية. وبعدما أعملوا السيف في أنصار الوحدة الطورانية، وعدوا الجمهوريات المسلمة بتوسيع صلاحياتها بعد انتهاء النزاع، بحيث يكون لها ممثلوها الدبلوماسيون في الخارج. وقد أرادت موسكو بهذا أن تبعث إلى الدول الإسلامية بممثلين يعملون على توجيه السواد الأعظم بما يتفق ومصلحة الاتحاد السوفيتي.

تلك كانت، بإيجاز، سياسة الاتحاد السوفيتي حيال المسلمين من رعاياه. أما سياسته حيال الإسلام عمومًا فقد أملتها مصالحه الدولية، واستوحى الكرملين خططها من إضبارات العهد القيصري. وأدرك السوفييت أن إلحادهم قد يفسد خططهم في ديار الإسلام، وفي الأوساط المسيحية التي كان القياصرة الروس يتدخلون في شؤون الإمبراطورية العثمانية بحجة حمايتها، فأعلنوا أن البلشفية ليست مادة للتصدير، وأن الاتحاد السوفيتي يتتبع بعطف الحركات التحررية في البلدان الخاضعة للسيطرة.

ورسم تشيشرين لمواطنيه خطة العمل، فقال إن الشعوب الشرقية المستعبَدة ستجد في روسيا الحمراء حليفًا طبيعيًا لها إذا عرف السوفيت كيف يستميلون هذه الشعوب ويثيرونها ضد الاستعمار والأجانب. وعملت روسيا بادئ بدء بهذه النصيحة، وحمل الرأي العام الإسلامي للروس الحمر بوادر طيبة، منها إعادة بعض المناطق القفقاسية إلى تركيا، والتنازل عن الامتيازات الروسية في إيران، وتشجيع الحركات الاستقلالية في أفريقيا الشمالية الفرنسية ومصر والهند والأفغان.

وعُقدت في باكو وموسكو بين عامي 1920 و1924 أربعة مؤتمرات إسلامية اتُّخذت فيها قرارات ضد الفرنسيين والإنكليز.

ويقول ألفونس غوبي في كتابه «الاستعمار في ديار الإسلام»: “وفي هذه الأثناء (أي بين عامي 1920 و1924) كانت «الدولة الثالثة» (الكومنترن) وممثلو روسيا الدبلوماسيون يمهدون السبيل في الخارج أمام الاستعمار السوفيتي، أو المطامع القيصرية بشكلها الجديد. وقد تمكن رسل الدولة الثالثة من تأليف أحزاب شيوعية في أربعة أقطار من العالم، تتولى قيادة الحركات العمالية، وتقف بالمرصاد للمطامع الإنكليزية وغيرها، وتخدم قدر طاقتها المشاريع السوفيتية. إلا أن اللعبة البلشفية ما عتّمت أن اتضحت لكل ذي عينين، وأدركت الأقوام الإسلامية التي خدعتها الظواهر وغرّر بها رسل موسكو أن العطف الذي أبداه الروس على أمانيها القومية كان ذرًّا للرماد في العيون، وأن السوفيت يطمحون بعد تحررها إلى الحلول محل المستعمر السابق (وهو ما وقع لمقاطعة تركستان الصينية التي شجعها السوفيت على تحطيم النير الصيني)”.

كان ذلك قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها. وفي الحرب العالمية الثانية لم يكتفِ الروس بخوض الحرب ضد ألمانيا، وإنما استخدموا الأحزاب الشيوعية في البلدان «التي حرروها» في تحقيق أهدافهم التوسعية، وكادت لعبتهم في شمال إيران أن تطيح باستقلال هذه الدولة.

وإذا كان السوفيت قبل الحرب العالمية الأولى قد أوغروا صدور المسلمين ضد «الرأسمالية مستعبدة الشعوب»، فإنهم اليوم يضربون على وتر القومية. ولكن الصراع الجديد الذي نشب إثر الخطاب الذي ألقاه الرئيس جمال عبد الناصر، وفضح فيه محاولة الحزب الشيوعي السوري عرقلة الوحدة بين سوريا ومصر، جعل العرب يرون وجه السوفيت سافرًا من هذه الناحية، وجعلهم يتأكدون أن الشيوعية لا تؤمن بالقومية، ومنها القومية العربية، كما أنها لا تؤمن بالأديان، ومنها الإسلام. والواقع أن الشيوعية تستعمل الدين والقومية لمصلحتها، فإذا بدا أن الظهور بمظهر الملحد يعرقل خطتها التوسعية سترت وجهها حينًا لتضلل الآخرين. وقد رأى الكرملين أن شعوب آسيا، والشعوب العربية بوجه خاص، تتفتق عن نهضة قومية وتحس بأمانٍ قومية، فأخذ يشيع أنه نصير القوميات، إلى درجة أفلح معها، إلى حين، في إيهام العرب والأكراد بصحة ما يدّعي.

في محاضرة ألقاها ستالين عام 1924 في جامعة سفردلوف قال: “يجب أن تُدرس الحركات القومية من الزاوية التي تكمن فيها مصالح الاتجاه نحو الثورة، لا من زاوية الحقوق المجردة”. وهذا بالفعل ما فعلته الشيوعية وموسكو؛ فقد لمست موسكو رغبة العرب والأكراد في التحرر من السيطرة الأجنبية، وبعدما نقرت لهم على وتر الدين، رأت أن النقر على وتر القومية العربية بات أجدى، فشرعت تحالف «البورجوازية الوطنية» والهيئات الناقمة والمعارضة، وتوغر صدور الفئات الأقلية مستترة برداء القومية تمهيدًا للدخول بين الصفوف. وهذا ما فعله الشيوعيون في سوريا؛ فعندما نادى السوريون بالوحدة مع مصر كان الشيوعيون في طليعة المنادين بها أول الأمر، ظنًّا منهم أن الوحدة لن تتم، وأنهم سيكسبون بمناداتهم عطف الجميع ولا يخسرون شيئًا، وعندما رأوا أن الوحدة على وشك التمام تحولوا إلى المطالبة باتحاد، ثم إلى عرقلة الوحدة بجميع قواهم. وأخيرًا، وبعد خطاب الرئيس جمال عبد الناصر في ذكرى الوحدة، انكشفت نياتهم ونقلوا نشاطهم إلى العراق.

وفي العراق كان الشيوعيون يعملون على تحريك عدد من القوميات، في طليعتها القومية الكوردية، ثم القومية اليزيدية الكوردية، والآشورية (الآثورية) المسيحية، والصابئية!

ج- تركيز بريطاني على كوردستان الجنوبية (العراق)

تعود محاولات بريطانيا لإيجاد نفوذ لها في الدولة العثمانية إلى النصف الثاني من القرن السادس عشر؛ إذ أُرسل أنتوني جنكنسون، أول رجل في تاريخ بريطانيا، عام 1553م للحصول على الامتيازات من الدولة العثمانية. وفي عام 1575 زار إدوارد أسبورن وريجارد ستاير إسطنبول للتهيئة للزيارة التي سيقوم بها ممثل الحكومة البريطانية وليم هاربورن إلى الدولة العثمانية، فوصل إسطنبول عام 1578م، وكان يهدف من زيارته إلى الحصول على أمر السلطان العثماني مراد الثالث (1574 – 1595م) بفتح بلاده أمام التجار البريطانيين، ونجح في مسعاه، إذ منحته الدولة العثمانية الامتيازات عام 1580م (1). وفي أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر جرت مفاوضات بين الجانبين لفتح طريق بري يمتد من أوروبا إلى الشرق الأدنى ويصل إلى الهند، ووُضعت أسس الامتيازات البريطانية في معاهدة عام 1675م بين الدولتين العثمانية والبريطانية (2). وفي عام 1782م عرض البريطاني جون سوليفان تصميم طريق بري يصل الغرب بالشرق مارًّا بآسيا الصغرى وبلاد ما بين النهرين (3)، ثم جاءت اتفاقية بلطة ليمان التجارية عام 1838م بين الدولتين، فأعطت الرعايا البريطانيين امتيازات تجارية واسعة، بسبب حاجة الدولة العثمانية حينذاك إلى المساعدات العسكرية والدعم السياسي من بريطانيا (4).

وتمهيدًا لتوسيع نفوذها في كوردستان، هيّأت بريطانيا الأوضاع، وجمعت المعلومات الكثيرة من خلال زيارات كثير من الوكلاء أو المبشرين أو الدبلوماسيين أو علماء الآثار والسياح وسواهم لكوردستان، فأعدّوا دراسات مفصلة عن كوردستان والكورد (5) للدوائر الحاكمة في بريطانيا أو لإدارة شركة الهند الشرقية البريطانية. فمنذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر أخذ رجال الشركة يزورون كوردستان، ومن ذلك مثلًا الرحلة التي قام بها أحد أطبائها إلى ماردين عن طريق كركوك، وبعد مدة قام عدد من موظفي شركة الهند الشرقية البريطانية بجولات في مناطق كوردستان، إذ بدأت بريطانيا تركز اهتمامها على كوردستان مع بداية القرن التاسع عشر (6).

بدأ موظفو شركة الهند الشرقية البريطانية جولاتهم في كوردستان، مثل د. كامبيل وت. هاول (7). وبعد فتح مقر إقامة للشركة في بغداد عام 1806م اختير هارفورد جونز (8) مقيمًا لها، وأعقبه مقيمًا للشركة في بغداد كلوديوس جيمس ريج، الملقب بمستر ريج، الذي كان تعيينه في بغداد عام 1808م يهدف إلى توسيع النفوذ البريطاني، إضافة إلى مقاومة النشاط الفرنسي (9). وقام مستر ريج، بدعم من مساعده هاين، بمساعدة الضباط البريطانيين المتوجهين إلى كوردستان، ومنهم الكابتن ماكدونالد كينير، الوكيل السياسي لشركة الهند الشرقية البريطانية، الذي قام برحلات عديدة إلى كوردستان بين عامي 1813 و1814م (10).

كانت بريطانيا تُظهر أن سبب نشاطها في تلك المناطق يعود إلى اهتمامها بالهند والطرق المؤدية إليها (11)، بينما كانت تهدف إلى إيجاد مناطق نفوذ ومستعمرات جديدة وأسواق لبضائعها؛ فمثلًا قدّم ماكدونالد كينير بعد عودته إلى الهند صورة مفصلة عن كوردستان لإدارة شركة الهند الشرقية البريطانية.

وواصل البريطانيون تلك الجهود؛ فقام المقدم هيد عام 1817م برحلة من بغداد إلى السليمانية ومن أربيل إلى الموصل، وقام بوتر برحلة أخرى من بغداد إلى كركوك والسليمانية ثم إيران خلال عامي 1818 – 1819م، وقام ريج برحلته إلى كوردستان عام 1820م. واستمرت زيارات البريطانيين إلى كوردستان، فزارها ميغنان، المقدم في الجيش الهندي، ومنها توجه إلى روسيا ثم بريطانيا عام 1828م، وعاد من الطريق نفسه عام 1830م. وهناك معلومات عن جهود اثنين من الضباط البريطانيين أرسلتهما شركة الهند الشرقية البريطانية إلى السليمانية لتدريب الفرسان الكورد عام 1829م، كما زار المبشر غروفس السليمانية عام 1828م قادمًا من تبريز لجمع المعلومات عن كوردستان (12).

وشهدت الثلاثينيات من القرن التاسع عشر احتدام الصراع بين بريطانيا وروسيا لتوسيع نفوذهما في إيران والدولة العثمانية، لذلك ازداد نشاط بريطانيا في كوردستان، فشهدت المدة بين عامي 1837 و1840م زيارات عديدة للبريطانيين إلى كوردستان، منها زيارة العقيد شيل أحد رؤساء البعثة العسكرية البريطانية في طهران، والفيكونت بولينجتون، ورسام الذي حلّ محل مستر ريج بعد وفاته، وأبوت وسائر نائبي القنصل البريطاني في طرابزون، وراولنسون وغيرهم. كما قام جيمس برانت، القنصل البريطاني في أرضروم، برحلة طويلة في كوردستان عام 1833م، ثم قام عام 1838م برحلة أخرى إلى مدن موش وخربوط وبدليس وبايزيد وغيرها، ورافقه الضابط البريطاني كلاسكوت الذي كلّفه برسم الخرائط (13). ولا بد من الإشارة إلى جهود الدبلوماسيين البريطانيين في كوردستان، وخاصة جهود ريجارد وود قنصل بريطانيا في حلب. كما أصبح منصب السفير البريطاني في إسطنبول من المناصب المهمة في الدولة العثمانية، وخاصة بعد أن أصبحت بريطانيا الحليف الرئيسي للدولة العثمانية بحلول القرن التاسع عشر، وخير مثال على ذلك السفير ستراتفورد كاننغ، الذي عمل في منصبه بين عامي 1825 و1827م، ثم عاد إليه ثانية عام 1841م، وأصبح اسمه مهيبًا ومعروفًا في الدولة العثمانية (14).

بدأت بريطانيا بدراسة تنفيذ «مشروع جيسني» حول إمكانية إقامة صلات تجارية مع الهند عبر آسيا الصغرى، وخاصة عبر الطرق النهرية (15)؛ لذلك قام جيسني (16) بعدة زيارات للمنطقة، ومنها كوردستان. وكان المشروع جزءًا من خطة بريطانية لتوسيع تجارتها مع الشرق الأوسط طلبًا للمواد الخام لصناعتها والأسواق لتصريف بضائعها (17)؛ فبعد تأسيس القنصلية البريطانية في طرابزون عام 1830م نجحت بريطانيا في زيادة معدلات التجارة مع الشرق دون بقية الدول الأوروبية.

وقام جيسني عام 1835م، مع مجموعة من المهندسين والفنيين، بدراسة شاملة عن الملاحة في نهري دجلة والفرات، ودرسوا الوضع الاقتصادي والسياسي في كوردستان أيضًا. وحدد في كتابه «حملة مسح ودراسة نهري دجلة والفرات» أهداف السياسة البريطانية في كوردستان، ومنها تأكيده الأهمية الاقتصادية لكوردستان، وخاصة طرق التجارة التي تمر عبرها، واتخاذ ولاية الموصل نقطة انطلاق لتوسيع النفوذ الاقتصادي البريطاني في كوردستان (18). ويؤكد البريطاني راولنسون تلك الأهمية لكوردستان، إذ يذكر “أن نهر دجلة الذي يمر من ديار بكر الكوردية طريق جيد للسفن، وقد بُني عليه حصن على جبل بركاني، ومن الممكن أن يُستخدم قاعدة عسكرية مهمة، ولكن الجزيرة الكوردية تبقى المكان الأكثر ملاءمة، لأن نهر دجلة هناك أوسع، والمسافة من أرضروم أقل” (19). إلا أن جيسني تأخر، بسبب الظروف الاقتصادية التي عاشتها بريطانيا، في كتابة تقاريره عن المشروع حتى أواخر الأربعينيات، حين صُرف النظر عن المشروع. غير أن المعلومات التي جُمعت، ومنها ما جُمع عن كوردستان، استفاد منها البريطانيون فيما بعد لتوسيع نفوذهم وتنفيذ مخططاتهم في المنطقة، وعند انتصاف القرن التاسع عشر كانت لدى بريطانيا معلومات مفصلة عن كل كوردستان الجنوبية (العراق) (20).

ولا بد من الإشارة إلى النشاطات الكبيرة للسياسي وعالم الآثار البريطاني هنري لايارد، الذي قام بالتنقيب عن الآثار في الدولة العثمانية بين عامي 1845 و1851م. كما استغل البريطانيون عمل لجنة الحدود الرباعية التي تشكلت بعد معاهدة أرضروم الثانية عام 1847م لتوسيع نطاق تجارتهم في كوردستان، من خلال قيام ممثلهم في اللجنة وليامز بجمع المعلومات عن الرموز الكوردية المؤثرة بناءً على توجيهات السفير ستراتفورد كاننغ (21). وأرسل البريطانيون المبشرين إلى كوردستان، وخاصة إلى المناطق التي يسكنها المسيحيون، واستغلوا التبشير المسيحي لتوسيع نفوذهم في الدولة العثمانية بشكل عام وفي كوردستان بشكل خاص، وكانت بريطانيا تخفي وراء تلك البعثات التبشيرية أهدافًا اقتصادية واستعمارية أخرى (22)، كما استهدفت تلك البعثات بثّ الفرقة وإثارة المشاكل بين المسيحيين والسكان المسلمين، وخاصة بين الكورد والآثوريين، لتحقيق مآربهم الأخرى (23). ولأن “المبشر المسيحي يسبق الجيش إلى كل مكان” (24)، فقد عمدت بريطانيا، إضافة إلى السياح والعلماء والدبلوماسيين والعسكريين وغيرهم، إلى إرسال جماعات باسم التبشير المسيحي لجرّ المسيحيين إلى أحضان الكنيسة الإنكليزية، ونجحوا خلال السنوات الأولى من القرن التاسع عشر في كسب الكثير منهم (25). وكانت الخطوة الأولى في هذا الاتجاه تشكيل منظمة في لندن عام 1779م باسم «الجمعية الكنسية التبشيرية» (26)، كما أسس مستر كاري عام 1795م «جمعية لندن التبشيرية» (27).

وأعدّت كلٌّ من «الجمعية الجغرافية الملكية» و«جمعية ترقية المعرفة المسيحية» خطة للعمل في مشروع «حملة استكشاف كوردستان» خلال عامي 1837 و1838م، وكانت مهمة تلك الحملة استكشاف الأناضول الوسطى والشرقية والمناطق الجنوبية من كوردستان العراق، وتضمنت التعليمات جمع المعلومات عن الحالة السياسية والخلافية للعشائر الكوردية، وكذلك عن لغتهم الكوردية وأساطيرهم والمميزات الأخرى للأكراد (28).

وبدأت تلك البعثات التبشيرية بفتح المدارس في المناطق التي يسكنها الآثوريون، وعيّنوا لهم المدرسين (29)، كما أرسل هاولي، رئيس أساقفة كانتربري، بعثة إلى كوردستان عام 1840م برئاسة ج. ب. بادجر، الذي أقام بين الآثوريين عامًا كاملًا وكتب عنهم الكثير، ولكن بعثته اضطرت إلى إيقاف عملها لمقاطعة الآثوريين لها (30). كما قامت بعثة أخرى برئاسة وليم أينسورث (1839 – 1840م) بدراسة كوردستان وكيفية نشر المسيحية فيها، وكان قد قام بزيارة أخرى إلى عشائر الملّي الكوردية عام 1834م (31). ولم تكن مهمة تلك البعثات التبشير فقط، بل عملت على إبعاد المنافسين من المبشرين الآخرين، وخاصة الأمريكان، من خلال مهاجمة تفسيراتهم للمبادئ المسيحية (32)، وبحسب ما يشير إليه أحد الكتّاب والمؤرخين الغربيين، فإن التنافس بين البعثات أحدث شرخًا كبيرًا في العمل التبشيري في كوردستان (33). ويذكر بادجر عن لقائه مع مار شمعون: “إنني لم أُخفِ عنه أنه من غير المقبول ولا المرضي لنا أبدًا وجود المدارس الأمريكية بين شعبه إلى جانب مدارسنا، وأرشدته إلى البرنامج الذي عليه اتباعه في الظرف الراهن” (34). وتطورت تلك العلاقة بين الجانبين، حتى إن بطريرك النساطرة طلب عام 1843م من رئيس أساقفة كانتربري هاولي تقديم المساعدة للشعب النسطوري المسيحي (35).

ومهما يكن الأمر، فإن السائح البريطاني مستر لينج يصف عمل البعثات التبشيرية في منطقة وان بالقول: “إنه بقدر ما أذكر، فإن تحويل الناس إلى مسيحيين لم يشكل هدفًا خاصًا أو أساسيًا” (36). لقد كان هذا النشاط البريطاني، الذي يرمي إلى توسيع نفوذ بريطانيا في الدولة العثمانية، جزءًا من استراتيجيتها القائمة على الحفاظ على الدولة العثمانية وعدم تجزئتها، والوقوف بوجه الأطماع الروسية التي تهدف إلى تحويل البحر الأسود إلى بحيرة روسية، والسيطرة على المضائق التركية، ولعب دور مميز في منطقة البلقان (37). ولم تقُد مصالح الدول الأوروبية في الدولة العثمانية إلى الصراع بينها فحسب، بل كانت تترك آثارها على السياسة الداخلية للدولة العثمانية أيضًا. وضمن الصراع بين روسيا وبريطانيا تحولت كوردستان إلى مجال ملائم لهما للتغلغل فيها، ولم تكتفِ بريطانيا بدعم الدولة العثمانية ضد روسيا ومحمد علي باشا والي مصر، بل تعدّت ذلك إلى دعم الدولة العثمانية في قمع الثورات والانتفاضات الكوردية، لأن هذه الثورات، من وجهة نظرهم، ستشكل خطوة مهمة نحو انهيار الدولة العثمانية وتفككها، وسيكون المستفيد الأول من تلك الأوضاع روسيا؛ لذلك، وللحد من الأطماع الروسية في الدولة العثمانية، قدمت بريطانيا الدعم للقوات العثمانية ضد الثورات الكوردية، وحصلت بذلك على المزيد من الامتيازات (38). كما أصبح من المعتاد الاستعانة بضباط بريطانيين في تدريب الجيش العثماني إلى جانب ضباط من الدول الأوروبية الأخرى، وخاصة في المدة التي أقدمت فيها الدولة العثمانية على إصلاح الجيش، وتحديدًا في عهد السلطان محمود الثاني (1808 – 1839م).


أجزاء «الأطماع الاستعمارية بكوردستان» (15 جزءاً):

  1. الجزء الأول: تغلغل الدول الاستعمارية في كوردستان
  2. الجزء الثاني: بريطانيا تغدر الكورد واحتلال كوردستان العراق
  3. الجزء الثاني (القسم الأول)
  4. الجزء الثاني (القسم الثاني)
  5. الصراع الكوردي الآثوري ومقايضة عربستان بالسليمانية
  6. الوضع الإداري والوضع الكوردي بعد قيام الدولة العراقية
  7. الجزء الثالث (القسم الأول)
  8. الجزء الثالث (القسم الثاني)
  9. الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الأول) (هذا الجزء)
  10. الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الثاني)
  11. الجزء الخامس (القسم الأول)
  12. الجزء الخامس (القسم الثاني)
  13. الجزء الخامس: الكورد في صك الانتداب والمعاهدة والبيانات الرسمية
  14. الجزء الخامس: اتفاقية 1926 وبيان 1930 والخلاصة
  15. الجزء الخامس (تتمة)

→ الجزء السابق  |  الجزء التالي ←