الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأطماع الاستعمارية بكوردستان العراق: الصراع الكوردي الآثوري ومقايضة عربستان بالسليمانية

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

  • استفزازات آشورية/آثورية للكورد (الصراع الكوردي الآثوري).
  • فتنة المسلمين والمسيحيين ودور الدولة العثمانية في الصراع.
  • مقايضة منطقة عربستان بالسليمانية الكوردية.

أ- استفزازات آشورية/آثورية للكورد (الصراع الكوردي الآثوري أو الآشوري)

ترجع بدايات الصراع الكوردي - الآشوري (الآثوري) إلى بداية الأربعينيات من القرن التاسع عشر، حين أرسلت الدولة العثمانية الجنرال محمد باشا بيرقدار للقضاء على الإمارات الكوردية، وبالتحديد حين جهّز والي كوردستان العثماني جيشًا للقضاء على إمارة بهدينان الكوردية في العمادية (كوردستان العراق الحالية) برئاسة الأمير إسماعيل أمير العمادية. وبسبب النفوذ الواسع لعشيرة بهدينان داخل كوردستان، هبّت الإمارات الكوردية ورؤساء العشائر لنجدة الأمير إسماعيل، فطلب الأمير بدرخان باشا والأمير نور الله بيك أمير حكاري من مار شمعون، باعتباره تابعًا لنفوذ أمير حكاري، تجهيز جيش من القوات الآشورية (الآثورية) لنجدة إمارة بهدينان ضد الدولة العثمانية. إلا أن مار شمعون كان واقعًا تحت تأثير مساعد القنصل البريطاني في الموصل المدعو نمرود رسام، وبما أن الحكومة البريطانية كانت تساند الدولة العثمانية في القضاء على الإمارات الكوردية المستقلة، فقد رفض مار شمعون أوامر أمير حكاري الأمير نور الله بيك بإرسال قوات لمساندة القوات الكوردية، وهذا ما أثار حفيظة الكورد على الآثوريين (الآشوريين) (1).

سكن الآشوريون/الآثوريون (النساطرة) والكلدان مع الكورد في ولايتي حكاري وبوتان الكورديتين وفي ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية منذ مئات السنين، وامتازت العلاقات بين هذه الشعوب بالاحترام المتبادل والسلام. فالشعب الآثوري/الآشوري شعب عريق وحي وشجاع، وله طبيعة الشعوب القبلية الجبلية المولعة بالحروب؛ لذلك يرى بعض الباحثين أن الكلدان هم من القبائل الكوردية التي تنصّرت بفعل الإرساليات التبشيرية التي أرسلتها فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية إلى منطقة كوردستان منذ بداية القرن الثامن عشر. ومهما يكن ما يقال في أصل هذه الشعوب التي سكنت تلك المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان) لمئات السنين، فإن أوجه التشابه بينها عديدة.

أعطى الحكم العثماني الآشوريين (الآثوريين) والكلدان نوعًا من الإدارة الذاتية؛ إذ حكم الآثوريون منطقة حكاري ومناطق تياري وتخوما وأشيتا، وهم طبقة ثيوقراطية نصرانية مكوّنة من (أبونا وكاشتياس)، وكان على رأس هذه الطبقة الثيوقراطية مار شمعون الساكن في منطقة جولة مرك. علمًا أن السلطة الدنيوية في هذه المنطقة كان من المفترض أن تكون لرؤساء العشائر الآثورية الذين يسمَّون «الملوك»، إذ كان هؤلاء الملوك (رؤساء العشائر الآثورية) بمثابة الهيئة الإدارية الحكومية في المنطقة، المكلفة بجمع الضرائب وتنفيذ أوامر الدولة العثمانية أو الأمير الكوردي الحاكم في المنطقة الكوردية، والآثوريون تابعون لهم (2).

شهدت بداية القرن التاسع عشر توسعًا كبيرًا في نفوذ الحكومة البريطانية داخل شؤون الدولة العثمانية، وجاء هذا التوسع جزءًا من الصراع البريطاني - الروسي لحفظ توازن القوة في أوروبا، إثر سلسلة من الحروب الروسية - العثمانية، وتوغّل القوات الروسية في المناطق المحاذية لكوردستان تركيا، وفي عمق كوردستان إيران، وفي منطقة أذربيجان الغربية. وشعر الإنجليز أن الروس باتوا يهددون المصالح البريطانية في مضيقي الدردنيل والبوسفور، والمصالح الاستعمارية لبريطانيا في العراق والهند؛ لذلك أصبح دعم الدولة العثمانية والحفاظ على وحدة أراضيها من الأمور المهمة، وأحد أهم أركان السياسة البريطانية في الشرق. ونظرًا لأهمية منطقة كوردستان الاستراتيجية في الصراع الروسي البريطاني، فقد حاولت كلتا الدولتين إيجاد موطئ قدم لها في المنطقة الكوردية (3)؛ فحاول الروس التغلغل في كوردستان من خلال إيجاد صلات وثيقة مع الأرمن، وتبنّى الإنكليز بدورهم الكورد اليزيديين والآثوريين (الآشوريين) (4).

ومما زاد في حدة الصراع بين الآثوريين والكورد وصول المنصّرين (المبشرين المسيحيين) الإنكليز والأمريكان إلى منطقة حكاري؛ ففي عام 1838م وصل المنصّر الإنكليزي المدعو مستر بيكن مع المنصّرين الأمريكان، ودعا الآثوريين علنًا إلى التمرد على من سمّوهم «الكرد المتعصبين». كما أدى مساعد القنصل البريطاني نمرود رسام دورًا تحريضيًا كبيرًا بدعواته المتكررة الدولة البريطانية إلى التدخل وإعلان الحماية البريطانية على حكاري لحماية الآثوريين المسيحيين هناك. كما أن ازدياد عدد المراكز التنصيرية (التبشيرية المسيحية) أعطى الآشوريين، وخاصة مار شمعون، نوعًا من الثقة لأن يطلب الحماية البريطانية علنًا في عام 1841م.

وشهدت المدة بين 1841 و1843م عدة هجمات متبادلة بين الكرد وأنصار مار شمعون، وأثارت هذه التصرفات المحرّضة والاستفزازية الأمير بدرخان باشا، أمير إمارة بوتان الكوردية، ولكنه حاول، قبل اتخاذ أية إجراءات رادعة، استشارة والي أرضروم العثماني الذي كان يشرف إداريًا على حكاري وبوتان الكورديتين. فأبلغ الوالي العثماني مار شمعون بعدم التدخل في الشؤون السياسية الدنيوية التي لا تدخل ضمن صلاحياته، وترك الأمور الدنيوية لطبقة الملوك (رؤساء العشائر الآثورية). إلا أن مار شمعون رفض أوامر والي أرضروم العثماني، واستمر في اتصالاته مع مساعد القنصل العام الإنكليزي في الموصل نمرود رسام، كما استمر الآثوريون في التمرد على سلطات أمير حكاري. وفي عام 1843، حين كان المنصّر المسيحي بادجر في منطقة تياري، وصل رسول من أمير حكاري يطلب من مار شمعون زيارته لبحث المسائل الخلافية، فقال ابن أخ مار شمعون بالحرف الواحد، وفي حضور مار شمعون، لرسول أمير حكاري: “نحن لسنا خاضعين لكم، وإن ديارنا الآن هي ملك هذا الرجل”، مشيرًا إلى المنصّر بادجر، وهو من المبشرين المسيحيين هناك (5).

وبعد أن تبيّن هذا التمرد الصريح من جانب مار شمعون وأنصاره على سلطة أمير حكاري، طلب أمير حكاري من الأمير بدرخان باشا أمير بوتان مساعدته في القضاء على التمرد الآثوري. فأرسل الأمير بدرخان باشا أحد رجاله، المدعو زينل بيك، مع قوة عسكرية كوردية إلى أشيتا، فحاصرت قوات مار شمعون القوة الكوردية في القلعة الموجودة في البلدة، ودام الحصار عدة أيام، وكاد المحاصَرون الكورد داخل القلعة يموتون من الجوع (6). لذلك شكّل الأمير بدرخان باشا جيشًا كورديًا مؤلفًا من 26.000 رجل، شاركت فيه أيضًا قوات من كل الإمارات الكوردية، لتأديب مار شمعون المتمرد. ولكن الجيش الكوردي كان تحت أوامر صارمة بألّا يمسّ أي آثوري لا يقاوم؛ لذلك لم يتعرض الآثوريون الساكنون في منطقة تخوما لأي أذى، لأن رؤساءهم الروحانيين والدنيويين رفضوا الانضمام إلى تمرد مار شمعون، وقد كافأهم الأمير بدرخان باشا (7).

كانت الحكومة البريطانية على علم تام بالتمرد الآثوري (الآشوري) والتخطيط له، وكذلك بالإجراءات التي اتخذها الأمير بدرخان باشا لتأديب الآثوريين؛ لذلك حاولت الحكومة البريطانية الضغط على والي ولاية الموصل المدعو محمد باشا كريتلي للدفاع عن الآثوريين، ولكن دون جدوى. كما ضغطت الحكومة البريطانية، من خلال العقيد شيل ضابط الوحدة التجسسية البريطانية في الشرق، على السلطات الإيرانية للحيلولة دون مساعدة الكورد في إيران للأمير بدرخان باشا في الهجوم على مواقع المتمردين الآثوريين. ولكن، لأسباب غير واضحة، لم يتدخل والي الموصل محمد باشا كريتلي لصالح الآثوريين، فاستطاعت القوات الكوردية دخول معقل مار شمعون الذي هرب إلى الموصل واحتمى بالقنصلية البريطانية هناك (8).

تتحدث المصادر الغربية عن وقوع مجازر رهيبة في الأرواح والممتلكات بين الآثوريين (الآشوريين)، ويقدّر الباحث البريطاني هنري لايارد عدد القتلى بعشرة آلاف قتيل، فضلًا عن مئات الجرحى (9). كما تحدثت الرسائل القادمة من المنصّرين المسيحيين الإنكليز والأمريكان عن حدوث حالات النهب والخراب في الكنائس والمزارع، وسبي النساء وقتل الأطفال والقساوسة على يد من أسمتهم «الكورد المتعصبين»، في الوقت الذي حدد فيه الأمير بدرخان باشا ضحايا الطرف الآثوري بألفي قتيل، فضلًا عن وقوع عدد مماثل من القتلى والجرحى في جانب القوات الكوردية، أما مار شمعون فقد اعترف بوقوع خمسة آلاف قتيل وجريح في صفوف أنصاره (10).

وإذا كان لا يمكن أن نستبعد في الحروب القبلية، كالتي دارت بين الكورد والآثوريين (الآشوريين)، وقوع الكثير من الضحايا من الطرفين، وخاصة في الطرف الآثوري المنهزم، فإن رقم عشرة آلاف قتيل رقم مبالغ فيه كثيرًا لأسباب سياسية؛ علمًا أن عدد الآثوريين في المنطقة في تلك المدة لم يتجاوز 60.000 نسمة، ودارت المعارك بأسلحة بدائية في منطقة جبلية وعرة جدًا ولمدة لا تتجاوز شهرًا. كما أن الآثوريين، كما أشرنا، كانوا منشقين على أنفسهم، ولم تحدث الحرب إلا في منطقة تياري الصغيرة. لذلك نميل إلى رأي الأمير بدرخان باشا في أن عدد القتلى والجرحى ينحصر بين 2.000 و3.000، وما مبالغة الإنكليز والمنصّرين المسيحيين في ذكر عدد الضحايا من الآثوريين إلا لإثارة الرأي العام الأوروبي على الأمير بدرخان باشا، وهذا ما حدث فعلًا؛ فقد تدخّل ممثلو القوى الأوروبية في إسطنبول لدى السلطان العثماني، وطلبوا منه التدخل لوقف مذابح الكورد ضد الآثوريين (الآشوريين) (11).

أرسلت الدولة العثمانية فورًا وفدًا حكوميًا بقيادة كامل باشا إلى الأمير بدرخان باشا، تطالبه بوقف المعارك وتسليم الأسرى الآثوريين. وفي لقاء بين بدرخان باشا والقائد العثماني كامل باشا، دافع الأمير بدرخان باشا عن موقفه، مؤكدًا أن الآثوريين (الآشوريين) هم الطرف المعتدي بإيعاز من المنصّرين المسيحيين ونمرود رسام نائب القنصل البريطاني في الموصل، وأن حملته عليهم كانت حملة تأديبية على اعتداءاتهم المتكررة على القرى الكوردية المتاخمة للمناطق الآثورية. كما أحسن بدرخان باشا معاملة الأسرى الآثوريين، وسلّمهم إلى القائد العثماني كامل باشا، ما عدا بعضًا منهم ممن دخلوا الإسلام، وأقرّ نمرود رسام مساعد القنصل البريطاني في الموصل بحسن معاملة بدرخان باشا للأسرى (12).

ورغم أن الأمير بدرخان باشا قد طوى من جانبه صفحة الحرب مع الآثوريين في حكاري، فإن الإنكليز استمروا، من خلال جهود نمرود رسام مساعد القنصل البريطاني في الموصل والمنصّرين المسيحيين، في نشاطاتهم لإثارة الفتنة بين الآثوريين (الآشوريين) والكورد. ولذلك حصلت في تموز عام 1846 بعض المعارك في منطقة تخوما بين أنصار مار شمعون، الذي هرب مرة أخرى إلى الموصل محتميًا بالقنصلية البريطانية، وبين قوات الحكومة الكوردية. وضخّم المنصّرون والقناصل الأوروبيون في المنطقة عدد الضحايا في الطرف الآثوري، لتشجيع حكوماتهم الغربية على الضغط على الدولة العثمانية للتدخل وإنهاء حكم إمارة بوتان والأمير بدرخان باشا؛ إذ أشارت الصحف الغربية إلى وقوع آلاف الضحايا في الجانب الآثوري، ولكن الوثائق البريطانية السرية التي نُشرت حديثًا تشير إلى حدوث خمسمئة إصابة فقط في الجانب الآثوري (الآشوري) (13).

ب- فتنة المسلمين والمسيحيين ودور الدولة العثمانية في الصراع

يميل معظم الكتّاب الكورد إلى الاعتقاد بأن الدولة العثمانية المسلمة كانت متورطة مع الإنكليز في إثارة الآشوريين (الآثوريين) المسيحيين على الكورد المسلمين، إلا أنهم لا يقدمون دليلًا على ذلك من المصادر المكتوبة في أيام الصراع، وإنما يبنون اعتقادهم هذا على ما ورد في كتاب «القضية الكوردية» لمؤلفه بيلج شيركو (جلادت بدرخان) (انظر: جليلي، من تاريخ الإمارات الكوردية، ص 31 – 130). ولا يستبعد الدكتور جويدة احتمال تورط الدولة العثمانية في الصراع الآثوري - الكوردي، إلا أنه بدوره لا يستند إلى أية وثيقة تاريخية، وإنما بنى اعتقاده بتورط الدولة العثمانية على مجرد ظنّه أن الحكومة المركزية العثمانية كانت تريد إضعاف الطرفين (الكوردي والآشوري) من أجل تثبيت سيطرتها على كوردستان. وكان هناك اعتقاد راسخ في الأوساط الأوروبية، وخاصة عند الإنكليز، بأن الدولة العثمانية متورطة في التآمر مع الكورد ضد الآثوريين (الآشوريين)، وقد أشار السفير البريطاني إلى تورط الدولة العثمانية في قمع الآشوريين. كما يعتقد المنصّر الأمريكي الدكتور كرانت بتورط والي الموصل محمد باشا كريتلي مع الكورد أثناء معارك عام 1843 بإغلاق حدود ولاية الموصل مع ولاية حكاري، الأمر الذي سهّل على الكورد معاقبة أنصار مار شمعون (14).

ليس في الوثائق البريطانية المنشورة أي دليل قاطع على وجود تواطؤ بين الكورد والدولة العثمانية، ويظهر أن الشكوك البريطانية في هذا الصدد كان مبعثها عدم اتخاذ الدولة العثمانية أي إجراء لإيقاف المعارك بين الآشوريين (الآثوريين) والكورد. ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: ما مدى قدرة الدولة العثمانية على التأثير في أطراف الصراع؟

ليس هناك أي شك في أن الدولة العثمانية كانت مستاءة من الحرب الآثورية - الكوردية، لأنها كانت خائفة من تبعاتها. ففي حزيران عام 1844 قال القائد العثماني كامل باشا، مبعوث السلطان العثماني إلى بوتان، للأمير بدرخان باشا: إن استمرار الصراع سيعطي حجة للدول الاستعمارية للتدخل في الشؤون الداخلية للدولة العثمانية. وقال مبعوث آخر من الدولة العثمانية للأمير بدرخان باشا: “إذا لم تترك هؤلاء الآشوريين (الآثوريين) وشأنهم، فإن بريطانيا ستطلب من الدولة العثمانية إما محاسبتك أو أن تترك الإنكليز يحاسبونك. واعلم أن الإنكليز قادرون على الوصول إليك، لأنهم سبق أن حاربوا الصينيين الذين يعيشون على بعد خمسة آلاف كيلومتر عن بريطانيا” (15).

لذلك لم يكن للدولة العثمانية أي دور في إثارة الصراع الكوردي الآشوري، وكانت للصراع جذور محلية، كما كان للمنصّرين المسيحيين الإنكليز والأمريكان، الذين كانوا يعملون بتوجيه من بريطانيا (لا من الدولة العثمانية)، دورٌ مباشر في تفجير الصراع. ولكن لماذا حرّض الإنكليز الآثوريين (الآشوريين) على بدرخان باشا؟ يعود ذلك إلى عدة عوامل، في مقدمتها رغبة بريطانيا في القضاء على أي محاولة إقليمية ترمي إلى استقلال الكورد في كوردستان عن الدولة العثمانية، لأن الإنكليز كانوا يخشون أن يؤدي ذلك إلى تفكك الدولة العثمانية التي كانت في تلك المدة واقعة تحت تأثير النفوذ البريطاني المباشر. لذلك ساعدت بريطانيا الدولة العثمانية في قمع حركة محمد علي باشا والي مصر الكوردي الأصل، بالأسلوب نفسه الذي أجبر العثمانيين على شن حملة على الأمير بدرخان باشا (16).

كان هناك اعتقاد في الدوائر الرسمية الإنكليزية بأن من السهل التعامل مع المسؤولين في إسطنبول وفرض الإرادة الغربية عليهم، وأن ذلك غير ممكن مع أمير كوردي مستقل في منطقة جبلية محصنة. فكتب هنري لايارد تقريرًا قال فيه إن القضاء على الإمارات الكوردية المستقلة في منطقة كوردستان سيسهم في جهود بريطانيا للتغلغل اقتصاديًا وتجاريًا في كوردستان (17).

ولكن هذا لا يعني أن الدولة العثمانية كانت غير راغبة في بسط سيطرتها على كوردستان وإنهاء حكومة الأمير بدرخان باشا المستقلة، أو في استغلال الصراع الذي نشب بين الآشوريين (الآثوريين) والكورد لصالحها.

في الحقيقة كانت حكومة كوردستان المستقلة تحت قيادة الأمير بدرخان باشا في إمارة بوتان الكوردية تهدد الدولة العثمانية في الصميم؛ إذ كانت قوات الفرسان المهمة التابعة للدولة العثمانية تستند بصورة أساسية إلى المقاتلين الكورد في منطقة حكاري وبوتان، وشكّلت العشائر الكوردية الساكنة في هذه المنطقة من كوردستان زهاء أربعين كتيبة من كتائب الفرسان التابعة للدولة العثمانية. وكانت هناك عشرون كتيبة أخرى مؤلفة من أبناء العشائر الكوردية في مناطق قبائل الحيدرانية والجيرانية وميران ودودري وكحان وأتروشي وميللي؛ لذلك كانت كتائب الفرسان الكوردية تشكل عماد القوة العثمانية في مجابهة إيران وروسيا القيصرية (18)، ولم تكن الدولة العثمانية هي المحرّض الأساسي للصراع.

ج- مقايضة منطقة عربستان بالسليمانية الكوردية

لكن الوساطة الدولية - الإنكليزية أفلحت في تسوية النزاع العثماني - الإيراني سلميًا، ومن ثَمّ عُقدت ما تسمى «معاهدة أرضروم الثانية» في 31 أيار/مايو 1847، التي حسمت المسائل المتنازع عليها بشأن الحدود وزيارة الأماكن المقدسة في كربلاء والنجف. ووفقًا لهذه المعاهدة تخلّت إيران عن ادعائها بالسليمانية وبعض المناطق الأخرى، ولقاء ذلك تنازل الباب العالي (الدولة العثمانية) لإيران عن المحمرة - عربستان، التي تعرف حاليًا باسم خرمشهر، وعن الساحل الأيسر لشط العرب، ويعني بذلك منطقة عربستان.

أي أن مجريات الأمور دخلت منذ ذلك التاريخ حلبة الاستعمار واللعبة الدولية، وانبعثت عنها ترتيبات وأوضاع لم تكن في الحسبان، تمسّ من قريب أو بعيد مصالح الأمة العربية ومستقبل الوضع العربي في المنطقة؛ فمنذ ذلك التاريخ تكرّست عربستان - المحمرة جزءًا من إيران بتخطيط استعماري له تطلعاته النفطية المستقبلية.

المصادر

  1. Jwaideh, Kurdish Nationalist Movement, Syracuse Univ., 1960, pt. 1, pp. 192–93.

  2. عبد العزيز الشناوي، الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها، الجزء الرابع، القاهرة، 1980، 1830 – 1834؛ وانظر: Major Frederick Millingen, Wild Life Among the Kurds, London, 1870, p. 272.

  3. كمال مظهر، كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى.

  4. Wigram and D. Lambeth, The Cradle of Mankind: Life in Eastern Kurdistan, London, pp. 144–148.

  5. J. Joseph, The Nestorians and their Muslim Neighbours, Princeton University, 1961, pp. 54–56.

  6. British Documents on Foreign Affairs, Ottoman Empire 1860–1880, p. 282; Enclosure No. 169, August 2, 1844.

  7. Jwaideh, Kurdish Nationalist Movement, Syracuse Univ., 1960, pt. 1, pp. 199–200.

  8. British Documents on Foreign Affairs, Ottoman Empire 1860–1880, p. 271; Vice Consul Rassam, July 29, 1843; Sir Canning No. 108, August 26, 1843.

  9. H. Layard, Nineveh and its Remains, p. 156.

  10. British Documents on Foreign Affairs, Ottoman Empire 1860–1880, p. 282, Enclosure No. 169, August 2, 1844.

  11. British Documents on Foreign Affairs: Ottoman Empire 1860–1880, p. 227; Telegram No. 194, September 1, 1843.

  12. British Documents on Foreign Affairs: Ottoman Empire 1860–1880, pp. 279–280; Enclosure No. 169, August 2, 1844; Telegram No. 126–17, Sir Canning.

  13. British Documents on Foreign Affairs: Ottoman Empire 1860–1880, p. 288; Mr. Wellesley No. January 1847.

  14. The Missionary Herald XXIX, No. 11, November 1843, pp. 453–37; British Documents on Foreign Affairs: Ottoman Empire 1860–1880, p. 273; Telegram No. 208, October 1, 1843.

  15. British Documents on Foreign Affairs: Ottoman Empire 1860–1880, p. 279; Mr. Stevens, May 18, 1844; Enclosure No. 126, June 17, 1844, Sir Canning.

  16. British Documents on Foreign Affairs: Ottoman Empire 1860–1880, p. 279; Mr. Stevens, May 18, 1844; Enclosure No. 126, June 17, 1844, Sir Canning.

  17. Lord Crowley, No. 360, October 17, 1847, Memorandum on Kurdistan by H. Layard, Enclosure.

  18. Sheikh Waheed, The Kurds and Their Country, Lahore, 1958, p. 144.


أجزاء «الأطماع الاستعمارية بكوردستان» (15 جزءاً):

  1. الجزء الأول: تغلغل الدول الاستعمارية في كوردستان
  2. الجزء الثاني: بريطانيا تغدر الكورد واحتلال كوردستان العراق
  3. الجزء الثاني (القسم الأول)
  4. الجزء الثاني (القسم الثاني)
  5. الصراع الكوردي الآثوري ومقايضة عربستان بالسليمانية (هذا الجزء)
  6. الوضع الإداري والوضع الكوردي بعد قيام الدولة العراقية
  7. الجزء الثالث (القسم الأول)
  8. الجزء الثالث (القسم الثاني)
  9. الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الأول)
  10. الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الثاني)
  11. الجزء الخامس (القسم الأول)
  12. الجزء الخامس (القسم الثاني)
  13. الجزء الخامس: الكورد في صك الانتداب والمعاهدة والبيانات الرسمية
  14. الجزء الخامس: اتفاقية 1926 وبيان 1930 والخلاصة
  15. الجزء الخامس (تتمة)

→ الجزء السابق  |  الجزء التالي ←