الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الأطماع الاستعمارية بكوردستان العراق (الجزء الخامس): الكورد في صك الانتداب والمعاهدة والبيانات الرسمية
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
أ- الكورد في صك الانتداب البريطاني على العراق
كان من الطبيعي أن يتضمن صك الانتداب البريطاني على العراق العربي الجديد أحكاماً تتعلق بالأكراد، وهم الشعب الكوردي الشريك في الدولة الجديدة، فأشار إليهم فيما يلي.
يتألف هذا الصك من 25 مادة ومقدمة هذا نصها: «بناءً على أحكام المادة 123 من معاهدة الصلح الموقع عليها في سيفر بتاريخ 10/8/1920م، وبمقتضى أحكام المادة 94 من هذه المعاهدة، التي قررت بموجبها الدول الكبرى، وفقاً للفقرة الرابعة من المادة الثانية والعشرين (1) من الفصل الأول من ميثاق عصبة الأمم، أن تعترف بالعراق دولة مستقلة، عليها قبول المشورة الإدارية والمعونة من منتدب، إلى أن تصبح قادرة على القيام بنفسها بتصريف شؤونها، وأن تحديد الحدود العراقية، عدا ما هو مقرر في المعاهدة المذكورة، واختيار المنتدب تتفق عليهما الدول المتحالفة الكبرى؛ وبما أن هذه الدول قد اتفقت على اختيار صاحب الجلالة البريطانية (2) منتدباً من قبلها على العراق، فإن عصبة الأمم توافق على شروط الانتداب التالية:
المادة الأولى: يضع المنتدب في أقرب وقت، على ألّا يتجاوز ذلك ثلاث سنوات من تاريخ الانتداب، قانوناً أساسياً للعراق (الدستور) يُعرض على مجلس عصبة الأمم للمصادقة عليه، ويُنشر بأسرع ما يمكن. وهذا القانون الأساسي يُسنّ بعد أخذ رأي الحكومة الوطنية، ويبيّن حقوق الساكنين في البلاد ومنافعهم ورغباتهم، ويحتوي على مواد تسهّل تدرّج العراق وتطوره إلى دولة مستقلة.
المادة الثانية: يؤمّن المنتدب للجميع حرية ممارسة الشعائر الدينية بكل هيئاتها وأشكالها، بشرط أن تكون متفقة مع النظام العام والآداب، ولا تُفضَّل فئة على أخرى بسبب الجنس أو الدين أو اللغة. وعلى المنتدب أن يشجّع التعليم بلغات العراق القومية، ولا يُنكر على فئة حقوقها، ولا يعارض في إقامة مدارسها الخاصة لتعليم أبنائها بلغاتهم الخاصة، على شرط ألّا يخالف ذلك خطط التعليم التي تسنّها الحكومة.
المادة السادسة عشرة: لا شيء في هذا الانتداب يمنع المنتدب من إنشاء دولة مستقلة في إدارتها في المناطق الكوردية، إن شاء ذلك» (3).
يلاحظ أن الدولة المنتدبة (بريطانيا)، وباسم عصبة الأمم، لم تنص على شيء ملزم ومحدد فيما يتعلق بالشمال الكوردي (كوردستان)، بل تركت النص شبه غامض، يحتمل عدة حلول للمستقبل، وأعطت المفوض السامي البريطاني في بغداد وحده حرية التصرف في المراحل القادمة في ضوء الأحداث المتلاحقة.
ولم تفرض مواد صك الانتداب على حكومة بريطانيا المنتدبة أية قيود ملزمة لها في سياستها إزاء العراق العربي الجديد؛ فهي لا تمنعها من إعلان إنشاء دولة كوردية ذات استقلال إداري في المناطق الكوردية (كوردستان العراق)، لكنها لا تلزمها بذلك، وتركت لها حرية التعامل مع هذا الموضوع في ضوء مجريات المستقبل.
ب- الكورد في المعاهدة البريطانية العراقية (10 تشرين الأول 1922م)
لقد ارتبط إبرام المعاهدة العراقية البريطانية، التي أبرمت في العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) 1922م (4)، بالمشاكل السياسية التي كان يعاني منها العراق العربي الجديد، وخاصة مشكلة ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق). وقد ورد في قول جعفر العسكري، وزير الدفاع العراقي، أن معاهدة 1922م هي الواسطة الوحيدة التي تؤيد وحدة العراق العربي الجديد السياسية، نظراً لافتقار العراق إلى سند أو حجة تؤيد وحدته السياسية (5).
وقد مسّت الاتفاقية العسكرية في معاهدة 1922م المسألة الكوردية فيما يختص بتعهد الجانب البريطاني بمساندة العراق العربي الجديد عسكرياً للدفاع عن حدوده (6)، ثم مساعدته على قمع الاضطرابات الداخلية، العشائرية وغيرها، وكان المقصود بالطبع ثورات الكورد في كوردستان العراق (ولاية الموصل).
أما المادة الثالثة من معاهدة 1922 فقد نصت على ما جاء من قبل في صك الانتداب البريطاني بحذافيره. ولكن من الملاحظ أن المعاهدات اللاحقة (1927 – 1930) (7) لم تنص صراحة على مضمون المادة الثالثة سابقة الذكر، لكنها كانت تحمل روح المعاهدة الأولى، معاهدة 10 تشرين الأول 1922م (8).
ج- الكورد في بيان مجلس الوزراء العراقي (16 تموز 1923م)
حتى عام 1923م، أي بعد مرور سنتين على قيام المملكة العراقية العربية تحت تاج الملك فيصل الأول بن الشريف حسين بن علي في 23 آب 1921، لم تكن الأمور قد استقرت تماماً على حال دستوري، ولا كانت الحدود قد رُسمت تماماً، وبقي موضوع الشمال (المنطقة الكوردية)، أي ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية، شبه غامض؛ فلا صك الانتداب نص صراحة على دمج كوردستان العراق مع العراق العربي الجديد، ولا حدود المملكة العراقية الجديدة قد تحددت لها خطوط نهائية (9). وكذلك فإن المعاهدة البريطانية العراقية (10 تشرين الأول 1922م) لم يكن فيها ما يحدد الأوضاع الإدارية والتنظيمية للمناطق الكوردية (كوردستان العراق، ولاية الموصل) في ظل الدولة العراقية العربية الجديدة. ولذلك أصدر مجلس الوزراء العراقي برئاسة عبد المحسن السعدون بياناً مقتضباً حدد فيه بعض خيوط برامج حكومته وسياستها إزاء الشمال (ولاية الموصل، كوردستان العراق) ذي الأغلبية الكوردية، في حدود ما يملك من صلاحيات. وقد صدر هذا البيان بتاريخ 16 تموز (يوليو) 1923م، أي بعد إعلان المعاهدة الأولى (10 تشرين الأول 1922م) بمدة شهرين ونصف فقط، ونص بيان رئيس الوزراء العراقي عبد المحسن السعدون في 16 تموز 1923 على ما يلي:
«تنويراً للرأي العام الكوردي في كوردستان العراق وتطميناً لحقوقه، قررنا ما يلي:
أن الحكومة العراقية العربية الجديدة لا تنوي أن تعيّن أياً من الموظفين العرب في المناطق الكوردية (كوردستان العراق)، ما عدا الفنيين فقط.
أنها لا تنوي إرغام سكان المناطق الكوردية في كوردستان على استخدام اللغة العربية في مراجعاتهم للدوائر الرسمية.
أن حقوق السكان والطوائف الدينية والمدنية في تلك المناطق الكوردية (كوردستان العراق) سيُحرص على أن تُصان صوناً تاماً» (10).
د- الكورد في بيان الحكومتين العراقية والبريطانية (23 كانون الأول 1923)
لقد صدر هذا البيان عندما أدرك الإنجليز أن الشيخ محمود الحفيد البرزنجي بدأ يمارس نشاطه الوطني بصورة مستقلة عنهم (11)، ولذلك لجؤوا إلى أسلوبهم المعروف في شق صفوف الكورد. ففي 23 كانون الأول (ديسمبر) 1923م وجّه (سي. جي. إدموندز) بياناً باسم الحكومتين البريطانية والعراقية إلى زعماء الكورد جاء فيه: «تعترف الحكومتان البريطانية والعراقية بحق الكورد القاطنين في كوردستان العراق (ولاية الموصل)، وهي ضمن الحدود العراقية، في تشكيل حكومة كوردية مستقلة ضمن حدود المنطقة الكوردية في كوردستان العراق، وتأمل الحكومتان البريطانية والعراقية أن تتوصل مختلف العناصر الكوردية، وبأسرع ما يمكن، إلى اتفاق بينها حول الشكل الذي يجب أن تتخذه هذه الحكومة الكوردية في كوردستان العراق، وحول الحدود التي ستعمل ضمنها، وأن يرسلوا ممثلين مسؤولين عنهم إلى بغداد لبحث علاقتهم الاقتصادية والسياسية مع الحكومتين البريطانية والعراقية العربية الجديدة» (12).
ومن الملاحظ أن هذا الإعلان لم يتضمن أي تعهدات محددة حول منح الكورد في كوردستان العراق إدارة ذاتية، ولو كانت ضمن إطار الحكم الذاتي. ويبدو أن هذه الشروط غير الواقعية المتعلقة بالاتفاق بين «مختلف العناصر الكوردية» لم تُلغِ المفاوضات المقترحة بين الكورد والسلطات الإنجليزية العراقية فحسب، بل ألغت أيضاً إمكانية تشكيل الحكومة الكوردية المستقلة نفسها في كوردستان العراق.
والواقع أن الإنجليز كانوا يهدفون من وراء هذا الإعلان إلى تقديم الدعم السياسي لخصوم الشيخ محمود الحفيد في كوردستان العراق، وبذلك يتم توسيع هوّة الشقاق وتعميقها في المعسكر الكوردي، وقد حقق الإنجليز هدفهم هذا بعد ذلك (13). ومن الملاحظ كذلك أن نصوص هذا الإعلان تتحدث عن تأسيس حكومة لا دولة كوردية، فالحكومة شيء والدولة شيء آخر، وذلك هو الغموض في نصوص الاتفاقيات والمعاهدات والتصريحات البريطانية واحتمالات التأويل لها.
المصادر
Hurewitz, op. cit., p. 61.
Ghassan, op. cit., p. 124.
البزاز، مرجع سابق، ص 126.
البزاز، مرجع سابق، ص 132.
مذكرات المجلس التأسيسي العراقي، ج1، مرجع سابق، ص 41.
فاروق صالح العمر، المعاهدات العراقية البريطانية، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب، جامعة عين شمس، 1975م، ص 95؛ درية عوني، مرجع سابق، ص 87.
البزاز، مرجع سابق، ص 150.
الموصلي، مرجع سابق، ص 177.
الموصلي، مرجع سابق، ص 180.
قرارات مجلس الوزراء العراقي، تموز – أيلول 1923م، جلسة 11 تموز 1923م، ص 27.
Edmonds, op. cit., p. 230.
لازاريف، مرجع سابق، ص 225.
الموصلي، مرجع سابق، ص 178.
أجزاء «الأطماع الاستعمارية بكوردستان» (15 جزءاً):
- الجزء الأول: تغلغل الدول الاستعمارية في كوردستان
- الجزء الثاني: بريطانيا تغدر الكورد واحتلال كوردستان العراق
- الجزء الثاني (القسم الأول)
- الجزء الثاني (القسم الثاني)
- الصراع الكوردي الآثوري ومقايضة عربستان بالسليمانية
- الوضع الإداري والوضع الكوردي بعد قيام الدولة العراقية
- الجزء الثالث (القسم الأول)
- الجزء الثالث (القسم الثاني)
- الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الأول)
- الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الثاني)
- الجزء الخامس (القسم الأول)
- الجزء الخامس (القسم الثاني)
- الجزء الخامس: الكورد في صك الانتداب والمعاهدة والبيانات الرسمية (هذا الجزء)
- الجزء الخامس: اتفاقية 1926 وبيان 1930 والخلاصة
- الجزء الخامس (تتمة)