الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الأطماع الاستعمارية بكوردستان العراق (الجزء الخامس): اتفاقية 1926 وبيان 1930 والخلاصة
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
أ- الكورد في الاتفاق العراقي – التركي – البريطاني (5 حزيران 1926م) لتعيين الحدود بين العراق العربي الجديد وتركيا الحديثة
عُقدت اتفاقية 5 حزيران 1926م لتعيين (ترسيم) الحدود وتنسيق علاقات الجوار بين الحكومتين العراقية العربية الجديدة والتركية الحديثة، بمشاركة الحكومة البريطانية المنتدبة على العراق العربي الجديد. وقد تضمن الاتفاق العراقي – التركي – البريطاني بنوداً تتعلق بعلاقات حسن الجوار والتعاون في مواجهة أعمال «الشقاوة» والنهب في منطقة الحدود (كوردستان)، وهو التعبير الظاهري عن أعمال الكورد ونشاطاتهم المسلحة على طرفي الحدود في كوردستان، وإلى مسافة 6 – 7 كم داخل البلدين (العراق وتركيا) تبدأ من خط الحدود، حسب المادة العاشرة (1).
وقد أُبرم هذا الاتفاق العراقي التركي البريطاني في الخامس من حزيران (يونيو) سنة 1926م، وكان الجانب العراقي ممثلاً فيه بنوري السعيد، والجانب التركي برشدي بك نائب إزمير، أما الجانب البريطاني فقد مثّله لورانس تشارلز سفير بريطانيا في أنقرة. ونصّت الاتفاقية على عدة مبادئ وبنود، من ضمنها:
تعيين خط بروكسل بصفة نهائية خطاً للحدود بين تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد (2) (المادة 1).
التعاون المشترك للقضاء على الحركات المعادية على الحدود في منطقة كوردستان لكل من تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد، وكان المقصود بالطبع حركات الكورد الاستقلالية (3).
ب- مواد «حسن الجوار» في الاتفاقية
كما تضمنت اتفاقية (العراق – تركيا – بريطانيا) في 5 حزيران 1926م، تحت عنوان «حسن الجوار»، عدة مواد والتزامات، أهمها:
تعهّد الدولتين، تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد، بأن تقاوما استعدادات شخص أو أشخاص مسلحين يُقصد بها أعمال النهب والشقاوة (المادة 6). والمقصود بها الحركات الكوردية في منطقة كوردستان.
تتعاون السلطتان العراقية والتركية في تنبيه إحداهما الأخرى إلى أي استعدادات يقوم بها شخص مسلح أو أشخاص مسلحون في المنطقة الحدودية المذكورة (المادة 7). والمقصود الحركات الكوردية في كوردستان.
التزام كل من الدولتين، تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد، بالسعي بما لديهما من وسائل لمنع مرتكبي أعمال النهب والشقاوة في أراضيهما (كوردستان الدولتين) بأسرع ما يمكن، وإخبار الطرف الآخر بما يتم في هذا الصدد (المادة 8).
تعهّد الدولتين، تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد، بأن تردّ كل منهما إلى الدولة الأخرى من يلجأ إليها من رعاياها مرتكباً جناية أو جنحة في منطقة الحدود (كوردستان)، هم وغنائمهم وأسلحتهم (المادة 9).
يحق لقوات أي من الطرفين المتعاقدين وجنوده تجاوز حدود الطرف الآخر عند الضرورة حتى مسافة 6 – 7 كم (المادة 10).
تعهّد الدولتين التركية والعراقية بالامتناع عن كل مخابرة ذات صبغة رسمية أو سياسية مع رؤساء العشائر أو شيوخها أو غيرهم من أفرادها من رعايا الدولة الأخرى الموجودين فعلاً في أراضيها (كوردستان الدولتين) (4). كما تعهدتا بألّا تجيز أي منهما تشكيلات للدعاية ولا اجتماعات موجهة ضد أي من الدولتين (المادة 12).
وبإلقاء نظرة على هذه الاتفاقية (العراقية – التركية – البريطانية) في 5 حزيران 1926م يتضح أن قضية الكورد على جانبي الحدود (كوردستان الدولتين: العراق وتركيا) كانت تشكّل مصدر قلق وخوف للحكومتين العراقية والتركية، وليس أدلّ على أهمية تلك المشكلة من موافقة كل من الطرفين للطرف الآخر على التوغل داخل حدوده لمسافة 6 – 7 كم، وذلك بهدف مطاردة الكورد على طرفي الحدود. كما يتضح أيضاً أن كلاً من الطرفين لم يرغب في أن يستخدم الآخرُ القضية الكوردية للتدخل في شؤونه الداخلية.
ج- الكورد في بيان المندوب السامي البريطاني لعام 1930م
في السنوات اللاحقة تبدلت الأمور كلياً، واستقرت الدولة العراقية على أسس دستورية جديدة، إذ جرى استفتاء بشأن إعلان الدولة العراقية العربية الجديدة شارك فيه معظم الكورد، وقام نتيجة لذلك مجلس نيابي مُثّلت فيه كوردستان العراق (ولاية الموصل) جزءاً من المملكة العراقية (5). ولذلك تحدث المندوب السامي البريطاني بلهجة جديدة تنسجم مع ما آلت إليه الأمور وترتيبات الدولة العراقية العربية الجديدة، بإشراف عصبة الأمم وموافقتها. فقد صدر عن المندوب السامي البريطاني عام 1930م بيان جاء فيه: «وفيما يتعلق بالحكومة البريطانية، فإن اهتمامها الوحيد هو تأمين دولة عراقية حرة مستقلة تربطها بها أواصر الاعتراف بالجميل والشكر، وتنتسب إلى عصبة الأمم، وهي سوف لا تعضد أي حركة لا تتفق مع هذه السياسة، كالانفصال الكوردي مثلاً».
د- الخلاصة والدروس في «الأطماع الاستعمارية بكوردستان»
كانت حركة الأمير الكوردي بدرخان باشا رد فعل على محاولات السلطة العثمانية المركزية القضاء على رغبة الكورد في الاستمرار في إدارة شؤونهم الداخلية في كوردستان تركيا العثمانية، ولم تكن حركة قومية، وفي ذلك عبرة للدول المتقاسمة لكوردستان كي تكفّ عن محاولة فرض المركزية الإدارية في كوردستان.
كان الأمير الكوردي بدرخان باشا شخصية إسلامية كوردية متنورة، يريد بناء دولة كوردية مستقلة في كوردستان تطبق فيها الشريعة الإسلامية، ويحتل فيها علماء الدين (المختصون في العلوم الشرعية) موقع القيادة، وهذا دليل آخر على مساهمة الإسلام والشخصيات الإسلامية في الدفاع عن المصالح الكوردية.
كانت حرب الأمير الكوردي بدرخان باشا مع الآشوريين (الآثوريين) والمنصّرين والإنكليز العامل الحاسم في القضاء على الدولة الكوردية في كوردستان العثمانية. ومما يؤسف له أن الآثوريين أدّوا الدور السلبي والحاسم نفسه في القضاء على حركة سمكو آغا الشكاكي في كوردستان إيران، وحركة الشيخ محمود الحفيد، والشيخ أحمد البارزاني.
المصادر
Hurewitz, op. cit., p. 136.
البزاز، مرجع سابق، ص 79.
O’Ballance, op. cit., p. 22.
Hurewitz, op. cit., p. 136.
British Report, 1923–1924, p. 20.
أجزاء «الأطماع الاستعمارية بكوردستان» (15 جزءاً):
- الجزء الأول: تغلغل الدول الاستعمارية في كوردستان
- الجزء الثاني: بريطانيا تغدر الكورد واحتلال كوردستان العراق
- الجزء الثاني (القسم الأول)
- الجزء الثاني (القسم الثاني)
- الصراع الكوردي الآثوري ومقايضة عربستان بالسليمانية
- الوضع الإداري والوضع الكوردي بعد قيام الدولة العراقية
- الجزء الثالث (القسم الأول)
- الجزء الثالث (القسم الثاني)
- الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الأول)
- الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الثاني)
- الجزء الخامس (القسم الأول)
- الجزء الخامس (القسم الثاني)
- الجزء الخامس: الكورد في صك الانتداب والمعاهدة والبيانات الرسمية
- الجزء الخامس: اتفاقية 1926 وبيان 1930 والخلاصة (هذا الجزء)
- الجزء الخامس (تتمة)