الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأطماع الاستعمارية بكوردستان العراق (الجزء الخامس)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

أ- نظرية التقسيم الناعم للعراق (كوردستان، شيعستان، سنستان)

كتب جوزيف بايدن، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي ونائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية، مقالاً قال فيه: «قبل أربعة أشهر عرضتُ في مقال لي، بالمشاركة مع الرئيس المتقاعد لمجلس العلاقات الخارجية، خطة مفصلة للمحافظة على وحدة الصف العراقي، وحماية المصالح الأمريكية، وإعادة الجنود الأمريكيين إلى وطنهم، وقد تبنى عدد كبير من الخبراء الأفكار التي طرحناها. ومنذ ذلك الوقت جعلت الأحداث المتلاحقة التي تشهدها الساحة العراقية تلك الخطة أكثر إلحاحاً وأكثر ملاءمة للتطبيق مما كانت عليه حين عرضتُها.

فالحقيقة الجديدة الجوهرية في المشهد العراقي هي تزايد العنف بين الشيعة والسنة، وتجاوز خطره ما عداه من الهجمات التي ينفذها المسلحون، حتى بات هو التهديد الأساسي الذي يواجه العراق. ويبقى الطريق الوحيد للحفاظ على العراق وتوفير الظروف الملائمة لسحب قواتنا الأمريكية منه متمثلاً في تقديم حوافز ومبادرات للشيعة والسنة والأكراد تلبي مصالحهم في إطار سلمي، وتدفع باتجاه إرساء قواعد وضع سياسي مستقر. والخطة التي طرحناها تتألف من خمس نقاط، وتُعد خياراً أفضل:

أولاً: تدعو الخطة إلى المحافظة على العراق موحداً بتطبيق اللامركزية ومنح الأكراد والشيعة والسنة أقاليمهم، على أن تُترك المصالح المشتركة، مثل أمن الحدود وتوزيع عوائد النفط، للحكومة العراقية المركزية.

ثانياً: يلتزم السنة بالاتفاق على أساس ضمان حصتهم في عوائد النفط، وتُمنح كل مجموعة حوافز خاصة لرفع إنتاج النفط، الأمر الذي يجعل من النفط رابطاً يجمع أقاليم العراق معاً.

ثالثاً: تضع الخطة برنامجاً ضخماً لتوفير الوظائف، في الوقت الذي تزيد فيه من مساعدات إعادة الإعمار، خاصة من دول الخليج، على أن تُربط ذلك بحماية مصالح الأقليات.

رابعاً: توجه الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي لتوقيع معاهدة إقليمية لعدم الاعتداء، وتشكيل مجموعة اتصال لفرض الالتزامات الإقليمية.

خامساً: تبدأ عمليات مرحلية لإعادة انتشار القوات الأمريكية خلال العام 2006، على أن يتم انسحاب معظم هذه القوات بنهاية 2007، بينما تظل قوة محدودة لمتابعة التزام الجيران وللتصدي لأي تجمعات إرهابية. وعلى الذين يرفضون هذه الخطة أن يجيبوا عن سؤال واحد بسيط: ما البديل؟» (1).

ب- الأسباب التي طُرحت لتبرير فكرة التقسيم الناعم للعراق

طُرحت مجموعة من الأسباب لتبرير فكرة التقسيم الناعم للعراق، ومن بينها:

  1. اليوم يرتفع العلم الكوردستاني في سماء كوردستان بجانب العلم العراقي، بينما يتحدث الأطفال لغتهم الكوردية الأصلية في نظامهم التعليمي، ويتعلمون الإنجليزية والعربية لغتين ثانيتين. إلى ذلك يجني الإقليم فوائد مالية كبيرة من الاستثمارات التركية المتدفقة عليه، فضلاً عما يجنيه من موارد هائلة تضخها فيه السياحة.

  2. أما المنطقة الجنوبية من العراق، ولا سيما مدينة البصرة والأجزاء المتاخمة لها، فقد تحولت افتراضاً إلى ما يشبه الدولة الشيعية خلال العامين الماضيين. وعلى الرغم من أنها ليست بالعنف الذي تتسم به بغداد، فإن البصرة تخضع عملياً لحكم مجموعة من الميليشيات الشيعية التي تخوض حرباً شرسة ودامية فيما بينها لفرض هيمنتها على الموارد النفطية الهائلة المتوافرة في الجنوب العراقي، وخاصة في البصرة. ووفقاً لدراسة أعدتها «مجموعة الأزمات الدولية» مؤخراً، فإن مدينة البصرة تُعد حالة نموذجية لدراسة تعدد أشكال العنف المنتشرة في العراق اليوم وتناميها. والمؤسف أنه لا علاقة تذكر لنشاط هذه الميليشيات وأهدافها بالعنف الطائفي من حيث هو، أو بالمقاومة الوطنية للاحتلال الأجنبي. وجاء في الدراسة المشار إليها: «إن فترات الاستقرار النسبي لا تعكس وجوداً كبيراً للسلطة الحاكمة، بقدر ما تعكس حالة التوازن الهش والنسبي البادي الآن بين المصالح المتضاربة المتنافسة فيما بينها، وكذلك حالة الإرهاب الجاري بين الميليشيات المتناحرة» (2).

  3. آليات التنفيذ: كتب جوزيف بايدن وليزلي غيلب، في مقالة الرأي التي نُشرت في 1 أيار/مايو 2006، أن هذا التقسيم يمكن تطبيقه مع تقديم حوافز لا يقوى السنة على مقاومتها. فهي خطة تستدعي سحب الجيش الأمريكي وإعادة تموضع القوات الأمريكية وتوقيع معاهدة إقليمية لعدم الاعتداء. وتقر الخطة بما يقوله خبراء الشرق الأوسط من أن الشيعة والسنة العراقيين لا يسيرون نحو التصالح، وما زالوا غير قادرين على تمرير قانون النفط والغاز، وأن عملية التطهير الطائفي جارية، حيث يفر السنة من المناطق ذات الأغلبية الشيعية، ويفر الشيعة من المناطق ذات الأغلبية السنية.

  4. معوقات خطة التقسيم الناعم للعراق: بيد أنه يتعذر على استراتيجية «الفصل الناعم» هذه أن تُترجم إلى واقع فعلي ملموس في التربة العراقية من دون الحصول على موافقة ضمنية عليها من الدول المجاورة للعراق، ولا سيما تركيا وإيران. وهي في كل الأحوال تظل استراتيجية محفوفة بالخطر والمغامرة. إلى ذلك تظل هذه الاستراتيجية مثيرة لخيبة الآمال، لكونها انحرافاً عن الخطة الأصلية التي حركت دعاة الغزو في واشنطن عام 2003، إذ كان المبرر والأمل هما بناء عراق موحد علماني ديمقراطي مزدهر. فتلك هي الأهداف التي عكفت إدارة جورج بوش على صياغتها قبيل خوضها مغامرتها العسكرية في ربيع عام 2003.

فانظر كيف ضمرت الآمال وتواضعت عملياً إلى حد القبول بعراق ممزق الأوصال، أبعد ما يكون عن الوحدة والديمقراطية والعلمانية!

لكن، وفقاً لمبدأ الأخذ بأخف الضررين، ربما كان التقسيم الناعم للعراق خياراً واقعياً مفضَّلاً على استمرار دوامة العنف الدائرة فيه حالياً، وربما كان خياراً لدرء تدخل عسكري خارجي في شؤونه من جيرانه المتربصين به من جميع الجهات (3).

  1. لم يؤخذ بالخطة عندما طُرحت قبل مدة، وكان العنوان الرئيسي لعمود «جورج حشمة» في صحيفة «غلف نيوز» المتخصص في شؤون الشرق الأوسط: «خطة التقسيم الناعم مرفوضة». وقال إن لكلمة التقسيم في ذاتها وقعاً سيئاً على الأذن العربية، وإنها تعيد إلى الذاكرة خطة تقسيم فلسطين التي أدت إلى إيجاد دولة إسرائيل.

  2. وأشار خبراء السياسة الخارجية أيضاً إلى أن تقسيم العراق يمكن أن يسفر عن مذابح دموية في المناطق المدنية. فرغم أن السنة يشكلون الغالبية الساحقة في الجزء الغربي من العراق، والأكراد في كوردستان، والشيعة في الجنوب، فإن المدن العراقية، كبغداد والموصل وكركوك، ليست متجانسة سكانياً، ولا توجد خطوط جغرافية واضحة تفصل بين المكونات الرئيسية الثلاثة، أو على الأقل لم تكن موجودة في السابق. ولكن حقيقة الأمر حالياً أنها أصبحت أكثر تجانساً، لأن السكان المرعوبين فروا من المناطق التي لا تهيمن عليها طائفتهم، فالضواحي الواقعة على أطراف بغداد شهدت الكثير من التطهير الطائفي والعرقي.

  3. رسمياً يقول المسؤولون في إدارة جورج بوش إنهم ملتزمون بموقف الرئيس بوش، الذي يأمل أن تتمكن القوات الأمريكية المعززة بأعداد إضافية من كبح العنف وخلق الظروف السياسية التي تتيح للشيعة والسنة والأكراد التوصل إلى حل سياسي. ولكن الشهادات والمقابلات حول الظروف السائدة في العراق أشارت إلى أن الإدارة الأمريكية شرعت فعلياً في اتخاذ خطوات نحو التقسيم. فوزارة الخارجية الأمريكية تحديداً شددت على اقتراح تشكيل فرق بناء مناطقية في المحافظات العراقية بهدف تقوية زعماء القبائل المحلية، وهذا في حد ذاته يؤشر نحو إلغاء مركزية سلطة الدولة في العراق.

  4. ومن باب التحذير يقول خبراء إن التقسيم الناجز للعراق لن يكون أمراً هيناً، ويتطلب مشاورات حذرة مع جيران العراق، ومن ضمنهم إيران والسعودية، ناهيك عن تركيا التي لها حساسيات قومية حول المسألة الكوردية (4). وبيان ذلك كما يلي:

أ- للوهلة الأولى تبدو فكرة التقسيم الناعم معقولة، كون العراق مقسماً فعلياً على الأرض من الناحية السياسية والسكانية والعرقية والطائفية، فالتقسيم يعني جعل هذا الوضع رسمياً بما يسمح للأمريكيين بإبعاد أنفسهم وترك العراقيين يقتلون بعضهم بعضاً. فالمسؤولون من السنة والشيعة يحتفظون بالمناصب الحكومية والأمنية العليا لأنفسهم، تاركين ميليشياتهم تتصارع وتتصادم من أجل السيطرة على الأراضي. ومن الناحية النظرية فإن التقسيم سيسمح لكل جماعة بإقامة حكومتها المصغرة الخاصة بها لإدارة شؤونها بنفسها، والتخلص بالتالي من العوامل المسببة للعنف الطائفي.

والدستور العراقي نفسه يسمح بإقامة أقاليم فيدرالية مستقلة ذاتياً، وغالبية الأكراد ترحب بالوضع القائم حالياً، ولا تخفي استعدادها للانفصال بكوردستان العراق في المستقبل إذا سمحت الظروف بذلك. وفي المقابل نجد أن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وهو حزب شيعي، يدافع عن إقامة إقليم فيدرالي جنوبي. وهناك الكثير من الأطراف الشيعية التي تفضل التقسيم وترى فيه فكرة جيدة التنفيذ، على اعتبار أن السنة لن يكفوا عن محاولة السيطرة على الحكومة المركزية، ومن وجهة نظرهم فإن جعل السنة يخسرون هو وحده الكفيل بأن يجعل السلام يستتب. كما أن بعض اللاجئين الشيعة الذين فروا من مناطق الغالبية السنية، ويعيشون الآن في معسكرات في الجنوب أو خارج البلاد، يأملون أن يسمح لهم التقسيم بالاستقرار بصورة دائمة في المنازل التي أخلاها السنة الفارون (5).

ب- التقسيم ليس بالفكرة المجنونة، فيمكن للبعض أن يقول إن بريطانيا أوجدت كياناً سياسياً موحداً أسمته العراق في العشرينيات من القرن الماضي، لكن هذا الكيان كان محكوماً عليه بالفشل منذ تشكيله، والشيء الوحيد الذي استطاع الإبقاء على التماسك الظاهري لهذا الكيان الجديد هو القبضة الحديدية لصدام حسين. وعليه، إذا كان البديل هو الاختيار بين ديكتاتورية أخرى أو حرب أهلية لا تنتهي، فإن خيار التقسيم يُعد جذاباً.

وإذا لم تكن فكرة التقسيم فكرة مجنونة، فإنها بالتأكيد فكرة سيئة، فالتقسيم لن يكون نظيفاً، ولن يكون دون إراقة دماء؛ فالسنة والأكراد والشيعة موجودون ويتعايشون بصورة مختلطة في الكثير من المناطق، بما فيها بغداد. وما سبق للعالم أن عرفه من سوابق لا يشجع على ولوج هذا الطريق ومحاولة تقليده.

ففي فلسطين والهند ويوغسلافيا لم يؤدِّ التقسيم إلى الحرب فقط، وإنما أدى أيضاً إلى عمليات هجرة واسعة النطاق وسلسلة لم تنتهِ من الحروب. وهناك أيضاً التعقيدات الناشئة عن وجود جيران متحفزين للتدخل، فاستقلال الأكراد في كوردستان أمر مرفوض من قبل إيران وتركيا، ووجود دولة شيعية أمر مخيف بالنسبة إلى السعودية بسبب وجود طائفة شيعية فيها ملاصقة للحدود مع العراق، مع ما قد يحمله ذلك من تململ محتمل لهذه الطائفة. وما الذي سيكسبه سنة العراق الموجودون في الوسط إذا حدث التقسيم، وهم يقيمون في مناطق تخلو من الثروة النفطية؟ فهم يعيشون اليوم في خوف دائم، إذ تجري عمليات قتل يومية على أساس المذهب، ولن يهتموا بالديمقراطية بقدر اهتمامهم باستتباب الأمن والنظام وحكم القانون في بلادهم (6).

يحتج دعاة «التقسيم الناعم» للعراق بأن الفيدرالية الواهنة، القائمة على هذا الأساس العرقي الديني، تعكس الواقع الفعلي للعراق، طالما أن الحقيقة هي أنه يستحيل الحفاظ على وحدته بآلية الدولة المركزية الموحدة. ويقيم هؤلاء حجتهم على العداوات والتحرشات الطائفية والعرقية المستشرية بين شتى المجموعات، ومحاولة كل مجموعة إبادة الأخرى وتطهيرها عرقياً ودينياً. ثم يضيف دعاة هذه الفكرة وأنصارها أن هذا الحل ليس أمريكياً يراد فرضه فرضاً على العراقيين، وإنما هو فكرة عراقية نابعة من صلب نصوص الدستور الوطني الجديد. غير أن الحقيقة الباقية، رغم كل هذه الحجج، هي أن مجرد التفكير في «التقسيم الناعم» للعراق ينطوي على قراءة خاطئة للواقع المعيش:

أولاً: فالشاهد أن العراقيين، على الرغم من محاولات التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي تستهدفهم، ظلوا خليطاً اجتماعياً تكثر فيه الزيجات المختلطة بين فئاته وطوائفه، وظل العراقيون قادرين على تشكيل تلك الفسيفساء الاجتماعية التي لا سبيل إلى تغييرها إلا بوسائل التخويف والعنف وحملات القتل الجماعي المستمرة.

ثانياً: كما تشير سلسلة استطلاعات الرأي التي أُجريت بينهم خلال السنوات الأربع الماضية، أكدت الغالبية العراقية رغبتها في أن تظل بلادها موحدة. فعلى سبيل المثال، أشار التقرير الصادر عن «المعهد الجمهوري الدولي» في تموز/يوليو 2006 إلى أن 66 في المئة من العراقيين يعارضون فكرة تقسيم العراق، سواء على أساس طائفي أو عرقي.

ثالثاً: أما اللغة الدستورية الواردة في الوثيقة المذكورة حول صيغة الفيدرالية وتوزيع الموارد الطبيعية للبلاد، فقد جاءت انعكاساً لصفقة سرية أُبرمت وراء الكواليس بين التحالف الكوردي وطرف واحد من الأطراف الشيعية، ألا وهو «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق». وقد أُبرمت هذه الصفقة النهائية في تجاهل تام لكافة الأطراف الأخرى ولكافة فئات المجتمع العراقي نفسه:

  1. الأكراد: لا ريب في أن الأكراد يرغبون في الاستقلال بإقليمهم (كوردستان)، وأن في وسعهم تقديم حجج قوية داعمة لتحقيق رغبتهم هذه. لكن، على الرغم من رغبة الاستقلال هذه، فقد دفعت الواقعية السياسية القيادات الكوردية إلى تفضيل البقاء في ظل الوحدة العراقية حالياً. وتستغل الأحزاب الكوردية قدرتها السياسية في زيادة فرصها المستقبلية في الاستقلال. ويُفترض ألا يواجه تحول الإقليم الكوردي إلى منطقة استقلال ذاتي تتمتع بالمزيد من السلطات الإقليمية أي عقبات أو تعقيدات تذكر، إلا في حال فشل الأكراد في تقديم التنازلات السياسية اللازمة بشأن السيطرة على مدينة كركوك التاريخية، التي توجد بها نسبة 12 في المئة من احتياطيات النفط العراقية المؤكدة.

  2. الشيعة: أما موقف «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق» فيمثل حالة مختلفة في هذه الصفقة المشار إليها آنفاً. فعلى الرغم من تمتعه بسطوة سياسية مردها إلى الميليشيات المسلحة المدعومة من إيران، فإنه يفتقر إلى التأييد الشيعي الداخلي. وللتعويض عن هذا الضعف لجأ المجلس الأعلى إلى اقتراح الصيغة المحددة التي وردت في نص الدستور، ألا وهي إقامة «إقليم شيعي كبير» يغطي كافة المحافظات الشيعية التسع الواقعة جنوبي البلاد، مع العلم أن هذه المنطقة تحوي ما بين 70 و80 في المئة من احتياطيات النفط العراقي. وكانت تلك الصيغة التي ضُمِّنت في صلب الدستور هي التي أثارت الخلاف والنزاع الطائفي الجاري اليوم، مع ضرورة الإشارة إلى أن هذا النزاع يشمل الطائفة الشيعية نفسها. وبالنتيجة فقد رفض غالبية التحالف الشيعي تلك الصيغة، على الرغم من تأييدهم النسبي لفكرة لامركزية السلطات.

  3. السنة: أما المسلمون العرب السنة فهم ليسوا أقل خلافاً ولا انقساماً فيما بينهم، إلا أنهم يتفقون على أمر واحد، هو رفضهم المؤكد لأي صيغة فيدرالية لا تؤمّن لهم نصيبهم من عائدات النفط، وتحرمهم تماماً من السلطة. وعلى الرغم من علمهم بأنه لم يعد أمامهم اليوم سبيل لاستعادة قبضتهم السابقة على جهاز الدولة المركزية القوية، بحكم طغيان الأغلبية الشيعية، فإنهم يرفضون في الوقت ذاته الصيغة الفيدرالية التي مررها «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق» إلى الدستور. والحال هكذا، فإن السؤال الذي لا بد منه هو: أيَّ فيدرالية يقصد دعاة التقسيم الناعم إذن؟! (7).

لقد كشف استطلاع للرأي العام العربي أجرته في الآونة الأخيرة «مؤسسة زغبي العالمية لاستطلاعات الرأي» في خمس دول عربية، هي المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة والأردن ولبنان، وشمل عينة من 3400 شخص من الدول الخمس التي تُعد جميعها حليفة للولايات المتحدة الأمريكية.

وفي كل واحدة منها عبّرت الأغلبيات عن مشاعر سلبية إزاء الدور الذي تؤديه كل من الولايات المتحدة وإيران حالياً في العراق. وحين وُجّه السؤال إلى المستطلَعة آراؤهم عن الجانب الأكثر إثارة لقلقهم ومخاوفهم إزاء العراق، جاءت إجابات ما يقارب 50 في المئة منهم: أن يتم تقسيم العراق وتمزيقه إلى ثلاثة أقاليم مستقلة ذاتياً، أو أن ينحدر إلى حرب أهلية شاملة تمتد تأثيراتها إلى خارج حدوده، مؤدية إلى نشوء أزمة إقليمية. واحتل الخوف من احتمال احتلال أمريكي دائم للعراق المرتبة الثانية من هواجس المستطلَعين وقلقهم، وجاءت النسب المعبِّرة عن هذه الهواجس الأخيرة كما يلي: 47 في المئة في الأردن، و38 في المئة في مصر، ثم 25 في المئة من الرأي العام السعودي (8).

كذلك تقول جوديث يافي، وهي محللة سابقة متخصصة في شؤون الشرق الأوسط في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ومدرّسة حالياً في جامعة الدفاع الوطني، إن فكرة جوزيف بايدن «فكرة فظيعة من أكثر من وجه، بحيث يصعب على من يريد انتقادها أن يعرف من أين يبدأ، فإذا كان لنا أن ندفع العراق بهذا الاتجاه فإن الحرب الأهلية ستصبح أمراً مؤكداً، وما نواجهه اليوم سيبدو عندها مجرد لعب أطفال». ويقول باتريك لانغ، الخبير بالشأن العراقي والمحلل السابق في وكالة الاستخبارات الدفاعية، إنه «لا يوجد شيء مشابه للحل الذي يقترحه السناتور جوزيف بايدن في العالم العربي، وأعتقد أن ذلك يعود لسبب وجيه، فالأمر لا يروق للعقل السياسي العربي»، ويضيف قائلاً: «فإذا ما سلكنا هذا الطريق فإنه لن يقدم لنا إلا محطة على طريق تفكيك الدولة العراقية وزوالها» (9).

وطرح مؤلفا كتاب «مستقبل العراق»، وهما ليام أندرسون، أستاذ العلوم السياسية في جامعة رايت والمختص بدراسة شؤون العراق، وغاريث ستانسفيلد، عضو معهد الشؤون الخارجية بجامعة إكستر الذي عمل مستشاراً لدى الحكومة البريطانية في الشؤون العراقية والكوردية، عدة خيارات لحل الأزمة في العراق، منها:

(أ) تولي حاكم ديكتاتوري جديد زمام الأمور في العراق.

(ب) نظام حكم ديمقراطي: ويصل المؤلفان إلى اعتبار تحقيق هدف نشر الديمقراطية في العراق أمراً شبه مستحيل، انطلاقاً من رؤيتهما لطبيعة الأوضاع في العراق، والتي تتمثل في الطبيعة الغريبة لتركيبة الشعب العراقي المؤلفة من مجموعة متعددة من الطوائف والأعراق المتناحرة فيما بينها. فالشعب العراقي منقسم على المستوى العرقي إلى عرب وأكراد، وعلى المستوى الطائفي إلى سنة وشيعة، الأمر الذي يعقّد أي عملية سياسية في البلاد لا تعترف بهذه الحقيقة وهذه التركيبة، وهو ما ثبتت صحته، وفقاً للمؤلفين، على مدار التاريخ العراقي الحديث الذي أهمل الاعتراف بهذه الحقيقة (10).

(ج) التقسيم: وعلى هذا الأساس يصل المؤلفان إلى الرؤية التي يحاولان إقناعنا بها، والمتمثلة في أن الحل الوحيد الممكن في العراق ليس الديمقراطية وإنما التقسيم، الأمر الذي يعززه من وجهة نظرهما أن العراق مقسم بالفعل: فالجنوب عربي شيعي في الأساس، والوسط عربي سني بصورة رئيسية، أما كوردستان فكوردية سنية.

وهما يشيران، بناءً على رؤية تاريخية شاملة على مدى عقود القرن الماضي، إلى أن ما يحدث في العراق يجد جذوره مترسخة في التاريخ العراقي، معتبرين أن ما يسميانه أمراض العراق المعاصرة تتمثل، على حد تشخيصهما، في القمع الداخلي والاستخدام الواسع للعنف، فضلاً عن التهديد الذي يمثله العراق لجيرانه.

ووفقاً لهذا الطرح يمكن حكم العراق بوصفه ثلاثة أجزاء بسهولة كبيرة واستبداد أقل من حكمه وحدةً واحدة. وبتطور الموقف تحسم كل وحدة اختياراتها بنفسها بخصوص أولوياتها لإعادة إعمار العراق، وتبدأ صياغة علاقاتها الاقتصادية مع الأقاليم المحيطة. وبعد مدة معينة، ربما عامين أو ثلاثة أعوام، سيأتي الوقت الذي يحدد فيه العراقيون أنفسهم المستقبل السياسي للعراق.

وهذا يفترض الحاجة إلى استفتاء يسبقه تحاور مفتوح وأمين بين العراقيين أنفسهم حول ما إذا كان هناك أي مستقبل لدولة العراق. وسوف يُجرى الاستفتاء في كل من الوحدات الثلاث، ولو صوتت الأغلبية في أي وحدة للانسحاب من العراق فيجب قبول هذا القرار.

وهناك ثلاث نتائج محتملة لهذه العملية: الأولى بقاء الوحدات الثلاث كلها معاً دولةً مترابطة، والثانية انسحاب الأكراد بينما تبقى الوحدتان الباقيتان للسكان العرب معاً، والثالثة انقسام ثلاثي ينتج عنه في كوردستان الدولة الكوردية، ودولة للسنة في الوسط، ودولة للشيعة في الجنوب (11).

إلا أن هذه التصورات والأفكار، رغم صدورها عن محللين سياسيين مرموقين، لم تجد بعدُ تأييداً ملحوظاً لدى صناع القرار السياسي في البيت الأبيض، الذين لا يزالون يؤكدون أن من واجبنا أن نساعد الساسة العراقيين على تقديم وحدة بلادهم على أولوياتهم الطائفية، وأنه ينبغي على الحكومة العراقية أن تدير حواراً ومحادثات حتى مع أقبح اللاعبين الأساسيين من دول الجوار، لما لهم من نصيب في حل مأزق بلادهم الراهن. وباستثناء القوى المتطرفة التي ليست لها أدنى مصلحة في وحدة العراق ولا استقراره، من أمثال تنظيم «القاعدة» وما إليه، فإنه يجب إشراك الجميع في هذه العملية السياسية الرامية إلى الخروج من المأزق الحالي. كما يجب حل كل المشكلات والخلافات المتصلة بالدستور الفيدرالي، وبتوزيع الموارد الاقتصادية الوطنية، وكذلك بدور الميليشيات غير الرسمية وغيرها، في اتجاه الحفاظ على وحدة العراق أولاً وقبل كل شيء. وفيما لو رفض هؤلاء، وغادرت قوات التحالف أراضي بلادهم، فإن عليهم أن يدركوا جيداً أن بقاءهم هم أنفسهم سيكون مهدداً جراء الفوضى التي ستعقب الانسحاب (12).

ذلك هو الثمن الباهظ من الدماء العراقية التي سالت لتطبيق الحرية والديمقراطية في بلد قبلي متنوع الأعراق والديانات، وقد تنبه إليه، بعد فوات الأوان، رموز الحكم في واشنطن ولندن. وباتت القناعة كاملة بأن الثورة السورية التي بدأت في آذار 2011، إذا ما أرادت أن تنال الحرية والديمقراطية، فما على النظام السوري ورئيسه بشار الأسد إلا أن يدمر الدولة بنفسه، وليس عن طريق غزو أمريكي بريطاني جديد.

المصادر

  1. جوزيف بايدن، «تقسيم العراق من أجل وحدته»، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي ونائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية، خدمة «لوس أنجلوس تايمز» و«واشنطن بوست»، خاص بـ«الوطن».

  2. جيفري كمب، «استراتيجية “التقسيم الناعم”: هل تصلح للعراق؟».

  3. جيفري كمب، «استراتيجية “التقسيم الناعم”: هل تصلح للعراق؟».

  4. هيلين كوبر، «خطة أمريكية لتقسيم العراق».

  5. إدوارد هيرست، «تقسيم العراق غير ممكن على الصعيد التطبيقي».

  6. أندروز هندرسون، «أمريكا ومصير العراق: خيارات بالغة الصعوبة».

  7. جوست هلترمان، «العراق والحجج الواهية لأنصار “التقسيم الناعم”»، نائب مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «مجموعة الأزمات الدولية»، يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور».

  8. جيمس زغبي، «العراق: هاجس الأمريكيين والعرب».

  9. هوارد لافرانشي، «تخبط الأمريكيين في البحث عن الحل الملائم».

  10. ليام أندرسون وغاريث ستانسفيلد، «ثلاثة سيناريوهات تحيّر المراقبين: دور بريطانيا في تشكيل العراق الحديث وراء أمراضه».

  11. ليام أندرسون وغاريث ستانسفيلد، «هكذا يزداد المأزق الأمريكي عمقاً: هل تقسيم العراق إلى ثلاث وحدات خيار وارد؟».

  12. جيرمي غرينستوك، «نحو مبادرة شاملة لحل المأزق العراقي»، يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز» و«واشنطن بوست».


أجزاء «الأطماع الاستعمارية بكوردستان» (15 جزءاً):

  1. الجزء الأول: تغلغل الدول الاستعمارية في كوردستان
  2. الجزء الثاني: بريطانيا تغدر الكورد واحتلال كوردستان العراق
  3. الجزء الثاني (القسم الأول)
  4. الجزء الثاني (القسم الثاني)
  5. الصراع الكوردي الآثوري ومقايضة عربستان بالسليمانية
  6. الوضع الإداري والوضع الكوردي بعد قيام الدولة العراقية
  7. الجزء الثالث (القسم الأول)
  8. الجزء الثالث (القسم الثاني)
  9. الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الأول)
  10. الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الثاني)
  11. الجزء الخامس (القسم الأول)
  12. الجزء الخامس (القسم الثاني)
  13. الجزء الخامس: الكورد في صك الانتداب والمعاهدة والبيانات الرسمية
  14. الجزء الخامس: اتفاقية 1926 وبيان 1930 والخلاصة
  15. الجزء الخامس (تتمة) (هذا الجزء)

→ الجزء السابق