الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأطماع الاستعمارية بكوردستان العراق، الجزء الثاني (القسم الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

أ- السياسة البريطانية في كوردستان العراق (ولاية الموصل)

لم تدع خطوات الاحتلال العسكري البريطاني لولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية مجالاً للشك في نوايا بريطانيا الحقيقية، فقد جاء الإنجليز إلى كوردستان العراق غزاةً وتصرفوا بما يتفق مع ذلك. وكانت الذريعة المباشرة للاحتلال البريطاني إعادة «القانون والنظام» إلى نصابهما، وبالدرجة الأولى بين العشائر الكوردية في كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق). وعلى عكس ولايتي بغداد والبصرة أقيمت في ولاية الموصل (كوردستان العراق) إدارة عسكرية صرفة لا إدارة مدنية، وعلّل الإنجليز ذلك بالغموض الذي يكتنف المستقبل السياسي لولاية الموصل التي وُعدت بها فرنسا طبقاً لاتفاقية سايكس – بيكو في 16 مايس عام 1916 (1).

ولكن يبدو أن ذلك لم يكن السبب الرئيسي، وإنما موقف العشائر الكوردية التي تتمتع بروح قتالية وترفض الخضوع طواعية للغزاة الجدد البريطانيين والفرنسيين. ذلك هو ما أجبر السلطات البريطانية على تحسين علاقاتها مع القيادات الكوردية العشائرية الإقطاعية حتى انتهاء العمليات العسكرية ضد العثمانيين، وساعد على ذلك وجود هدف مشترك، ألا وهو طرد العثمانيين الأتراك من الولايات العثمانية في العراق.

وعقدت القيادة العسكرية السياسية البريطانية في كوردستان العراق آمالاً خاصة على التعاون مع الشيخ محمود الحفيد البرزنجي، الذي كانت لديه، إلى حين، آمال في نوايا الإنجليز بتشكيل حكومة كوردية مؤقتة في كوردستان العراق. وفي مطلع خريف عام 1918م كانت التناقضات الإنجليزية الكوردية تجري وكأنها في الخفاء، فعندما عانى الإنجليز من مصاعب مؤقتة في الجبهة حاولوا إثارة الكورد، ولكنهم أخفقوا في ذلك، وجرت مباحثات مكثفة مع أبرز زعماء الكورد، سواء في كوردستان العراق أو في المهجر.

ولكن النجاحات في هذا الجانب لم تكن كبيرة؛ فقد عبّر كل من شريف باشا السليماني والسيد طه الشمديناني عن استعدادهما في تلك المرحلة للتعاون مع الإنجليز، ولكن كليهما لم يكن له نفوذ سياسي في كوردستان: فالأول، شريف باشا، لم تكن له صلات بكوردستان ولم يتمتع بنفوذ فيها، أما الثاني، السيد طه، فلم تكن له أهمية كبيرة، فضلاً عن أنه كان على خصام دائم مع الزعماء الكورد الآخرين (2). وقد أثارت نوايا الإنجليز في المسألة الكوردية شكوكاً متزايدة لدى القيادات الكوردية، حيث جعلوا المسألة الأرمنية حجر الزاوية في علاقات بريطانيا مع الكورد ورموزهم، حتى مع الشخصيات الكوردية الموالية لها.

وبعد أن أصبحت بريطانيا سيدة الموقف في العراق شددت ضغطها على القيادات الكوردية في محاولة لإرغامها على خدمة أغراضها العسكرية السياسية في منطقة كوردستان، وتبين أنها آثرت في المرحلة الأولى اتخاذ إجراءات ذات طابع سياسي مع استغلال المشاعر القومية للكورد في كوردستان الجنوبية (العراق).

لقد حمل لواء السياسة البريطانية الاستعمارية في هذه المنطقة الضباط السياسيون البريطانيون الأوفياء لقوات الاحتلال، الذين تولّوا قيادة زعماء العشائر الكوردية، وكان هؤلاء ذوي حنكة سياسية، متمرسين في فن «الدبلوماسية الشرقية»، وعلى دراية حسنة بالظروف المحلية، ولهم صلات وثيقة مع القيادات العشائرية الكوردية والعربية. ذلك ما دفع العقيد (أرنولد ويلسون)، نائب السير برسي كوكس كبير الضباط السياسيين للقوات العسكرية البريطانية في ميزوبوتاميا (المندوب السامي البريطاني في العراق)، إلى طرح أسس السياسة البريطانية تجاه الكورد خلال الحرب العالمية الأولى وفي العامين الأولين بعد انتهائها. وأعلن أرنولد ويلسون في مذكراته الشخصية والتاريخية «عدم حل القضية الكوردية ما دامت العشائر الكوردية منقسمة على نفسها، ويفتقر قادتها إلى سياسة عامة، وهم متفقون فقط في معارضة كل شكل من أشكال الإدارة التي من شأنها وضعهم تحت السيطرة العربية» (3).

لقد كان أرنولد ويلسون نفسه، والضباط السياسيون الخاضعون له، يعملون على بث الفرقة بين صفوف الشعب الكوردي وإذكاء نار الخلافات الكوردية العربية، كي يتمكنوا من فرض السيطرة البريطانية على العراق من خلال المواجهة بين القوميتين العربية والكوردية (4).

وفي البداية حاولت الإدارة البريطانية تطبيق سياسة الإشراف غير المباشر بالاعتماد على القيادة الإقطاعية الكوردية، وهي السياسة التي جرى اختبارها وتطبيقها كثيراً في الهند وفي غيرها من المستعمرات وأثبتت نجاحها، ووعدت هذه القيادة بالحرية التامة في التصرف في الشؤون الداخلية تحت إشراف الضباط السياسيين الإنجليز. وجاء في تعليمات الرائد (الميجر) نوئيل، أحد حاملي لواء السياسة البريطانية في كوردستان، الذي عُيّن ضابطاً سياسياً في مقاطعة كركوك في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1918م، السماحُ بتعيين الشيخ محمود البرزنجي ممثلاً للإنجليز في السليمانية. وجرت تعيينات مماثلة لزعماء الكورد في جمجمال وحلبجة وغيرهما من المراكز المهمة في كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)، وحُدّد مقر الميجر نوئيل في السليمانية ليكون على مقربة من الشيخ محمود الحفيد الذي عُيّن حاكماً (حكمدار)، واستُبدل بجميع الموظفين الأتراك والعرب موظفون كورد (5).

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما المشاريع البريطانية في كوردستان العراق؟ لقد كان واضحاً أن بريطانيا لم تكن لها سياسة واضحة محددة فيما يختص بالعراق عامة وكوردستان بوجه خاص. فقد اجتمعت اللجنة الفرعية لمجلس الوزراء البريطاني في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1918م للنظر في السياسة البريطانية في العراق، وأعطت (أرنولد ويلسون) صلاحية أن يضع أمام الشعب العراقي ثلاثة أسئلة للتعرف على وجهة نظره السياسية، وهي:

  1. هل يحبّذ الكورد قيام دولة عربية تحت إشراف بريطانيا تمتد حتى الحدود الشمالية لولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق) وإلى الخليج العربي؟

  2. وفي هذه الحالة، هل يرى الكورد أن يوضع حاكم عربي على رأس هذه الدولة العراقية العربية الجديدة؟

  3. وفي هذه الحالة، مَن يفضّل الكورد أن يكون على رأس الدولة العراقية الجديدة؟

وقد طُرحت هذه الأسئلة فقط في كوردستان الجنوبية (العراق) أي ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، وسرعان ما بدأ أرنولد ويلسون تنفيذ الاستفتاء بين القادة والشيوخ الكورد، متجاهلاً الجماهير الكوردية العريضة من المزارعين والتجار والعمال والضباط الكورد السابقين والحاليين (حينذاك)، الذين يمثلون في الحقيقة الجزء الأكبر من الطبقة الكوردية المتعلمة، إذ حرمهم البريطانيون (أرنولد ويلسون) حق إبداء وجهة نظرهم.

وفي التقارير البريطانية وجهات نظر مخالفة بشأن الاستفتاء، تبين أن أغلبية الكورد كانت راغبة في تشكيل إدارة كوردية مستقلة أو في الانضمام إلى كوردستان تركيا (كوردستان الشمالية)، خاصة أن معاهدة سيفر عام 1920 كانت لا تزال قائمة.

لقد كان لهذا الاستفتاء أهمية بالنسبة لبريطانيا من حيث إنه يكون وسيلة لها إلى سياسة خاصة في كوردستان العراق.

وقد انقسم المسؤولون البريطانيون حول مستقبل السياسة البريطانية في عموم العراق وكوردستان؛ فقد تبنت حكومة الهند البريطانية والسير (أرنولد ويلسون) فكرة وضع العراق كلياً تحت السيطرة البريطانية كما هو متبع في الهند، أي تحت حكم بريطاني مباشر، بينما تعاطف فريق آخر من البريطانيين الخبراء بأمور الشرق الأوسط مع الأماني الوطنية العربية، غير أن واقعه لم يكن تعاطفاً مع هذه الأماني، بل كانت وجهة نظرهم أن ظروف العراق لا تسمح بوضعه تحت السيطرة البريطانية المباشرة كما هو حال الهند.

لقد بدأ أرنولد ويلسون بناء الإدارة المدنية في المناطق المحتلة من العراق بتوجيه من برسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في العراق، ثم من تلقاء نفسه بعد ذلك. وكان أرنولد ويلسون مؤمناً بنظام يشبه نظام اللورد (كرومر) في مصر، وحينما تبين له أن الحكومة البريطانية تزمع اتخاذ سياسة مغايرة لسياسته دافع عن أفكاره بقوة في وجه حكومة لندن.

وكان أرنولد ويلسون يرى إلحاق كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) بالعراق العربي الجديد، وقد تبلور موقفه بوجه عام من نظام حكم ما بين النهرين في البرقية التي أرسلها إلى حكومة الهند البريطانية في 20 شباط عام 1919، والتي تلخصت في الآتي (6):

  1. إن الدولة الجديدة في العراق العربي لا بد أن تشتمل على الولايات الثلاث: البصرة وبغداد والموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية، بالإضافة إلى دير الزور.

  2. إن هذه المنطقة (العراق العربي الجديد) لن يحكمها أمير عربي، ولكن تدار بواسطة المندوب السامي البريطاني.

  3. إن السيطرة البريطانية المؤثرة في العراق العربي الجديد سوف تدعمها القوات العسكرية وسلاح الطيران البريطاني.

  4. يكون تحت سلطة المندوب السامي البريطاني أربعة مندوبين له على رأس الولايات الآتية: البصرة، وبغداد، والفرات الأوسط، والموصل (كوردستان العراق).

  5. إن منح بعض الاستقلال الداخلي الذاتي لكوردستان (ولاية الموصل) ينبغي أن يُترك لمشيئة بريطانيا، ولا يُطرح في مؤتمر السلام القادم في باريس 1919م إن كان ذلك ممكناً، وإذا ما أعطيت كوردستان (ولاية الموصل) وضعاً منفصلاً تكون الولايات التابعة لحكم المندوب السامي البريطاني في العراق خمس ولايات بدلاً من أربع (7).

وبهذا الشكل اتسم مشروع أرنولد ويلسون بطابع توسعي استعماري ليس للكورد فيه وجهة نظر، إذ تطاول أرنولد ويلسون على جزء كبير من حصة فرنسا التي أعطيت لها في اتفاقية سايكس – بيكو (ولاية الموصل)، وأراد إقامة حكم استعماري بريطاني على العراق لا حكم وطني، وهذا مخالف لما وعد به الإنجليز العرب أثناء الحرب العالمية الأولى، أي ما وعدوا به ملك الحجاز الشريف الحسين بن علي.

وكان على الكورد التخلي عن حلمهم في استقلال كوردستان، وفي أفضل الأحوال وُعدوا باستقلال ذاتي كاذب تحت رقابة بريطانية شديدة، توفرت فعاليتها بالتقسيم الإداري الذي خُطط له سابقاً. ذلك أن المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس طرح منذ تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1918م مسألة بناء خطوط السكك الحديدية التي من شأنها المساهمة في تطوير المناطق الكوردية في كوردستان: كفري، وكركوك، وألتون كوبري، وأربيل، ورانية، والسليمانية، بثرواتها الاقتصادية الغنية. وكان هذا الخط الحديدي ضرورياً جداً لفرض الإشراف البريطاني على كوردستان، ولذلك نجد موافقة وزارة الحربية البريطانية السريعة عليه دون مماطلة (8).

وفي 13 حزيران (يونيو) عام 1919 صدرت عن الإدارة السياسية البريطانية في بغداد وثيقة مخصصة لوزير شؤون الهند، ويبدو أن أرنولد ويلسون هو الذي وضعها. وتضمنت الوثيقة مشروعاً جديداً لحل المسألتين العربية والكوردية، والجديد في هذا المشروع هو استبعاد كوردستان الشرقية (كوردستان إيران) عن مجال مناقشة المسألة الكوردية؛ فقد حدد هذا المشروع حدود الأراضي الشرقية من كوردستان، التي هي كوردية على الأغلب، بالحدود التركية الفارسية، ومن ثم جرى تعداد المناطق التي يعيش فيها الكورد والتي يجب أن تدخل بلا شك في عداد ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين، أي العراق العربي الجديد) الواقعة تحت الحكم البريطاني، وبذلك حُذفت جميع هذه المناطق الكوردية من مفهوم كوردستان عملياً. ويجب أن تمر الحدود الجنوبية للأراضي الكوردية غالباً إلى الشمال قليلاً من الجزيرة الكوردية (جزيرة بوتان) وشمال نصيبين، وإلى الجنوب من ماردين وشمال رأس العين في كوردستان سوريا، ومن ثم بمحاذاة خط العرض 37 درجة حتى بيره جك غرباً، حتى الحدود الجنوبية لولايات خربوط وبدليس ووان الكوردية.

وأكدت الوثيقة أن الكورد بوسعهم الاتحاد فقط على الأراضي الواقعة شمال الخط المشار إليه، في دولة كوردية مستقلة يكون مركزها بدليس أو وان، ومن الضروري أن تكون تحت إشراف إداري أجنبي صارم، ويفضل أن يكون بريطانياً، دون السماح بتوطين الأرمن في هذه الأراضي الكوردية.

وأشارت الوثيقة إلى أن الكورد منقسمون إلى فريقين رئيسيين: أحدهما موالٍ لبريطانيا، في حين يقف الآخر بجانب الأتراك، وفي حال نجاح الفريق الثاني الموالي لتركيا فإن الآمال المعقودة على تشكيل الدولة الكوردية سوف تنهار.

وفي ختام الوثيقة اقتُرح المخطط التالي للتسوية السياسية في ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين)، أي ولايتي بغداد والبصرة، وفي شرق الأناضول (المنطقة الجغرافية لكوردستان): أن تؤلف ولايتا طرابزون وأرضروم الدولة الأرمنية على أن تكون تحت الوصاية الأمريكية، وتؤلف الولايات الكوردية: ديار بكر وخربوط ووان وبدليس الدولة الكوردية على أن تكون تحت الوصاية البريطانية، وتؤلف ولايات الموصل (كوردستان العراق) وبغداد والبصرة الدولة العربية على أن تكون تحت الوصاية البريطانية أيضاً. وفي النهاية عبّر كاتب الوثيقة (أرنولد ويلسون) عن خشيته على مستقبل بريطانيا في كوردستان، واختتم كلامه بلهجة تشاؤمية قائلاً: «أفضّل أن أرى أمريكا أو حتى تركيا في كوردستان بدلاً من الاستقلال الكوردي في كوردستان» (9).

ولكن من الملاحظ أن وجهات النظر الواردة حول وضع المسألة الكوردية في كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق، ولاية الموصل) والمناطق المجاورة لها من كوردستان الجنوبية الغربية (كوردستان سوريا) لم تكن ثابتة، فقد تغيرت مع التحولات السريعة الجارية على الساحتين الدولية والشرق أوسطية. ففي تموز (يوليو) عام 1919م كتب الميجر نوئيل، الضابط السياسي البريطاني في السليمانية، عن عدد من الظروف الجديدة في الحياة السياسية لتركيا ما بعد الحرب العالمية الأولى، والتي كانت لها علاقة مباشرة بالقضية الكوردية، سواء في هذه البلاد أو في البلاد المجاورة، وخاصة العراق.

ففي 15 أيار (مايو) عام 1919م جرى، بموافقة الحلفاء، إنزال القوات اليونانية في إزمير التركية، وكانت تلك الخطوة هي الأولى لتقسيم علني للأراضي التركية نفسها. وفي اليوم التالي، أي في 16 أيار (مايو) 1919، غادر إسطنبول الجنرال مصطفى كمال باشا (أتاتورك)، الذي اكتسب شهرة عظيمة أثناء الحرب العالمية الأولى، لكي يقود حركة الشعب التركي الوطنية التحررية في الأناضول. وقد أثرت معظم هذه الأحداث مباشرةً في الوضع في كوردستان، وربما يرجع ذلك إلى نشوء مراكز لمقاومة الشعب التركي للغزو اليوناني. وعلاوة على ذلك ظهر شبح قيام دولة أرمنية مستقلة كانت عملياً صنيعة الحلفاء، بقيادة زعماء حزب «الطاشناق» القومي الأرمني المتطرف المتشبع بروح العداء للكورد. وشكلت جميع هذه العوامل تربة خصبة لتصعيد التوتر السياسي في المناطق الكوردية، وتدل هذه الوقائع على التأرجح الشديد في سياسة التوازن في كوردستان.

وفي أواخر آب (أغسطس) عام 1919م اقترح وزير شؤون الهند البريطاني مونتاغيو إقامة شريط (Fringe) من دويلات كوردية ذات حكم ذاتي بقيادة الزعماء الكورد، وذلك لنشر النفوذ البريطاني في كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق). وفي حينها قدم الميجر نوئيل، الضابط السياسي البريطاني في السليمانية، مشروعاً آخر في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه 1919 (10)، وكان مشروعه يتضمن حل المسألة الكوردية على أساس ثلاثة شروط هي:

  1. إخلاء كوردستان من الأتراك تماماً.

  2. ضمان وحدة أراضي كوردستان.

  3. إذا جرى تعيين حدود كوردستان تقريباً وفق الخط العرقي بين الأراضي التي يسكنها الكورد والعرب، فإن حصول الكورد على الحكم الذاتي سوف يجعلهم يميلون أكثر إلى الإنجليز، ويكونون أشد عداءً للأتراك. وكذلك فإن إنشاء دويلات كوردية ذات حكم ذاتي سوف يجعلها تتنازع فيما بينها دون أن تسبب أي مشاكل لميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين)، أي العراق العربي (ولايتي بغداد والبصرة فقط).

وقد عرض وزير شؤون الهند البريطاني (أ. س. مونتاغيو) المبادئ التالية لسياسة الحكومة حول كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق):

  1. يجب أن تكون حدود ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين) ولايتي بغداد والبصرة فقط، حسب الإمكانية، من وجهة النظر العسكرية والسياسية البريطانية.

  2. يجب تفادي النشاط العسكري البريطاني خارج هذه الحدود.

  3. لا تقوم بريطانيا بالانتداب على كوردستان مهما كانت الظروف.

  4. عدم السماح بعودة السيطرة التركية على كوردستان (11).

وعلى هذا النحو لم يكن قد تكوّن لدى الحكومة البريطانية حتى ذلك الوقت تصور دقيق للشكل الذي يجب اختياره لتنفيذ السياسة البريطانية في كوردستان الجنوبية (العراق)، وإنما كان لديها فقط شكل ما لخطة شاملة لتكوين سياسي في المناطق الكوردية الجنوبية (كوردستان العراق)، من شأنه أن يقوم بدور الحاجز لضمان حماية المستعمرة الجديدة (العراق العربي)، مما يرفع العبء عن الجيش الإنجليزي ويوفر كذلك الكثير من الأموال. وإلى جانب ذلك كان ينبغي درء خطر نشوء دولة كوردية (كوردستان) مستقلة استقلالاً حقيقياً وموحدة على أرض ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين).

وقد ورد هذا التحليل الأخير في تقرير (أرنولد ويلسون) عندما أعلن أنه لا يوافق أبداً على مقترحات الميجر نوئيل. فحسب رأيه فإن السلطة العثمانية التركية في كوردستان موجودة، وسوف تتعزز بسبب سياسة التدخل التي تنتهجها دول الحلفاء في (سميرنا وكيليكيا)، لكنها لن تمس قضية أمن ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين). ولم تكن كوردستان موحدة أبداً، أما السليمانية وأربيل فليس بينهما وبين أجزاء كوردستان الأخرى أي شيء مشترك، وبوسعهما الانضمام إلى كوردستان إذا اتحدتا تحت سلطة دولة منتدبة واحدة، الأمر الذي لا يبدو واقعياً في المرحلة الحالية، فضلاً عن أن سكان السليمانية راضون عن الإدارة البريطانية الحالية.

ولم يشاطر أرنولد ويلسون الميجر نوئيل وجهة نظره في أن الكورد في حال حصولهم على الاستقلال الذاتي سوف يصبحون موالين للإنجليز. كما رأى أن الحدود العراقية بالنسبة إلى كوردستان لم تكن أفضل الحلول، وإنما ينبغي إعطاء أهمية أكبر للاعتبارات الاقتصادية والجغرافية (الاستراتيجية). ويرى أرنولد ويلسون أن أفضل سياسة لضمان أمن حدود ميزوبوتاميا الشمالية (ولايتي بغداد والبصرة فقط) هي إنشاء حزام من الدويلات الكوردية تتمتع بحكم ذاتي (12)، ومن الضروري حمل الآثوريين على التوطن في منطقة العمادية، وإعادة الحكم القديم للبدرخانيين في شمال كوردستان العراق، على أن يتم ذلك تحت إشراف بريطاني صارم. وعندئذ يستحيل تماماً تصور وحدة كوردستان السياسية.

وهكذا فإن أرنولد ويلسون يعرض برنامجاً كاملاً لحل المسألة الكوردية يستجيب عملياً للأهداف البريطانية.

وفي 6 كانون الأول (ديسمبر) عام 1919 انعقد في «إنديا أوفيس» (India Office) مؤتمر لبحث المسألة الكوردية بغية الاتفاق على التفاصيل الجزئية لوحدة كوردستان، وعرض وزير شؤون الهند البريطاني (أ. س. مونتاغيو) في المؤتمر وبإسهاب خطة عامة لتسوية القضية الكوردية في المنطقة الكوردية. وكانت الفكرة الأساسية لهذه الخطة: «يجب أن تظل كوردستان الجنوبية (العراق) ضمن مجال نفوذنا»، وبناءً عليها برهن الوزير البريطاني على ضرورة التدخل في شؤون الكورد الداخلية، معللاً ذلك بضرورة حماية ولاية الموصل (كوردستان العراق) من الشمال والخليج من الشرق، وأن تظل ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية ضمن «دولة ميزوبوتاميا» (بلاد ما بين النهرين، أي العراق العربي الجديد). ولكن في هذه الحالة، ولاعتبارات استراتيجية، يجب الاحتفاظ بمدن زاخو والجزيرة الكوردية ودهوك، كما يجب وضع السليمانية تحت الإشراف البريطاني المباشر للدفاع عنها ضد أطماع بلاد فارس، وتجنّب أن تبقى المناطق الكوردية على الأغلب خارج إطار ميزوبوتاميا (العراق العربي الجديد).

وحسب رأي مونتاغيو، وزير شؤون الهند البريطاني، يجب أن تمر الحدود بين كوردستان وميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين) إلى الشمال عند خانقين، ومن ثم باتجاه كفري وكركوك وألتون كوبري وأربيل ودهوك وزاخو وفيشخابور، وينبغي أن تضم جميع هذه المدن إلى ميزوبوتاميا باستثناء أربيل التي يترك مصيرها لما يقرره الزعماء الكورد المحليون. أما الحدود الشرقية لكوردستان الجنوبية (العراق) فتكون مطابقة للحدود القائمة والمعترف بها بين الولايات العراقية وإيران.

وبهذا الشكل اختتم وزير شؤون الهند البريطاني (أ. س. مونتاغيو) كلامه قائلاً: إنه إذا وافق اللورد كيرزون، وزير خارجية بريطانيا، على هذا المشروع فسوف تتم حماية حدود ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين، العراق العربي الجديد) من العثمانيين الأتراك شمالاً وشرقاً بدولة بوتان الكوردية الصديقة (في الجزيرة الكوردية) في كوردستان، وشمالاً بمنطقة الموصل الحصينة، أما من الشمال الشرقي (كوردستان إيران) فبدولة كوردية حرة منفصلة عن كوردستان الوسطى ستكون محمية بجبال منيعة صعبة المسالك، كما أن وجود المسيحيين الأصدقاء في أورمية يمثل ضماناً إضافياً لحماية حدود ميزوبوتاميا الشرقية (13).

إن الآراء السابقة لا تتناول فقط رغبة سلطات الاحتلال البريطاني المعروفة في إخضاع كوردستان، ولكنها تؤكد سعيها إلى تثبيت الانقسام السياسي للمجتمع الكوردي وجعل هذا الانقسام أبد الدهر. وقد استُبعدت من هذه الولاية الكوردية «المستقلة» التي جرى التخطيط لها معظم المراكز التي اتسمت بشيء من الأهمية من الناحيتين الاقتصادية والاستراتيجية، ولم يُترك للكورد عملياً إلا المرتفعات الجبلية، حيث سُمح للزعماء الكورد الذين برهنوا على إخلاصهم للتاج البريطاني بالإشراف عليها. ومن الواضح أن مثل هذه الظروف استبعدت إمكانية قيام تطور اجتماعي واقتصادي وسياسي وثقافي في المجتمع الكوردي. وبعبارة أخرى، كان النهج المقترح مشحوناً بعواقب رجعية متطرفة على مصير الشعب الكوردي. فقد رغب الإنجليز في نقل السياسة التي جرّبوها في مناطق الهند البعيدة عن المركز، في الشمال الشرقي والشمال والشمال الغربي، وتطبيقها في كوردستان؛ حيث كان يوجد في تلك المناطق من الهند نظام من الممتلكات العشائرية والإقطاعية تابع كلياً لبريطانيا، ويجري توظيفه في خدمة الاستعمار البريطاني (14).

ولكن الآراء السابقة كلها لم تأخذ شكل نشاطات سياسية فعلية، ولم تطبق في ذلك الوقت على أرض الواقع، لأنها كانت ما تزال مجرد أحكام للإدارة المحلية في العراق وللأوساط الإنجليزية الهندية بشأن المسألة الكوردية، وعلى نطاق العراق العربي الجديد وحده بصورة رئيسة. ولم تصادق عليها القيادة العليا، أي الحكومة البريطانية، ولم يوافق عليها رئيس الوزراء لويد جورج ووزير الخارجية كيرزون؛ لأن المسألة الكوردية، بوصفها جزءاً من المسائل العثمانية التركية والإيرانية الفارسية والسورية العربية، أو جزءاً من المسألة العامة حول مصير الدولة العثمانية، كانت ما تزال تستوجب الحل على الصعيد الدولي، في حين كان المجال ما يزال مفتوحاً أمامها.

ومما سبق يتضح أن هناك إشكاليات متعددة تبحث عن إجابات منطقية، تدور حول الإطار الجغرافي لكوردستان، ومظاهر الحضارة الكوردية، وحقوقية التبعية السياسية لهذه المنطقة التي أثارت وما زالت تثير الجدل في المعترك السياسي الإقليمي والدولي، وأخيراً التكالب الاستعماري على هذه المنطقة (كوردستان)، والأبعاد المختلفة التي كانت تدفع الدول الاستعمارية إلى الانقضاض على المنطقة الكوردية والحرص على أن تكون لها فيها مناطق نفوذ دائمة، حتى انفردت بريطانيا بالسيطرة على العراق وكوردستان الجنوبية (ولاية الموصل)، خاصة خلال أحداث الحرب العالمية الأولى وما بعدها.


أجزاء «الأطماع الاستعمارية بكوردستان» (15 جزءاً):

  1. الجزء الأول: تغلغل الدول الاستعمارية في كوردستان
  2. الجزء الثاني: بريطانيا تغدر الكورد واحتلال كوردستان العراق
  3. الجزء الثاني (القسم الأول) (هذا الجزء)
  4. الجزء الثاني (القسم الثاني)
  5. الصراع الكوردي الآثوري ومقايضة عربستان بالسليمانية
  6. الوضع الإداري والوضع الكوردي بعد قيام الدولة العراقية
  7. الجزء الثالث (القسم الأول)
  8. الجزء الثالث (القسم الثاني)
  9. الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الأول)
  10. الجزء الرابع: الملابسات الدولية للقضية الكوردية (الجزء الثاني)
  11. الجزء الخامس (القسم الأول)
  12. الجزء الخامس (القسم الثاني)
  13. الجزء الخامس: الكورد في صك الانتداب والمعاهدة والبيانات الرسمية
  14. الجزء الخامس: اتفاقية 1926 وبيان 1930 والخلاصة
  15. الجزء الخامس (تتمة)

→ الجزء السابق  |  الجزء التالي ←